منتديات البيضاء العلمية منتديات البيضاء العلمية
آخر 10 مشاركات
رد الشيخ محمد البشير الإبراهيمي على عبد الحي الكتاني (الكاتـب : أبو عبد الله بلال الجزائري - )           »          ذكر الله في المساجد جماعة للشيخ الفقيه أحمد حماني رحمه الله. (الكاتـب : أبو عبد الله بلال الجزائري - )           »          تهنئة بعيد الفطر لعام 1435 هـــ (الكاتـب : شبكة البيضاء العلمية - آخر مشاركة : أبو عبد الباري رياض المطرفي - )           »          حمل كتاب : وجاء دور المجوس (الكاتـب : أبو عبد الأحد أمين السني - )           »          إلى كل من نُسيّ العلماء الأكابر أو تناساهم من الأعضاء ... دعوني أُصارحكم!! (الكاتـب : أبو عبد الأحد أمين السني - )           »          حكم التهنئة بالعيد .....لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله (الكاتـب : أبو محمد كريم الجزائري - )           »          تعليم الصبيان التوحيد لشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله (الكاتـب : أبو محمد كريم الجزائري - )           »          التنبيه على مخالفات لا ينتبه لها أصحاب السيارات (الكاتـب : أبو محمد كريم الجزائري - )           »          هل يجوز الأكل من الطعام الذي يرسل إلي المساجد بنية الصدقة على عامة الناس ؟ العلامة عبيد الجابري... (الكاتـب : أبو بكر بن يوسف الشريف - آخر مشاركة : أبو صهيب الكوني الليبي - )           »          إذا ترتب على إظهار سنة من السنن مفسدة (الكاتـب : أبو محمد كريم الجزائري - آخر مشاركة : أبو صهيب الكوني الليبي - )


العودة   منتديات البيضاء العلمية > :: الـمـــنابـــر الـعـلـمـيـــة :: > الــردود الــعــلـمــيــة > الـشــيــعــة الـــرافــضــــة

لتشغيل الإذاعة إضغط على زر التشغيل

تحميل فلاش بلاير to من أجل تشغيل الإذاعة.

التسجيل في منتديات البيضاء العلمية مفتوح اليوم

إضغط هنا للتسجيل
إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 26-May-2004, 03:35 PM
أبو تراب فرحات السلفى
 
المشاركات: n/a
افتراضي كتب الشيخ احسان الهي ظهير في الرد على الشيعة

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

إنَّ الحمد للّه نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات اعمالنا ، من يهده الله فلا مضلَّ له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا اللّه، وأشهد أنَّ محمداً عبده ورسوله:

}يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً}

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً}

اما بعد
فان اصدق الحديث كلام الله
وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وآله وسلم
وشر الامور محدثاتها
وكل محدثة بدعة
وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار
وبعد
قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم
(من رآى منكم منكراً فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك اضعف الإيمان)

اخواني في الله السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

إن المنكر الذي اريد التحدث عنه هو من اعظم المنكرات خطرا وافسدها للإيمان وأضرها على الدين
وهي فتنة الشيعة ( الروافض )
التي قام ابناؤها يدعون اليها في كل مكان ويظهرون للناس إن باطلهم هذا هو الإسلام بعينه وانه لافرق كبير بينه وبين مذاهب اهل السنة والجماعة
ويدعون بأن هنالك خلاف جزئي بسيط في أمور فرعية فقط
وبما أن الخلاف اصولي وفي امهات العقائد
وبما أن عامة اهل السنة لاعلم لهم بهذا الخلاف وبل حتى اكثر عوام الشيعة لاعلم لهم بهذه العقائد الفاسدة لأن علمائهم لا ينشرون كتبهم الأساسية التي عليهااعتماد مذهبهم

كان لا بد من اظهار هذه العقائد الشيعية المخالفة لكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه واله وسلم حتى يكون الجميع على بينة من دين الشيعة ويتضح لهم فساده وبطلانها

إن الـــبـــغـــاث فـــي ارضـــنـــا يـــســـتـــنــــسر

فيا علماء الإسلام ويا اولياء امور المسلمين ويا طلاب العلم الشرعي انتم مدعوون للدخول من اعظم ابواب الجهاد ببذل كل مابوسعكم لنصرة الحق ودحر هذا الباطل وإماتت هذه الفتنة
وإلا فإن المسئوولية ستقع أول ما تقع عليكم
فإتقوا الله في انفسكم وفي هؤلاء المسلمين الذي قد عزم الباطل ان ينشر سمومه فيهم ويصدر ثورته اليهم فيغير عقائد هؤلاء البسطاء من الحق الى الباطل

اللهم انت المطلع وانت الهادي تعلم ما في ضمائرنا واسرارنا مكشوفة لديك
فنسالك البصيرة والعدل واظهار الحق فبهدايتك نهتدي يا ارحم الراحمين
.............................
اخواني في الله
بداية احببت ان افرغ لكم كتب الشيخ احسان الهي ظهير رحمه الله تعالى لما تحوي من شمولية تقريبا
لعقائد الشيعة والرد عليها ولعلمنا ان اكثر الاخوة لم يتسنى لهم الاتطلاع عليها اما لعدم توفرها اما لحظرها
نسال الله ان ينفعنا واياكم بها
وان يجزي الشيخ احسان رحمه الله تعالى خير الجزاء
....................................


كتاب : بين الشيعة وأهل السنة
تأليف / إحسان إلهي ظهير
رئيس تحرير مجلة "ترجمان الحديث" لاهور – باكستان
والأمين العام لجمعية أهل الحديث – باكستان

......................................

مقدمة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم المعصومين، وأشرف المرسلين، وعلى آله وأصحابه الغر الميامين، ومن سلك مسلكهم واهتدى بهديهم إلى يوم الدين، وبعد:
إن مصر قلعة من قلاع الإسلام وحصن من حصونه، وإنها لمهد للحضارة الإسلامية، معهد للعلوم والفنون، وهي بلد الأزهر، وموطن العلماء، وإنها لمحط أنظار المسلمين، ومهوى أفئدتهم وقلوبهم، كما أنها كانت ولا زالت كعبة عشاق العلم وطلابه، ومورد رواد الفكر ومشتاقي الإدراك والمعرفة، وهي مقر الكتاب، ومستقر الدعاة، وموطن الفقهاء، ومنبت المحدثين، لها ماضيها المجيد وحاضرها الحميد، ينظر إليها المسلمون في كل قطر من أقطار الأرض، وبقعة من بقاعها. . نظرة إكبار وتقدير لما لها من أياد بيضاء في إنارة الفكر الإسلامي وإضاءة الطرق أمام منتهجيها وسالكيها، فينظرون إلى كل ما صدر منها نظرة الثقة والاعتماد والتصديق لأصالة علومها، ورسوخ علمائها فيها، ولتحملهم أعباء الدعوة بوجوهها الصحيحة. وأسسها الأصيلة. وقواعدها المتينة الرزينة. . بالأمانة العلمية والمسئولية الدينية، مع اعتقادهم أن لا عصمة لأحد بعد نبي الله خاتم المعصومين وسيد المرسلين، ولا بد للعالم من زلة وهفوة، كما أنه لا بد للفارس من كبوة، فغفر الله لمقترفيها بغير قصد، ومرتكبيها بدون تعمد: ] ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا . . .[ [سورة البقرة: الآية 286].
ولكن لم يكن ليخطر على بال أحد أن علماً من أعلامها، ورجلاً من رجالاتها، يحمل قلماً في يوم من الأيام، ليكتب في موضوع حساس عويص، له أبعاده وأخطاره – وهو لا يعرف عنه شيئاً – وعفا الله عنه إن لم يكن يعرف – ولا أظنه يعرف – لأنه لا يتصور من أمثاله أن يخاطر بنفسه، ويقع في مثل هذه المزالق، التي قد تذهب به وبآثاره الماضية في مكان سحيق لا يتوقع النجاة منه، ويهدم به ما بناه من أمجاد وما أداه من خدمات إلى حيث لا يرجى استرجاعها، ويا ليتني لم أقرأ له هذه الرسالة أو يقع نظري على تلك الفقرة، التي يقرر فيها: أنه لم يدخر وسعاً في بحثه، في تحري الحقيقة! مع أنه لم يتحر الحقيقة، ولم يبذل وسعه في البحث، وإن كان هذا هو وسعه، أظهره في كتيبه، الذي نحن بصدد ذكره الآن، فما أظنه على سعة وسعه الذي بذله في كتبه الكثيرة التي نشرت قائمته في آخر كتيبه، مفخرة لعلمه وشرفاً لآثاره. .!
وإذا كان هذا هو مفهوم تحري الحقيقة عنده في هذه الرسالة فلا بد أن تتلاشى الحقائق عند من يقف على كتبه ومنشوراته!
لقد سمعت الكثير عن علم الدكتور علي عبد الواحد وافي وحدثني عنه العديد من الأصدقاء حتى دفعني الشوق إلى لقائه، فإذا أنا أطرق باب مصر وأدخلها طالباً للعلم، ومكتسباً فضائلها، ومغترفاً من بحارها، ممنياً النفس باقتناء طرف من علومها ومعارفها، متشوقاً إلى آثارها ومعالمها، وإلى كتبها وكتّابها، ومبتغياً طرائفها ونفائسها، وأثناء ترددي على مكتباتها، باحثاً عن الكتب الفاطمية وعن الوثائق الإسماعيلية التي أشتغل بالكتابة عنها، التفت إلى كتيب صادر منذ فترة وجيزة لذلك الشيخ الذي تحدث عنه المتحدثون، وسمع به السامعون، تحت عنوان: "بين الشيعة وأهل السنة".
ولقد جذبني عنوان الكتيب إليه، لما ابتليت بالقوم ابتلاء طويلاً، كما زادني انجذاباً إليه. . اسم كاتبه، فمؤلفه دكتور في الآداب من جامعة باريس، وعضو المجمع الدولي لعلم الاجتماع، وعميد كلية العلوم بجامعة أم درمان، وعميد كلية التربية بجامعة الأزهر، ووكيل كلية الآداب، ورئيس قسم الاجتماع بجامعة القاهرة سابقاً – عفا الله عما سلف – فنسيت كتب الفاطمية والفاطميين، واشتغلت بتقليب أوراق الكتيب، ولم أبخل بشراء نسختين منه، ظناً مني أن مثل فضيلته لا يكتب إلا بعد إلمام بالموضوع إلمامة كاملة، وإدراكه له حق الإدراك، وبعد معرفته بجوانبه كله، وتعمقه في سبر أغواره، وزيادة على ذلك دعواه في بداية مقدمته بأنه لم يدخر وسعاً في بحثه هذا. . في تحري الحقيقة، وأيضاً. . فقد سمعت من قبل من بعض المحبين له ولي أنه شرع في كتابة هذا الموضوع!. . فعدت بنسختين من كتابه إلى الفندق الذي نزلت به، عاجلاً. . شوقاً إلى لقياه من خلال كتيبه هذا، الذي يعد بالنسبة لي أول تصنيف له أطالعه وأقرأ فيه – فيا لحسرتي، وأسفاً لشوقي، وتسمع بالمعيدي خير من أن تراه – ولقد خاب أملي في الاستفادة منه، بل انقلبت إلى التأسف والندم.. فيا ليتني لم أقرأ شيئاً لفضيلته، واكتفيت بالسماع عنه بدل الالتقاء به من خلال رسالته هذه ، ولكن ليس السمع كالمعاينة، وليس من راء كمن سمعا، ولعل كتب فضيلته الأخرى لا تكون على شاكلة هذا المؤلف، من بذل الوسع في البحث تحرياً للحقيقة مثل هذه الرسالة، والله غافر السيئات ومكفر الخطايا، وإنه لستار العيوب.
. . وإني لعلى يقين، بأن فضيلة الدكتور كلف نفسه عناء لم يستطع حمل أعبائه في هذا العمر الأخير، حيث تضعف القوى، وتتوانى الهمم، وتكل العزائم، وينفلت زمام المبادرة من يد الفارس المغوار، كما ينفلت زمام العلم والفكر. . من يد العالم المبصر، فهو لطول حياته قد خانه البصر الحسير الكليل، وأعياه الزمان، وأقعده الدهر، وخانته الذاكرة، وله العذر..! ولولا هذا لما كتب ما كتب، ولما ألف ما ألف، ولم يبد فيه ما أبدى من العجائب والغرائب، ومن المضحكات والمبكيات، من الأخطاء الصريحة والأغلاط الفاحشة، ولم يصل إلى ما وصل إليه من الحكم والرأي في الشيعة ومعتقداتهم، ولم يرض ما تقوَّله بدون علم وبدون معرفة. ونحن مأمورون بألا نقول بدون علم، ولا نتكلم بدون معرفة: ] ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولاً [ [سورة الإسراء الآية36].
وخاصة في مثل هذه المباحث التي تسبب تضليل كثير من الناس، وإيقاعهم في المتاهات والضلالات، بسبب زلة عالم وهفوة كاتب، اعتماداً على من قرءوا له، وثقة لما سمعوا به عنه، وعلى ذلك يخاف أخوف ما يخاف من غلطة عالم وزلته – سامحه الله على ما كتب وغفر لنا وله إنه لغفور رحيم وعفو كريم -.
هذا ولا أدري ما هي الأسباب التي دفعت فضيلة الدكتور وافي إلى أن يكتب هذه الرسالة؟ وكان في غنى عن أن يكتبها، حيث أنه يجهل أصول مذهب الشيعة الاثنى عشرية وأسسه التي قام عليها، وليس عنده من كتب القوم شيء – كما يظهر من قراءة رسالته هذه – حتى يستطيع أن يعلم ما جهل، ويعرف ما لم يعرف، ثم يصل إلى الحكم فيهم، وفي عقائدهم ومذهبهم – ] ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها ..[ [سورة البقرة الآية286] – لأنه في كتيبه هذا.. لم ينقل عبارة واحدة من كتب القوم أنفسهم رأساً وبلا واسطة، اللهم إلا ما نقله من الذين كتبوا عنهم، نقلاً محضاً بدون تعقل ولا تبصر، مع ادعائه بأنه حقق آراءهم من أوثق المصادر لديهم [بين الشيعة وأهل السنة ص20 تحت عنوان "موضوع البحث وأغراضه"].
فإن كان قصده النقل المحض عن الآخرين الذين كتبوا عن الشيعة، فما فائدة كتاباته إذن، وكفى الله المؤمنين القتال؟
ومن غرائب الأشياء أن فضيلته يضع في آخر هذه الرسالة قائمة لأهم المراجع عن الشيعة، يذكر فيها كتباً كثيرة مع أنه – حفظه الله – لم ينقل عن واحد منها عبارة واحدة بلا واسطة، كما لم يرد ذكر لكثير منها في الكتيب ولو بواسطة، ولولا حسن ظني به حسب ما أمرنا النبي عليه أفضل الصلاة والسلام " ظنوا بالمؤمنين خيراً " [وقد قيل: إنه من قول عمر بن الخطاب. انظر: كتاب خطبه ووصاياه للدكتور محمد عاشور]. لذهب بي الخيال إلى افتراض دوافع كثيرة إجابة لأسئلة محيرة.. ما الذي جعل الشيخ يكتب كتيباً، ربما يقضي على كل ما كتبه سابقاً من الكتب القيمة – حسب رجائي وتمنياتي – وتركه من الآثار الطيبة؟، وما الدوافع إلى أن يهدم في عمره الأخير كل ما بناه في ماضيه وسالف أيامه وهو يعلم ما نبه الله المؤمنين العاملين عليه بقوله: ] ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثاً ..[ [سورة النحل الآية92].
وهذا هو حسن ظني به والذي يجعلني أقف منه موقف المعتذر عنه أن ما ذهب إليه في رسالته كلها، ما صدر منه.. إلا لعدم المعرفة والعلم بأشياء، هي ثابتة في كتب القوم وعقائدهم، وإن فضيلة الدكتور لم يبرئ ساحة الشيعة عن العقائد التي يعتقدونها، وعن الآراء التي يحملونها، ولم يدافع عنهم إلا عن جهل لا لشيء آخر – وإني لأعتذر عن هذه الكلمة الشديدة – لأنه لا يدفع الأوهام عنه إلا هذه الكلمة التي وإن كانت لكبيرة، فهي التي تدفع عنه الظنون والشبهات. في زمان كثرت فيه الأقلام المستأجرة وشاع فيه الكلام المأجور، وإلا فهل يتصور من عالم يعلم أصول مذهب الشيعة الاثنى عشرية أو الجعفرية كما يسميهم الدكتور وافي، ويعلم أسس شريعة الله التي جاء بها محمد صلوات الله وسلامه عليه ويعتقد بها المسلمون أي أهل السنة بالذات. ثم يكتب "بأن الخلاف بيننا وبينهم – مهما بدا في ظاهره كبيراً – لا يخرج في أهم أوضاعه عندنا وعندهم عن حيز الاجتهاد – المسموح به" [الرسالة المذكورة ص4]!.
فيا للسذاجة والطيبة، ويا للجهل وعدم معرفة الأمور، من رجل ذاع صيته وعمت شهرته، فمتى كانت الأحكام بهذه السذاجة وبهذه الطيبة؟ فهل يمكن لفضيلة الدكتور أو لغيره أن يثبت من كتاب واحد من كتب الشيعة، التي كتبت لبيان مذهب السنة، وتعريفه للشيعة، أن يكون الحكم فيه كهذا أو شبيهه في أهل السنة؟
كلا ورب الكعبة لم يصدر مثل هذا الحكم عن أهل السنة في كتاب شيعي على مر الزمان ومدى التاريخ، حتى ولا في كتاب دعاية كتب على التقية والمداراة والمسايرة!!.
فما الذي دفع فضيلة الدكتور علي عبد الواحد وافي عضو المجمع الدولي لعلم الاجتماع، بأن يكون اجتماعياً مع الذين لا يؤمنون بالاجتماع، وأن يدافع عنهم في بلدة سنية صانها الله وأهلها من النيل من كرامة خلفاء النبي الراشدين، الهداة المهديين، رفاقه الخيرة وأصحابه البررة، وأزواجه أمهات المؤمنين؟ البلاد التي وقاها الله وحفظها وطهرها من أناس طالما وقعوا في أسلاف هذه الأمة وقادتها وزعمائها، وطعنوا وما يزالون يطعنون في خيار خلق الله وصفوته، حملة هذه الشريعة المطهرة، ونقلة هذا الدين الحنيف، وحفظة القرآن، ورواة سنة نبينا المختار صلوات الله وسلامه عليه، نعم ماذا يريد فضيلته بدفاعه عن هذه الطائفة، الذين جعلوا القرآن عضين، ونبذوه وراء ظهورهم، واتخذوه مهجوراً؟ واعتقدوا بعدم حفظه وصيانته من وقوع التغيير والتحريف فيه، وكفروا جميع من نقلوا أخبار الرسول r إلى الناس وحملوها إلينا، وجعلوا الكذب شعارً وديناً.
وكيف يسوغ له أن يبرئ ساحتهم من الاعتقادات التي يحملونها، ويدينون بها، وهي أساس مذهبهم وديانتهم، بكل سذاجة وبكل طيبة، وبكل جرأة؛ ملتمساً لهم الأعذار التي لم يلتمسوها لأنفسهم قط، ومخترعاً لهم المعاذير التي لم يرضوها لهم، في بلدة سنية خالية من الشيعة والتشيع بعد ما ذاقت الأمرين في عصر من ماضيها أيا تسلط طائفة [أي أيام الفاطميين الذين يذكرهم الدكتور وافي في كتيبه هذا بأنه لم يكن مذهبهم بعيداً كل البعد عن مذاهب أهل السنة، ولم تكن وجوه الخلاف بينه وبينهم لتزيد كثيراً عن وجوه الخلاف بين أهل السنة بعضهم مع بعض (ص15) وسيأتي بيان ذلك قريباً في محله إن شاء الله] منهم عليها، وشهدت مساجدها وجوامعها المجالس العديدة التي كانت توجه فيها للسباب والشتائم إلى سادة أصحاب محمد r ، ووزرائه وخلفائه على ملأ من الأشهاد، وعلى مرأى من المسلمين ومسمعهم؟
هل عن قصد أو تعمد؟ – لا جعلنا الله نعتقد فيه هذا الاعتقاد – أم عن عدم فهم ومعرفة؟ – وهذا هو الظن الغالب – ولكن كان عليه أن يتعقل قبل الإقدام من عواقبه الوخيمة، ويتبصر في نتائجها السيئة حيث أن كثيراً من الشباب الذين يجهلون التشيع كلياً، ولا يعرفون حقيقته قليلاً أو كثيراً – سيقعون في شراكهم وحبائلهم الممدة والمنصوبة من كل ناحية وفي كل جانب لإيقاعهم فيها ولاصطيادهم، وخاصة في هذه الآونة الحرجة التي كثرت فيها الدعايات المزورة، ونشط فيها التبشير الشيعي، وازداد غزوه للبلاد السنية المسلمة وأهاليها، وكثرت فيها الأقلام المأجورة، وانتشرت فيها الكتب المشبوهة، مثيرة الشبهات والشكوك في عقيدة أهل السنة والجماعة، العقيدة المنقولة المتوارثة عن رسول الله r ، وعن أصحابه نقلاً متواتراً إلى يومنا هذا.
نعم! ماذا يقصد من وراء هذه الكتيبات والرسائل وأمثالها؟.. لقد كان المفروض أن يتنبه المسلمون، وشبابهم بالذات، إلى مفاسد هؤلاء الناس، وقبائحهم، وشنائع عقيدتهم، وفضائحهم التي ارتكبوها ضد المسلمين في مختلف العصور والدهور، وإن ما يجري الآن ضد المسلمين السنة في إيران من المظالم والاضطهادات راجع إلى أنهم لا يؤمنون بما يعتقده القوم، ومخالفتهم عقائدهم وأفكارهم التي يحملونها تجاه القرآن وحفظته، ونقلة سنته، وحاملي رايات الإسلام المظفرة المنصورة.
نعم! ينبغي أن يكون هذا هو مقصد علماء السنة وكتّابهم لينبهوا من كان غافلاً، ويعلموا من كان جاهلاً، ويزيدوا معرفة من كان بصيراً، بدل أن يقربوا إليهم عقائدهم، وليهونوا عليهم مساويهم، ويحيبوا إليهم أضاليلهم وأباطيلهم، بل أنه يجب على علماء مصر عامة، وعلى علماء الأزهر خاصة – لما لهم من مكان القيادة الفكرية؛ والصدارة العلمية في العالم العربي بالذات – أن يقوموا بتبصير الناس بأمر الشيعة الذين بدأ خطرهم يزداد ويكبر، بعد تربع التشيع على عرش إيران، ووضع جميع الإمكانات والوسائل في سبيل نشره وتصديره خارج إيران، وإلى البلدان الإسلامية السنية خاصة، وبعد انخداع كثير من الشباب المسلم بثورتهم لعدم معرفتهم بحقائق الأمور وخفاياها، وأنها ثورة التشيع لا ثورة الإسلام، وأنها ثورة شيعية لا ثورة إسلامية، وبتعبير صحيح وصريح أكثر: إنها ثورة شيعية على الإسلام، تريد ابتلاع المسلمين خارج إيران، وإذابتهم داخلها، وكل من يتتبع أحداث إيران اليوم ووقائعها، يدرك تماماً ماذا يقصده القوم، وإلى ماذا يهدفون.
فالمظالم التي تصب على الأكراد، والفضائح التي ترتكب في بلو شستان، والدماء التي تراق في عربستان، والاعتقادات الواسعة التي تجري في تبريز وما حولها، ليست إلا وسيلة لإبادة أهل السنة نهائياً، أو لدمجهم في صفوف الشيعة دمجاً كاملاً.
ولم يأت على أهل السنة من المسلمين في إيران زمان أشد وطأة وأثقل ضربة من هذا الزمان، ولا أصعب وأعسر في الحفاظ على دينهم ومعتقداتهم، إلا ما نقل عن الصفويين، ولعله لم يكن ذاك الزمان يضاهي هذا الزمان ويوازيه، في ظلمه وقسوته، حيث لم يكن آنذاك وسائل الإبادة والتدمير كهذه، كما لم يكن سلب الأبناء من الآباء لإيداعهم المدارس الشيعية ومراكز التشيع من الصغر، كي لا يبقى عندهم أدنى معرفة وإلمام بمذهبهم، ومعتقداتهم.
وما أشد بؤسهم وأسوأ حالهم لأن العالم الإسلامي السني في غفلة عما يجري على إخوانهم في إيران، وإنهم لصم وعمي عن صيحاتهم ونداءاتهم المتكررة لنصرتهم وإغاثتهم، وذلك أن القوم اجترءوا على غزو السنة خارج إيران، وفي بلدانهم، وعقر دارهم، وملئوا مدنهم وقراهم بمنشوراتهم الزائفة وكتبهم المزيفة، وزاد الطين بلة أنهم بدل أن يجدوا مواجهة من قبل علمائهم، لصد تيارهم الجارف، وصد هجومهم السافر، وجدوا ضمائر مبيعة، وأقلاماً رخيصة، وعقولاً مخدوعة إلا من رحم ربك، فطاروا مرحاً ونشاطاً وفرحاً وسروراً، وسهلت عليهم مهمتهم، وقربت إليهم أمنيتهم، فشمروا عن ساق الجد، واأسفا على تحقيق باطلهم، وتقاعس أهل الحق لتثبيت حقهم، والدفاع عن حوزة حرماتهم وعقائدهم.
فهل من مبصر يتبصر، وعاقل يتعقل، وعالم يعلم أنه لا يوجد في إيران كلها شخص واحد يستطيع أن يدعو الناس إلى السنة وعقائدهم، ولا من يقدر أن يمنع الشيعة عن غلوائهم في القدح والطعن في القرآن والسنة، وأصحاب رسول الله المبشرين بالجنة، وأزواجه أمهات المؤمنين بشهادة القرآن، بدل أن يدعوهم إلى التقارب والتحابب إلى أهل السنة، وإظهار القول بأن مذهبهم لا يخرج في أهم أوضاعه عن حيز الاجتهاد المسموح به؟!
فيا علماء مصر! رحمكم الله – ألا تخبرون الناس بما يكنه القوم في صدورهم من حقد وضغن وغل لهذه الأمة المجيدة وأسلافها؟ وما يكتمونه من البغضاء والعداء لتعاليم شريعتها الصحيحة، وإرشاداتها المستقيمة، الخالية من شوائب الشرك والوثنية، والصافية من أدران المجوسية واليهودية؟.
فهبوا يا علماء الأزهر.. بالواجب الديني والعلمي، الذي يحتم عليكم تنوير الرأي العام، وتبصير فكر المسلمين، بحقائق.. طالما خفيت على كثير من الناس، في زمن قلّ فيه المخلصون الغيورون، وعزّ فيه الوفاء، ورخص فيه بيع الضمائر والولاء.
أليس من المعقول أن يدعى إلى التقارب قوم جعلوا الشتائم والسباب ديناً، واللعائن والمطاعن مذهباً، بدل ناس يرونها من أفسق الفسوق، وأفجر الفجور، وخاصة في أكابرهم وأئمتهم حيث أنهم لا يراعون – إلاّ ولا ذمة في أئمتنا وأسلافنا؟.
أليس من المحتم أن تكتب كتب، وينشر بينهم في بلادهم تبين لهم حقيقة المذهب الإسلامي السني، وقواعده وأسسه، التي عليها تركهم نبيهم وقائدهم محمد صلوات الله وسلامه عليه، ومن بعده خلفاؤه الراشدون المهديون؟.
وإنه لمن المؤسف حقاً أنهم بدلاً من أن يدعوا إلى ترك السباب والشتائم لحملة هذا الدين ورواده وقادة جيوشه المظفرة، وعساكره المنصورة الميمونة، والاعتقاد بالدستور الإسلامي، والناموس الإلهي، ورسالة الله الأخيرة إلى الناس كافة، والتمسك بسنة نبيه المصطفى صلوات الله وسلامه عليه، أقواله وأفعاله وتقريراته، المنقولة عنه بواسطة أصحابه العدول، وتلامذته الصادقين المخلصين، وتجنب الإهانة والإساءة والقول الزور – بدلاً من هذا كله يدعى المسلمون أهل السنة إلى ترك عقائدهم ومعتقداتهم المستقاة من كتاب ربهم، وسنة نبيهم، وترك الدفاع عن أعراض الصحابة وأمهات المؤمنين، وعن السلف الصالح، وعن بلادهم، لكي يفتحوا أحضانهم لاستقبال التشيع البشع، والشيعة الحاقدين الحانقين، ويدفعوا شبابهم وأبناءهم إلى السبئية الماكرة، واليهودية الأثيمة.
وأما نحن:
فالله يشهد إنا لا نحبهم ولا نلومهم إن لم يحبونا
ولا جعلنا الله من الذين يحبون من يبغضون أصحاب حبيب الله r القائل فيهم: "من أحبهم فبحبي أحبهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم" [رواه أحمد، قال صاحب الفتح الرباني (22/169): أخرجه الترمذي، وقال: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه].
ولا من الذين يشترون الحياة الدنيا وزخارفها، وأموالها الفانية، وشهرتها البائدة، ومديح طائفة منها، ورضاهم بالآخرة الباقية الدائمة، والضلالة بالهدى، والعذاب بالمغفرة.
فالحمد لله.. لقد أدينا بعض ما يوجب علينا ديننا، ويحتم علينا ضميرنا، ويفرض علينا علمنا الضئيل، مع قلة حيلتنا، وقصور باعنا، وضعف إمكانياتنا، وبعدنا عن بلاد العروبة مهد الحضارات، وأيضاً من منزل الرسالة ومهبط الوحي، وفي بلاد أعجمية، رغم المتاعب والمشكلات التي نواجهها في الحصول على العلوم والمعارف وكتبها وخزائنها، فكتبنا أول كتاب في هذا الموضوع بعنوان (الشيعة والسنة) عام 1973م بعد ما ظهرت طلائع الغزو الشيعي الجديد في بلاد المسلمين آنذاك، فشكراً لله على نعمائه، فقد لقي ذلك الكتاب، مع صغر حجمه، الرواج والقبول من أمة محمد r منقطع النظير، حيث صدر منه حتى الآن أكثر من نصف مليون نسخة باللغة العربية، ثم ترجم إلى جميع اللغات الحية التي ينطق بها المسلمون [مثل الإنجليزية والفارسية والأندونيسية والتايلاندية والهوسا، ولقد قامت إدارة ترجمان السنة بطبعها باللغة الإنجليزية والفارسية بالإضافة إلى العربية].
ثم لما استولى التشيع المتعصب المحض على عرش إيران، استبشر المسلمون خيراً في كثير من أقطار الأرض وأطرافها، لعدم معرفتهم بحقيقة معتقدات القوم ونواياهم، ولكننا نحن بحمد الله وفقنا في حينه بوضع كتاب آخر جامع باسم (الشيعة وأهل البيت) تعرضنا فيه لبيان أهم معتقدات القوم من كتبهم الموثوقة، ومصادرهم المعتمدة، بذكر عباراتهم أنفسهم دون أدنى تغيير.. أو تبديل.. أو حذف.. أو نقصان.. متجنبين أبعاد هذه الثورة السياسية، قاصدين تبيين الحقيقة وتوضيحها، في إطار علمي بحت؟، وقصد هذا الكتاب أن يقوم بسرد الروايات الشيعية من كتب القوم أنفسهم، والاقتصار عليها دون الرجوع إلى كتب السنة، وإيراد أية رواية منها للاستدلال والاستنباط، كي نكون منصفين في الحكم، عادلين في الاستنباط والاستنتاج، فاستبشر به الغيورون من أمة محمد r ، والمحبون له خيراً.
ولما ازداد الخطر، واستفحل الأمر، وزاد القوم في غلوائهم وعنترتهم والهجوم على عقائد السلف، والطعن في أسلاف هذه الأمة، كان علينا نحن أن نهب لخدمة العقيدة الصحيحة والتشرف بالدفاع عن الدين وعنهم فأضفنا إلى الكتابين كتاباً ثالثاً تحت عنوان (الشيعة والقرآن) لتبصير المسلمين، وتنوير رأيهم حول عقيدة الشيعة المتوارثة المنقولة عنهم، جيلاً بعد جيل، في القرآن المنزل من السماء، على قلب سيد البشر، بنفس الأسلوب وبنفس المنهج، الذي اخترناه في الرد عليهم، وعلى غيرهم من الفئات الباطلة المنحرفة، أي إدانة القوم بما في كتبهم أنفسهم وبعباراتهم هم، نقلاً عن مراجعهم الأصيلة، ومصادرهم الأساسية نقلاً مباشراً [لا كما فعله دكتورنا الفاضل عبد الواحد وافي؛ لأنه لم ينقل مجرد عبارة واحدة عن كتب القوم رأساً، بل كل ما نقله نقله عن الآخرين (دون تمحيص أو بصيرة)، كما سنثبته إن شاء الله في محله]، فأوردنا في هذا الكتاب أكثر من ألف حديث شيعي من مختلف مصادره ومنابعه وتعدد رواته ونقلته، كل هذه الأحاديث الكثيرة الكثيرة تنبئ وتنص على أن القرآن الموجود بأيدي الناس محرّف ومغيّر فيه، زيد فيه ونقص منه كثير، ثم انتظرنا برهة من الزمن أن يشاركنا أحد من العرب وخاصة من مصر، بلاد العلم والعلماء، ومن الأزهر بالذات، أكبر جامعة إسلامية وأم الجامعات الدينية، ولكن يا لهفتي على الجامعة الأزهرية التي أعقمت أن تنجب واحداً، نعم واحداً يتصدى للرد على الهجوم الذي يشنه الشيعة، ويا لهفتي على مصر أنها لم تلد واحداً يقف في سبيل غزوهم القارة الإفريقية، التي تحتل بموقعها الجغرافي والعلمي مكان الصدارة على بابها، ولذا فإن العبء الملقى على كواهلها لثقيل، والمسئولية عليها لكبيرة، لم أجد هذا، حتى بلغ السيل الزبى، بل وجدت من بين أبنائها، ورجالات فكرها من ينادي بعكس ذلك، ينادي بالوحدة معهم، والتقريب بين معتقداتهم وبين معتقدات أهل السنة، غافلاً عن خطورة الأمر وأضراره الجسيمة، وعواقبه الوخيمة، ناسياً ما يترتب عليه من المهادنة والهوان في سبيل العقيدة والدين، وجاهلاً بما تخفيه هذه الدعوة من الضرب والنقصان للطائفة الحقة المنصورة.. أهل السنة والجماعة: ".. يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسياً منسياً" [سورة مرين الآية23].
وعن أمثال هؤلاء الطيبين الأكارم اشتكى شاعر عربي قديم:
لو كنت من مازن لم تستبح إبلي بنو اللقيطة من ذهل بن شيبانا
إذن لقام بنصري معش خشن عند الحفيظة إن ذو لوثة لانا
لكن قومي وإن كانوا ذوي عدد ليسوا من الشر في شيء وإن هانا
يجزون عن ظلم أهل الظلم مغفرة وعن إساءة أهل السوء إحسانا
كأن ربك لم يخلق لخشيته سواهم من جميع الناس إنسانا
وتمنى أن يكون له قوم بدل قومه:
" شنوا الإغارة فرساناً وركباناً ".
فهل يخبرني أحد من سادة الأزهر وعلمائه، ورجالات مصر ومفكريها وكتابها، ومؤرخيها وباحثيها! هل هناك كتاب في إيرانهم وعراقهم، أو في مجامعهم وجامعاتهم.. أعني الشيعة.. كتاب واحد كتب لتقريب الشيعة إلى أهل السنة ولتحريضهم على حبهم وودادهم؟..
هل من مجيب يجيب؟!!
ولقد كتبت في كتابي الأول عنهم أعني كتاب: (الشيعة والسنة) سالف الذكر "ولقد بدأ الشيعة منذ قريب ينشرون كتباً ملفقة مزورة في بلاد الإسلام، يدعون فيها التقريب إلى أهل السنة، ولكن بتعبير صحيح يريدون بها تقريب السنة إليهم بترك عقائدهم ومعتقداتهم في الله، وفي رسوله، وأصحابه الذين جاهدوا تحت رايته، وأزواجه الطاهرات اللائي صاحبنه في معروف، وفي الكتاب الذي أنزله الله عليه من اللوح المحفوظ، نعم يريدون أن يترك المسلمون كل هذا، ويعتنقوا ما نسجته أيدي اليهودية الأثيمة من الخرافات والترهات في الله، بأنه يحصل له "البدا" وفي كتاب الله بأنه محرف، ومغير فيه، وفي رسول الله، بأن علياً وأولاده أفضل منه، وفي أصحابه حملة هذا الدين، أنهم كانوا خونة، مرتدين، مع من فيهم أبو بكر، وعمر، وعثمان، وأزواج النبي، أمهات المؤمنين، مع من فيهن الطيبة، الطاهرة، بشهادة من الله في كتابه، بأنهن خن الله ورسوله، وفي أئمة الدين، من مالك، وأبي حنيفة، والشافعي، وأحمد، والبخاري، أنهم كانوا كفرة ملعونين – رضي الله عنهم ورحمهم أجمعين -.
نعم يريدون هذا، وما الله بغافل عما يعملون [الشيعة والسنة ص6، 7-ط إدارة ترجمان السنة – لاهور باكستان].
ولكن تغيرت المقاييس الآن وانقلبت المفاهيم، فبدأ بعض علماء أهل السنة ينادون بهذه الدعوة.. أعني التقريب بين أهل السنة والشيعة.. ويرفعون شعارها، بدلاً من أن يردوا على ترهاتهم وخزعبلاتهم.. بل طالبوا بإقامة دور التقريب في مدنهم وبلدانهم، فوا عجباً من اجتماع أهل الباطل على باطلهم والإخلاص له، وتقاعس أهل الحق عن حقهم، وتخاذلهم عن نصرته.. ووا أسفا على محاماة أهل الحق عن آراء أهل الباطل، والدفاع عن عقائدهم الفاسدة، والتحمس في التماس الأعذار لهم تطوعاً، أو بغير تطوع، وبأخذ البديل والأجرة، أم دون أخذه تصدقاً عنهم، وتطوعاً ، وما الله بغافل عما يعمل الظالمون.
هذا بالإضافة إلى أن الشيعة قادة وشعباً، عامة وزعامة، جهالاً وعلماء.. لا يخفون بغضهم لهؤلاء الطيبين وسادتهم، كلما سنحت لهم الفرصة، أو أتيح لم المجال، لأن مذهبهم ليس مبنياً إلا على مخالفة أهل السنة، نعم! إلا على مخالفة أهل السنة وعقائدهم وآرائهم، ومخالفة الأسس التي عليها يقوم مذهبهم، وشريعتهم التي جاء بها محمد صلوات الله وسلامه عليه.
ومن أجل هذا فالقرآن أنكروه، لأن أهل السنة يعتقدونه ويؤمنون به.
سنة النبي الكريم أنكروها، لأن أهل السنة يتمسكون بها.
وأصحاب محمد يكفرونهم، لأن أهل السنة يحبونهم.
وأزواج النبي يشتمونهن، لأن أهل السنة يعظمونهن ويجلونهن ويفضلونهن على أمهاتهن، لأنهن أمهات المؤمنين بنص القرآن.
ومكة والمدينة يكرهونهما، لأن أهل السنة يعتبرونهما أقدس بقاع الأرض وأطهرها في الكون.
والكذب يقدسونه، لأن أهل السنة يكرهونه ويهجرونه.
والمتعة يحلونها، لأن أهل السنة يحرمونها.
والرجعة يقرونها، لأن أهل السنة ينكرونها.
والبداء لله بمعنى الجهل يثبتونه، لأن أهل السنة يبرئون منها جنابه وجلاله.
والأوهام والخرافات والبدع والثونيات والشرك بالله كالاستغاثة بالقبور، والصلاة إلى الأضرحة، والنداء للأموات، والاستغاثة بالقبور، والطواف حولها والسجود عليها، وإقامة الأضرحة والقباب عليها وإقامة المآتم والمجالس.. كل تلك الأفعال الشركية يتشبثون بها، لأن أهل السنة يتبرءون منها، ويتنزهون عنها، ويجحدونها.
وسيأتي بيان هذه الأشياء كلها، إن شاء الله، مفصلاً مدعماً بالأدلة الواضحة والبراهين الساطعة، من كتب القوم أنفسهم، كل هذه الأعمال يأتون بها ويعملونها لأنها مخالفة لما يعتقد به أهل السنة، الذين يعتبرونهم العامة في اصطلاحهم – فعل اليهود حيث يعدون أنفسهم خاصة وغيرهم عامة – لأن الأصل في مذهبهم هو مخالفة المسلمين. وعليها قامت ديانتهم. وإليك بعض النصوص دليلاً على ما ذكرنا:
يذكر الكليني أبو جعفر محمد بن يعقوب في صحيحه الذي قيل فيه: هو أجلّ أربعة الكتب الأصول المعتمد عليها، والذي لم يكتب مثله في المنقول من آل الرسول [الذريعة للطهراني ج17 ص245 –ط إيران].
والذي قال فيه قائمهم الغائب: كاف لشيعتنا [مقدمة الكافي ص25].
يذكر فيه عن جعفر بن محمد أن سائلاً سأله:
"جعلت فداك، أرأيت إن كان فقيهان عرفا حكماً من الكتاب والسنة ووجدنا أحد الخبرين موافقاً للعامة والآخر مخالفاً لهم، بأي الخبرين يؤخذ؟
قال: ما خالف العامة ففيه الرشاد (وليس هذا فحسب)
فقلت: جعلت فداك، فإن وافقهما الخبران جميعاً؟
قال: ينظر إلى ما هم إليه أميل، حكامهم وقضائهم، فيترك ويؤخذ بالآخر [الكافي للكليني في الأصول، كتاب فضل العلم، باب اختلاف الحديث ج1 ص68].
فهذا هو مذهبهم، وهذه هي كراهيتهم للمسلمين، وهم على ذلك قائمون، وعلى نفس المنهج سالكون، ولكن بعض سفهاء أهل السنة يخدعون بلا سبب، ويطيلون بلا طلب، ولأجل ذلك كتب السيد الخميني، زعيم شيعة إيران اليوم مصرحاً بعد ذكر الروايات الكثيرة الكثيرة بخصوص مخالفة المسلمين مثل ما رواها ابن بابويه القمي في كتابه عن علي بن أسباط، قال: قلت للرضا – الإمام الثامن عند القوم – عليه السلام: يحدث الأمر لا أجد بداً من معرفته، وليس في البلد الذي أنا فيه أحد أستفتيه من مواليك؟ قال: ائت فقيه البلد فاستفته من أمرك، فإذا أفتاك بشيء فخذ بخلافه، فإن الحق فيه" [رسالة التعادل والترجيح للسيد الخميني ص82- ط إيران].
ورواية أخرى عن الإمام المعصوم أنه قال:
"ما أنتم على شيء مما هم فيه، ولا هم عليه شيء مما أنتم فيه، فخالفوهم فما هم من الحنيفية على شيء" [رسالة التعادل والترجيح للسيد الخميني أيضاً من 83].
ومثله ما رواه عن جعفر أنه قال في جواب من سأله: يرد علينا حديثان: واحد يأمرنا بالأخذ به، والآخر ينهانا عنه، قال: لا تعمل بواحد منهما حتى تلقى صاحبك فتسأله. قلت: لا بد أن نعمل بواحد منهما. قال: خذ بما فيه خلاف العامة" [رسالة التعادل والترجيح للسيد الخميني ص83].
هذا.. ومثل هذا.. كثيرا!!..
قال هذا.. وهو رجل سياسي، والسياسة تتطلب المماشاة والمداراة ولكنه يقول لاطماً خدود الطيبين، محبي الوحدة، ومنادي التقريب، ليفيقوا من سكرتهم، يقول:
"فتحصل من جميع ما ذكرنا من أول البحث إلى هنا أن مرجح النصوص ينحصر في أمرين: موافقة الكتاب والسنة، ومخالفة العامة" [رسالة التعادل والترجيح للخميني ص83].
فهل من مستفيد يستفيد؟ وهل من مستفيق يستفيق؟ أم هم في غفلة يعمهون؟!
وأما نحن يا علماء مصر! ويا علماء الأزهر! فلسنا من قوم عيسى بأن نقدم الخد الأيسر لمن يصفع الخد الأيمن، فهل أنتم منتهون؟:
ألا لا يجهلن أحد علينا فنجهل فوق جهل الجاهلينا
] وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص فمن تصدق به فهو كفارة له ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون [ [سورة المائدة الآية45].
وأنت يا فضيلة الدكتور! عليك أن تفهم أن التوادد والتحابب والتقارب من باب التفاعل، والذي يلزم حصوله من الطرفين، ولا يحصل من طرف واحد، وكيف وهم ينصون على أن الحب، أيها الطيبون، لا ينبغي أن يكون إلا من طرفكم أنتم، وأما نحن ففي طرف على رأسه لافتة "ممنوع الدخول، اتجاه واحد".
فلا تتمن أن تصل إلى قلوبهم وتدخل في أعماقهم، وأما أنت فلك الخيار فتفتح قدر ما تشاء وتوصلهم إلى ما تشاء، ولو إلى سويدائها.
وما انشغالك بهم يا طيب القلب؟
أتريد أن ترضيهم بحبك لهم، وبموافقتك إياهم في أباطيلهم وأضاليلهم، والدفاع عن أكاذيبهم وافتراءاتهم على الله والقرآن والرسول، وهم مع ذلك لا يريدون إلا مخالفتك في كل ما تعتقده وتؤمن به، وما أظنك كنت تدري هذا، وإلا ما جرى قلمك ليقلب الصدق كذباً، والكذب صدقاً، وليكتب الحق باطلاً، والباطل حقاً:
فإن كنت لا تدري فتلك مصيبة أو كنت تدري فالمصيبة أعظم!!
فسامحكم الله أيها الأخوة الطيبون، وإن كنتم لم تقرءوا كتبي الثلاثة المذكورة آنفاً وكتابي الجديد (الشيعة والتشيع فرق وتاريخ) الذي بينت فيه عقائد الشيعة الاثنى عشرية، الذين في أمثالهم قال علي رضي الله عنه أمير المؤمنين، والرواية في أصح الكتب عندهم:
"لو ميزت شيعتي لما وجدتهم إلا واصفة، ولو امتحنتهم لما وجدتهم إلا مرتدين، ولو تمحصتهم لما خلص من الألف واحد" [الكافي للكليني، كتاب الروضة ج8 ص338 ط إيران].
والكتاب لذي وضح للناس موقف الشيعة من المسلمين، واعتناقهم عين تلك الآراء والأفكار التي روجها ابن سبأ اليهودي الماكر الخبيث بفرض إمامة علي، وإظهار البراءة من أعدائه المزعومين، من أبي بكر وعمر وعثمان وكافة أصحاب النبي r ورضوان الله عليهم أجمعين، وتكفيره إياهم، وقوله بالوصاية والولاية والغيبة والرجعة وغير ذلك من الخرافات والترهات، كما أوضح الكتاب لكثير من الغافلين أن كل ما كان يعد غلواً في الماضي صار من لوازم مذهب الشيعة الاثنى عشرية اليوم، وحتى الدكتور وافي الذي يخطئ شيخ الإسلام ابن تيمية [انظر: رسالته ص11] لعدم معرفته للأمور ووضعها في نصابها، لا يعلم أن كل ما ذكره شيخ الإسلام حق لا محيص عنه كما سنبينه مفصلاً عند ذكر أخطاء فضيلته.
نعم! كان من الواجب عليكم أن تقرءوا ما كتبه بنو جلدتكم وسلفكم أمثال السيد الجليل الشيخ محمد رشيد رضا منشئ "المنار"، والبحاثة المحقق السيد محب الدين الخطيب صاحب "الفتح" تغمدهما الله برحمته وغفرانه، والرسالة الأخيرة مشهورة معروفة، وموجودة منتشرة في مصر وخارجها (الخطوط العريضة).
وإليكم ما كتبه السيد محمد رشيد رضا:
"إني شديد الحرص على هذا الاتفاق (بين السنة والشيعة) وقد جاهدت في سبله أكثر من ثلث قرن ولا أعرف أحداً من المسلمين أو أظن أنه أشد مني رغبة وحرصاً على ذلك، وقد ظهر لي باختياري الطويل أن أكثر علماء الشيعة يأبون هذا الاتفاق أشد الإباء إذ يعتقدون أنه ينافي منافعهم الشخصية من مال وجاه، وقد تكلمت في هذا مع كثيرين في مصر وسورية والهند والعراق، مما علمته بالخبر والتجربة أن الشيعة أشد تعصباً وشقاقاً لأهل السنة.. وقد نشطوا في هذا العهد لتأليف الكتب والرسائل في الطعن على السنة والخلفاء الراشدين الذين فتحوا الأمصار ونشروا الإسلام في الأقطار، والطعن على حفاظ السنة وأئمتها وفي الأمة العربية بجملتها" [مجلة المنار نقلاً عن تاريخ الصحافة الإسلامية لأنور الجندي الجزء الأول ص139 ط دار الأنصار بالقاهرة].
ويقول أيضاً: "إننا لا نعرف أحداً من علماء أهل السنة المتقدمين، ولا المعاصرين يطعن في أحد من أئمة آل البيت عليهم السلام كما يطعن هؤلاء الروافض في الصحابة الكرام ولا سيما أبي بكر وعمر وفي أئمة حفاظ السنة كالبخاري والذهبي وابن حجر وغيرهم فإنهم يعدونهم من النواصب لعدم موافقتهم لجهلة الروافض على ما يفترونه من الغلو في مناقب آل البيت وقد أغناهم الله عن اختلاق المناقب لهم لكثرة مناقبهم الصحيحة الثابتة بالنقل الصحيح، أما النواصب فهم أولئك الخوارج اللذين يبرءون من علي كرم الله وجهه" [مجلة المنار م31 ص290، نقلاً عن تاريخ الصحافة الإسلامية لأنور الجندي الجزء الأول الفصل الرابع ص140 – ط دار الأنصار بالقاهرة].
فما أصدق السيد! وما أعرفه بهم!.
وأخيراً يتحدث عن الشيعة بقوله:
"إنهم كانوا أشد النقم والدواهي التي أصيب بها الإسلام، فهم مبتدعو أكثر البدع الفاسدة التي شوهت نقاءه، وهم الذين صدعوا وحدته، وأضعفوا شوكته، وشوهوا جماله، وانتقصوا كماله، وجعلوا توحيده وثنية، وأخوته عداوة وبغضاء، وبثوا فيهم فتنة عبادة أناس لأجل أنسابه، وتقديس عداوة وبغضاء، وبثوا فيهم فتنة عبادة أناس لأجل أنسابهم، وتقديس أناس لأحسابهم وجعل سعادة الدنيا والدين بوساطتهم عند الله، وتأثيرهم في علمه وإرادته على ضد عقيدة القرآن من كون الخالق تبارك وتعالى لا يطرأ على صفاته تأثير من المخلوق، وجميع الفرق التي ارتدت عن الإسلام من القرون السابقة كانت من غلاة الشيعة [ملحوظة: إن السيد رشيد رضا يقصد من الغلاة الاثنى عشرية، كما يقصد من المعتدلين الزيدية (المصدر السابق ص144)] فمنهم جميع الفرق الباطنية الذين كانوا يلبسون لباس المسلمين ويظهرون التمسك به لتقبل دعايتهم.. كذلك كان غلاة الشيعة مثاراً لأفظع الكوارث التي هدت قوى الإسلام وزعزعت الخلافة العباسية ودمرت الحضارة العربية التي كانت زينة الأرض وفخار أهلها، وهي كارثة التتار، كما كانوا أولياء وأنصاراً لأعداء المسلمين وإنهم أشد عداوة لهم وفتكاً بهم لإسلامهم حتى الصليبيين.
ووجهت العداوة الشيعية إلى أهل السنة خاصة، وزال ملك العرب من بلاد الفرس، وصار السلطان فيه للترك، فاتصل ما كان من عداوتهم للعرب إلى الترك، على اختلاف طوائفهم.. وصارت السنة في بلاد إيران أضعف من المجوسية، وقد ثبت شيعة إيران مذهبهم في عرب العراف حتى كاد يكون أكثر البدو لهم يقيمون مآتم الإمام حسين ويلعنون أبا بكر وعمر عليهما أفضل الرضوان.. فالشيعة كلهم دعاة إلى مذهبهم حتى النساء" [المنار نقلاً عن تاريخ الصحافة الإسلامية لأنور الجندي ص141، 142].
هذا ما كتبه علم شامخ من أعلام مصر في مجلته الشهيرة التي طبق صيتها الآفاق، فليتأمل فيها الكاتبون المصريون، ولينظروا ما كتب أسلافهم في هذا المضمار قبل الإقدام على الكتابة عنهم دون علم أو بصيرة، ودون فقه أو معرفة أو إدراك، غفر الله خطايانا وخطاياهم.
وكل ما كتبه السيد ليس بجديد ولا بعجيب، بل هو الحق وعين الحق تنضح به كتبهم ومصادرهم، والفقرة الأخيرة هو عين ما كتبه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمة الله عليه في فتاواه [انظر: لذلك فتاوى شيخ الإسلام ج28 ص478، 479].
اللهم إنا نجعلك في نحورهم ونعوذ بك من شرورهم.
ولا أدري كيف خفي كل هذا على من ينادي بدعوة التقريب من أهل السنة وفي بلاد السنة، ويدافع عنهم، ويحبب إلى الناس مذهبهم، ويزينه في قلوبهم، وكيف خفي هذا كله على من يدعي بأنه حقق موسوعة بن خلدون التاريخية وعلق عليها: ] ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب [ [سورة آل عمران الآية8].
ربنا لا تهلكنا: ] . . بما فعل السفهاء منا إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء أنت ولينا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين، واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة إنا هدنا إليك.. [ [سورة الأعراف الآية155، 156].
ولا يخطر ببال أحد أننا من دعاة الطائفية أو التفرقة، وحاشا لله أن نكون كذلك، لأننا لم نقصد بهذا الكاب ولا بالكتب الأخرى التي كتبناها سواء عن الشيعة، أو عن الفرق الباطلة المنحرفة الأخرى.. أن نثير عواطف الناس ونحرضهم على قتال بعضهم بعضاً، ومحاربة الواحد الآخر، كما لم نرد أن نفرق كلمة جامعة، بل كل ما قصدنا من هذا أن نكون على بينة من الأمر وأن نعطي كل ذي حق حقه، وأن لا نخدع ولا نباغت من أحد لأننا نعلم وندرك يقيناً بأن الحق لا يتعدد، وإن التعدد من لوازم الباطل، فالحق واحد وهو ما كان عليه رسول الله r وأصحابه رضوان الله عليهم أجمعين، حسب ما ذكره رسول الله r في حديثه المشهور: "ستفترق أمتي إلى ثلاثة وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة. قالوا: ومن هم يا رسول الله؟ قال: ما أنا عليه وأصحابي" [أبو داود والترمذي وابن ماجة وأحمد والحاكم].
فليتنا أن لا نغرق في الدعوات الزائفة والشعارات المزيفة، وأن نتمسك بكتاب ربنا جل جلاله وعم نواله وسنة نبينا r وأصحابه وسلم، متمثلين بقوله: "تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما مسكتم بهما، كتاب الله وسنة نبيه" [انظر: موطأ الإمام مالك والحاكم في مستدركه واللفظ للموطأ].
إننا لسنا بدعاة تفرقة أو طائفية، ولكننا ضد الطائفية كلها، داعين الناس أن يتركوا كل العصبيات وكل التحزبات إلا حزب الله وحزب رسوله: ] . . ألا إن حزب الله هم المفلحون [ [سورة المجادلة الآية22]، وإلا العصبية لكتاب الله وسنة رسوله r ، وأن نعرض جميع خلافاتنا على كتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام، فمن يوافقه الكتاب أو تناصره السنة نؤيده ونتبعه، ومن يخالفه الكتاب وتخذله السنة، نخالفه ونخذله، وهذه هي الدعوة الحقة التي لأجلها أرسل الرسل وأنزلت الرسالة، وهذا هو الصراط المستقيم الذي دعا إليه رسول الله r الناس كافة بأمر من الله عز وجل، ] ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون [ [سورة الأنعام الآية153].
فمنع الناس عن اتباع السبل ليس بتفرقة، ودعوتهم إلى الصراط المستقيم ليست بطائفية، بل هذه هي سبيل الله المختارة التي أمر الله نبيه وأتباعه بالدعوة إليها.
وإن اختلف بها المختلفون، وانزجر عنها المنزجرون، واعترض عليها المعترضون، وعاب عليها العائبون والمنتقدون.
] قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن ابتعني وسبحان الله وما أنا من المشركين [ [سورة يوسف الآية108.
] فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين [ [سورة الحجر الآية 94].
] ودوا لو تدهن فيدهنون * ولا تطع كل حلاف مهين * هماز مشاء بنميم * مناع للخير معتد أثيم * عتل بعد ذلك زنيم * أن كان ذا مال وبنين * إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين [ [سورة القلم الآية9-15].
] وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون * إن ربك هو أعلم بمن يضل عن سبيل وهو أعلم بالمهتدين [ [سورة الأنعام الآية116-117].
فنحن دعاة الوحدة التي لا تحصل بالكلمات الفارغة، والنعرات الرنانة الطنانة، والأقلام المأجورة، والألسنة المستأجرة، والضمائر المشتراة، والآراء المستعارة، ولا تتأتى بالأحلام الوهمية والأمنيات الخيالية، بل تتأتى وتحصل بتحكيم شرع الله في الخلافات والنزاعات، وفي المناقشات والمناظرات ] . . فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا [ [سورة النساء الآية59].
فعندئذ يكمل الإيمان، ويحسم النزاع، ويرتفع الخلاف: ] فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً [ [سورة النساء الآية 65].
ومن علائم الإيمان ألا يكون عصبية لحزب وجماعة، وتحزب لطائفة وفرقة بعد حصول قضاء الله وثبوت حكم رسول الله: ] وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم [ [سورة الأحزاب الآية36].
هذه هي الوحدة الحقيقية التي تحصل بوحدة الفكر والعقيدة، وبوحدة الأصول والقواعد المبنية على كتاب الله وسنة رسول الله r .
وعن آخذيها والمشبثين بها عبر القرآن في قوله تعالى: ] إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون [ [سورة الأنبياء الآية92].
وأما فيما دون ذلك فلن تتحقق تلك الأمنية، ولن نصل إليها.
فنحن دعاة الحق إن شاء الله، لدعوتنا إلى كتاب ربنا وسنة نبينا r ، لا إلى أقوال العلماء وآراء الرجال، أياً كانوا، وأينما كانوا، ومهما بلغو من المكانة السامية والشأن الرفيع، فكل مأخوذ من قوله ومردود عليه، إلا الناطق بالوحي صلوات الله وسلامه عليه، وهو الذي تركنا على المحجة البيضاء، التي ليلها كنهارها، لا يضل سالكها ولا يهتدي تاركها، والسالكون على هذا المنهج القويم، والمنتهجون هذا الصراط المستقيم هم الطائفة المنصورة التي أخبر عنها الرسول r : "لا تزال طائفة من أمتي منصورين لا يضرهم خذلان من خذلهم حتى تقوم الساعة" [مسلم وأحمد وأبو داود والحاكم وابن ماجة وابن حبان والسيوطي في الفتح الكبير واللفظ له].
فالطائفي هو الذي يدعو إلى طائفته وحزبه، ويأمر الناس باتباع رجال لم ينزل الله بهم من سلطان.
والفرقي هو الذي ينادي الناس إلى فرقته ونحلته ويأمر الناس بترك الجماعة.
وأما الذي يدعو إلى الجماعة، وإلى الصراط المستقيم، وإلى كتاب الله وهدي رسول الله، ويحذرهم من التفرقة واتباع سبيل غير سبيل المؤمنين، ويمنعهم عن التفرق في السبل الملتوية المعوجة كي لا يضلوا فيها، ويخبرهم عن سوء العواقب وشر النتائج.. أما مثل هذا الداعي فليس منهم، وبالرغم من أنه هو الداعي إلى الجماعة، الذي من شذ عنها شذ في النار.
فيجب تصحيح المفاهيم والانتباه إليها فرب كلمة حق أريد بها الباطل، ولأنه لو كانت التفرقة بين الحق والباطل شيئاً مذموماً، وتبين الرشد من الغي شيئاً منكراً لما أخبرنا الله عن أنبيائهم بأنهم كلما جاهروا بالحق، وأبطلوا الباطل اختلف الناس: ] ولقد أرسلنا إلى ثمود أخاهم صالحاً أن اعبدوا الله فإذا هم فريقان يختصمون [ [سورة النمل الآية45].
و] . . . قد تبين الرشد من الغي فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها والله سميع عليم [ [سورة البقرة الآية 256].
وبين سبب بعثة رسله بقوله: ] . . . ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة . . [ [سورة الأنفال الآية42].
وأمر نبيه أن يقول: ] لكم دينكم ولي دين [ [سورة الكافرون الآية6].
فالمفرقون والطائفيون هم الذين يسلكون سبيلاً غير سبيل المؤمنين، وينهجون منهجاً غير منهج المؤمنين، ويدعون الناس إلى ولاية أشخاص وتقليد أناس لم يأمرنا الله به في صميم كتابه، ولا النبي r في الثابت من سنته!!..
وأما الدعاة إلى الله وحده، والتوحيد الخالص، ونفي الإشراك بالله صغيراً أم كبيراً، جلياً أم خفياً، وإلى اتباع رسول الله في كل ما ثبت عنه من قوله وفعله وتقريره، فهم الدعاة إلى الوحدة الحقيقيون مهما تقول المتقولون، وتطول المتطاولون.
فهذا آخر ما كنا نريد التنبيه عليه في هذا المضمار.
ولقد طال بي الكلام وتشعب بي الحديث والحديث ذو شجون، والسبب في هذا تلك الرسالة (بين الشيعة وأهل السنة) للدكتور علي عبد الواحد التي وقع نظري عليها – ويا ليتني لم أرها – لقد قرأت هذا الكتيب – ويا ليتني لم أقرأه – ولم أتركه حتى انتهيت منه، فتألمت كثيراً لما فيه من الأخطاء الفاحشة، والمغالطات الظاهرة، والعوار البين، والزلات الكثيرة، والحكم غير الصحيح، المبني على نهج غير موضوعي ولا علمي، اللهم إلا ما يبدو بأن فيه إغضاباً لجهة تأذى منها مؤلفه، أو إرضاء جان رضي عنه. اللهم لا تجعلنا من الذين يسيئون الظن بعبادك – وإن بعض الظن إثم – ولا تجعلنا من الظالمين في الحكم، فشغلني هذا الكتيب وألهاني عما كنت في صدده من البحث والتنقيب في الكتب الإسماعيلية والوثائق الفاطمية، ولم يبق بيني وبين المغادرة من مصر إلا ليلة واحدة حيث أنوي السفر منها إلى تونس، ومن تونس إلى المغرب، ماراً على اسكوريال بأسبانيا، وباريس بفرنسا إلى لندن بإنجلترا، وراء مقصدي وهدفي.
ولكنني لم أشأ أن أخرج من مصر ولا أفي بحقها، ولا أتطرق إلى هذه الرسالة التي أرى من الواجب الديني والمحتم العلمي بأن أتطرق إليها ولو تطرقاً طفيفاً يسيراً، وأن لم بها ولو إلمامة خفيفة سريعة، فأجلت سفري يومين لعل الله أن يوفقني لأن أوفي للدكتور وافي حقه، وأنبه على أخطائه التي وقع فيها فضيلته بدون قصد ولا عمد منه – إن شاء الله -. ولو أنني لا يحضرني في هذه الغربة كثير من المراجع والمصادر إلا أن أملي وثقتي بالله كبيران بأنه لا ينقصني في الرد عليه شيء أحتاج إليه بفضله ومنه وإحسانه.
وإنني لأحاول في هذه العجالة ألا ينفلت زمام قلمي من يدي، وألا أكون إلا واقعياً موضوعياً في تحري الحقيقة وتبيينها لفضيلة الدكتور، ولمن قرأ رسالته، وللناس أجمعين، بدون تعصب ولا تحيز، وسوف أقسم البحث حسب تقسيم الدكتور في رسالته، وأضيف قبله فصلاً واحداً أبين فيه أخطاء فضيلته البديهية التي وقع فيها، وإنني لمستغرب فعلاً كيف أنها صدرت عنه. وسبحان الذي لا ينسى، وما من كاتب إلا وقد أخطأ، وما من قائل غلا وقد غلط ولغا، وما من ناطق إلا وقد ضل واهتدى، اللهم إلا المعصومين من خلقه، أنبياء الله ورسله، الذين ختمهم بخاتم المعصومين، سيد المرسلين محمد بن عبد الله r ، المشهود له بالعصمة في قوله تعالى: ] وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى [ [سورة النجم الآية3، 4 [.
وأدعو الله العلي القدير أن يوفقني لأداء هذه المهمة خلال يومين قبل مغادرتي مصر الطيبة، وأن يلهمني الرشد والصواب.
وأخيراً أتوجه إلى علماء مصر والأزهر خاصة، مهيباً بهم داعياً إياهم أن يقوموا بواجبهم الديني ودورهم الذي تحتم عليهم دفاعاً عن شريعة الله ودينه الذي ارتضاه لنفسه، دين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون.
لقد قدمنا ما كان في وسعنا وذخرنا مع أننا جئنا إلى مصر ببضاعة مزجاة، فعليهم أن يوفوا الكيل ويتصدقوا بعلمهم على المسلمين، ويردوا عنهم كيد المبطلين المنتحلين، والله ولي النعم وهو ملهم التوفيق، وصلى الله على رسوله خير خلقه محمد، وعلى آله وأزواجه وأصحابه الأخيار ومن تبعهم إلى يوم الدين.
إحسان إلهي ظهير
القاهرة
ليلة الخميس 26 ذي القعدة سنة 1404ه
الموافق 24 أغسطس سنة 1984م

يتبع باذن الله
رد مع اقتباس
  #2  
قديم 26-May-2004, 04:43 PM
أبو تراب فرحات السلفى
 
المشاركات: n/a
افتراضي

الباب الأول
مغالطات الدكتور وافي وأغلاطه
قبل أن ندخل في صميم الموضوع ونناقش الآراء التي أظهرها الدكتور علي عبد الواحد وافي في رسالته (بين الشيعة وأهل السنة) نريد أن نلفت أنظار القراء والباحثين إلى أن الدكتور أخطأ فيها أخطاء فاحشة لا يتصور صدورها عن مثله غي ما بدر منه الخطأ في الفهم، ثم بناء على ذلك الخطأ في الحكم. ولعله لم يكتب هذه الرسالة بعد المطالعة والاستقراء، والتعمق في البحث، والتروي في التفكير، والتريث قبل الحكم. ولأجل ذلك ظهرت وكلها خطأ على خطأ، بل لقد تضمنت بعض الأخطاء البديهية التي لا يقع فيها من له إلمامة بسيطة بالتاريخ بخلاف سقطاته في العقائد. فكيف يقع فيها شخص حقق "مقدمة ابن خلدون وتاريخه ثلاثة أجزاء بها نحو ثلاثة آلاف تعليق وتمهيد في نحو ثلاث مائة صفحة من القطع الكبير" حسب ما ذكره فضيلته في آخر رسالته، وكما أشار إليه داخل الكتاب أثناء تعليقه على بعض الفقرات؟
ولقد أخبرت من بعض المحبين لي وله، ممن أثق في صدقه ودينه، بأنه رأى الدكتور وهو يشتغل بهذا الكتيب ولولا ذلك ما كنت لأثق بأن الكتاب من تأليفه، وتيقنت بأن شخصاً له أطماع وأغراض أو مقاصد ومطالب. . استغل اسم فضيلته الكبير، ووضعه على هذا الكتيب، وإلا فكيف يعلل هذه الأغلاط الكبيرة التي ازدانت بها كل صفحة من صفحات هذا الكتيب الصغير؟! وإن لله عجائب في خلقه وقدرته وقضائه وقدره.
فمثلاً يقول الشيخ في تمهيد الكتيب عندما يلقي نظرة مجملة في التعريف بالشيعة الجعفرية.
"النص على الإمام الأول وهو الإمام علي قد جاء في اعتقادهم بوصية الرسول عليه الصلاة والسلام، وأما الأحد عشر إماماً من بعده فقد استحق كل منهم الخلافة بوصية من الإمام السابق له، وكان كل منهم الابن الأكبر للإمام السابق ما عدا الحسين. . . وما عدا موسى الكاظم فإنه كان الابن الثاني للإمام السابق له وهو جعفر الصادق، واستحق الخلافة لموت أخيه الأكبر إسماعيل قبل وفاة أبيه" [بين الشيعة وأهل السنة ص6، 7].
ومحل الشاهد أن موسى الكاظم كان الابن الثاني لجعفر الصادق.
ومن لا يدري غير فضيلة الدكتور أن موسى الكاظم لم يكن الابن الثاني لجعفر بن الباقر، ولم يكن هو الأكبر بعد أخيه الذي توفي في حياة أبيه الجعفر، بل كان هناك من يكبره من إخوته.
وإليكم الشهادة على صحة ذلك من الشيعة أنفسهم، بل ومن كبار الشيعة وقادتهم وأئمتهم في الرجال والتاريخ، فيذكر الكشي أبو عمرو ومحمد بن عمر ابن عبد العزيز في كتابه (معرفة الناقلين عن الأئمة الصادقين) المعروف برجال الكشي تحت عنوان الفطحية:
"هم القائلون بإمامة عبد الله بن جعفر بن محمد . . . والذين قالوا بإمامته عامة مشائخ العصابة وفقهائها، مالوا إلى هذه المقالة، فدخلت عليهم الشبهة لما روى عنه (يعني أئمتهم) عليهم السلام أنهم قالوا: الإمامة في الولد الأكبر من الإمام إذا مضى إمام" [رجال الكشي ص219 ط كربلاء].
هذا ولقد يذكر مثله محمد بن محمد بن النعمان العكبري المتوفى سنة 413ه الملقب بالمفيد، الذي يقولون عنه: إن غائبهم المزعوم هو الذي لقبه به [معالم العلماء ص101 – ط إيران] وإليه انتهت رئاسة الإمامة في وقته [روضات الجنات للخوانساري ج9 ص153 –ط إيران] وكان له لقاءات مع غائبهم الموهوم [مقدمة الإرشاد ص4 –ط إيران] يقول هذا المؤرخ الشيعي الكبير في كتابه الذي كتبه في ذكر أئمته:
"وكان عبد الله بن جعفر أكبر إخوته بعد إسماعيل. . . وادعى بعد أبيه الإمامة، واحتج بأنه أكبر الإخوة الباقين، فاتبعه على قوله جماعة من أصحاب أبي عبد الله (أي جعفر) عليه السلام. . . ودانوا بإمامة عبد الله بن جعفر، الطائفة الملقبة بالفطحية" [الإرشاد للمفيد ص285، 286].
وهذا الأمر لا يختلف فيه اثنان، ولا يتناطح فيه كبشان، وهو متفق عليه بين الشيعة والسنة، وكل كتب التاريخ تنص على ذلك، ولكن لا ندري من أين جاء الدكتور الفاضل بمعلوماته الجديدة "أن موسى الكاظم كان الابن الثاني للإمام السابق له، وقد استحق الإمامة لكبره بعد موت أخيه إسماعيل" وقد أعاد نفس هذا الكلام في رسالته في الباب الرابع صفحة 73 و74.
هذا ما لم يستطع الشيعة أنفسهم التقول به مع تضايقهم وتحرجهم من مواجهة هذا الإيراد والاعتراض: "كيف تحولون الإمامة من عبد الله بن جعفر بعد موت الإمام جعفر الصادق وهو أكبر أبنائه بعده، مع زعمكم بأن الإمامة في أكبر الأبناء؟ كما روى الكليني في كافيه عن جعفر أنه قال: إن الأمر في الكبير" [الكافي في الأصول، كتاب الحجة ج6 ص357 –ط إيران].
وبذلك احتج عبد الله على مخالفيه بأنه أكبر الأخوة الباقي، فاتبعه على قوله جماعة من أصحاب جعفر كما ذكرناه آنفاً نقلاً عن الشيعة أنفسهم.
وهذا هو الإيراد الذي أوردناه نحن في كتبنا "الشيعة والتشيع فرق وتاريخ" [ص227، 228] ولم يستطيعوا الجواب عليه، ولعلي لا أخطئ حسب ما أتذكر دون المراجعة لكتب الشيعة لعدم وجودها عندي ههنا إذا قلت: إن موسى هذا كان الابن الرابع لجعفر بن الباقر، وكان يكبره أيضاً بعد إسماعيل وعبد الله، محمد بن جعفر الذي خرج أيام المأمون ودعا الناس إلى نفسه وبايع له أهل المدينة بإمرة المؤمنين" [مقاتل الطالبين للأصفهاني ص357، تاريخ بغداد للخطيب ج2 ص114، الإرشاد المفيد وغيرها من الكتب].
هذا. . ومثل هذا ما ذكره فضيلته في الكلام عن الإسماعيلية:
"وقد انتهت رئاسة الشيعة الإسماعيلية إلى أغا خان وإلى ولديه من بعده" [انظر: ص16 من رسالته "بين الشيعة وأهل السنة"].
مع أن كل من يعلم ومن لا يعلم يعرف أن أغا خان حرم ولديه "علي" و"صدر الدين" من رئاسة الإسماعيلية وإمامتها، ووضعها في حفيده كريم خان زعيم الإسماعيلية الحالي الموجود، ونفذت وصيته عند وفاته وكان ذلك في حياة ابنه علي خان والد كريم خان الذي مات بعده بسنوات في حادث اصطدام سيارته مع إحدى الممثلات الراقصات، وابنه الثاني صدر الدين عم كريم خان الذي لا زال حياً موجوداً.
وكذلك قول فضيلته:
"اسم الرافضة، وهو لقب تطلقه الفرق الأخرى عليهم، وخاصة أهل السنة، وهو الذي يستخدمه شيخ الإسلام ابن تيمية في مؤلفاته" [الرسالة المذكورة ص9، 10].
يدل أيضاً على عدم معرفة الكاتب لكتب الشيعة أنفسهم لأن الفرق الأخرى لم تسمهم بهذا الاسم وخاصة أهل السنة، وأخص بالذكر شيخ الإسلام ابن تيمية في كتبه، بل الله سماهم بهذا الاسم كما ورد في بخاري القوم:
"عن محمد بن سليمان عن أبيه أنه قال: قلت لأبي عبد الله – جعفر الإمام السادس المعصوم حسب زعم القوم -: جعلت فداك فإنا قد نبزنا نبزاً [النبز: أن تنادي أخاك بلقب يكرهه] أثقل ظهورنا، وماتت له أفئدتنا، واستحلت له الموالاة دماءنا في حديث رواه لهم فقهاؤهم، قال: فقال أبو عبد الله عليه السلام:
الرافضة؟
قلت: نعم.
قال: لا والله ما هم سموكم . . . ولكن الله سماكم به" [الكافي للكليني كتاب الروضة ج5 ص34 – ط طهران].
وأعود لأسأل: وماذا يقصد فضيلته من قوله:
"ويرجع السبب في إطلاق هذا اللقب عليهم أنهم رفضوا الإمام زيد بن علي بن زين العابدين لمخالفته لهم في بعض ما يذهبون إليه في شؤون السياسة" [بين الشيعة وأهل السنة ص10]؟!
هل هذه محاولة عن قصد وعمد لتبرئة القوم من الشناعة التي لزمتهم بأن الشيعة لم يرفضوه لمخالفته لهم في بعض ما يذهبون إليه في شئون السياسة، بل رفضوه لأنه لم يرض أن يشتم ويطعن في أبي بكر وعمر؟! إذن إليك ما يرويه الشيعي مرزا تقي خان في كتابه الكبير في التاريخ بالفارسية:
"إن ناساً من رؤساء الكوفة وأشرافها الذين بايعوا زيداً حضروا يوماً عنده وقالوا له:
رحمك الله . . ماذا تقول في حق أبي بكر وعمر؟
قال: ما أقول فيهما إلا خيراً، كما لم أسمع فيهما من أهل بيتي (بيت النبوة) إلا خيراً، ما ظلمانا ولا أحداً غيرنا، وعملا بكتاب الله وسنة رسوله.
فلما سمع منه أهل الكوفة هذه المقالة رفضوه.
فقال زيد: رفضونا اليوم، ولأجل ذلك سموا بالرافضة" [ناسخ التواريخ للميرزا تقي خان الشيعي ج2 ص590 تحت عنوان أحوال الإمام زين العابدين].
فلم يرفضوه يا سيدي الدكتور لمخالفته لهم في بعض ما يذهبون إليه في شئون السياسة كما أردت إفهام ذلك للناس!!.
أو فهمته خطأ بغير عمد ولا قصد، فسامحك الله إذن.
وما أكثر ما أخطأ فهمك، وضل عنك رشدك، وخانك علمك في هذا الكتيب الصغير، فرحماك يا رب!
وزيد بن علي هذا لم يكن رجلاً عادياً حتى في نظر الشيعة أنفسهم حيث يلقبونه "بحليف القرآن" [انظر: الإرشاد للمفيد ص268 تحت عنوان ذكر أخوة الباقر].
وأكثر من ذلك أن الإمام السادس المعصوم عندهم الذي إليه ينسبون مذهبهم في الفروع جعفر بن محمد الباقر كان يعظمه ويجله إلى حد كبير كما ذكر أبو الفرج الأصفهاني الشيعي [هو أبو الفرج علي بن الحسين، ولد بأصفهان سنة 284 ومات سنة 356ه، وقد ذكره محسن الأمين في طبقات شعراء الشيعة وطبقة المؤرخن – أعيان الشيعة ج1 ص175] نقلاً عن الأشناني عن عبد الله بن جرير أنه قال:
"رأيت جعفر بن محمد يمسك لزيد بن علي بالركاب ويسوي ثيابه على السرج" [مقاتل الطالبين للأصفهاني ص129 –ط دار المعرفة بيروت].
ثم إن رفض الشيعة زيد بن علي لم يكن شيئاً مستغرباً ولا جديداً، بل ذلك خلق توارثه الأبناء عن آبائهم من قديم، فإنه لزمهم من أول يوم وجدوا فيه، فقد اشتكى منهم في ذلك كثير من أئمتهم الذين يعتقدون بعصمتهم وأنهم لا ينطقون عن الهوى، وأولهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه حيث خذلوه ورفضوا نصرته وتأييده في عديد من المعارك والحروب بعد ما بايعوه، وحلفوا على طاعته والولاء له، وتستروا وراء اسمه، ولكن كلما دعاهم إلى المناصرة والمساعدة بدأوا يتسللون منها ملتمسين الأعذار، وبدون التماسها أيضاً.. حتى قال مخاطباً إياهم:
"يا أشباه الرجال ولا رجال، حلوم الأطفال، وعقول ربات الحجال، لوددت أني لم أركم ولم أعرفكم، معرفة – والله – جرّت ندماً، وأعقبت صدماً.. قاتلكم الله لقد ملأتم قلبي قبحاً، وشحنتم صدري غيظاً، وجرعتموني نغب التهمام أنفاساً، وأفسدتم علي رأيي بالعصيان والخذلان، حتى لقد قالت قريش: إن ابن أبي طالب رجل شجاع ولكن لا علم له بالحرب، ولكن لا رأي لمن لا يطاع" [نهج البلاغة ص70، 71 –ط بيروت].
وفي معركة أخرى ارتكبوا نفس العمل الذي تعودوه، فقال:
"ألا وإني دعوتكم لقتال هؤلاء ليلاً ونهاراً وسراً وإعلاناً.. فتواكلتم وتخاذلتم حتى شنت الغارات، وملكت عليكم الأوطان.. ثم انصرفوا وافرين، ما نال رجلاً منهم كلم، ولا أريق لهم دم، فلو أن امرأ مسلماً مات من بعد هذا أسفاً ما كان به ملوماً، بل كان به عندي جديراً.. فقبحاً لكم وترحاً، حين صرتم غرضاً يرمى، يغار عليكم ولا تغيرون، وتغزون ولا تغزون، ويعصى الله وترضون.
فإذا أمرتكم بالسير إليهم في أيام الحر قلتم: هذه حمارة القيظ، أمهلنا يسبخ عنا الحر، وإذا أمرتكم بالسير إليهم في الشتاء قلتم: هذه صبارة القر، أمهلنا ينسلخ عنا البرد، كل هذا فراراً من الحر والقر، فإذا كنتم من الحر والقر تفرون فأنتم والله من السيف أفر" [نهج البلاغة ص71، 72 ط بيروت].
ومرة أخرى حتى قال:
"ولقد أصبحت الأمم تخاف ظلم رعاتها، وأصبحت أخاف ظلم رعيتي، استنفرتكم للجها فلم تنفروا، وأسمعتكم فلم تسمعوا، ودعوتكم سراً وجهراً فلم تستجيبوا، ونصحت لكم فلم تقبلوا، شهود كغياب، وعبيد كأرباب، وأحثكم على جهاد أهل البغي فما آتي على آخر قولي حتى أراكم عني متفرقين أيادي سبأ.. منيت منكم بثلاث واثنتين، صم ذوو أسماع وبكم ذوو كلام، وعمي ذوو أبصار، لا أحرار صدق عند اللقاء، ولا إخوان ثقة عند البلاء.. والله لكأني بكم فيما إخالكم: أن لو حمس الوغاء، وحمي الضراب قد انفرجتم عن ابن أبي طالب انفراج المرأة عن قبلها" [نهج البلاغة ص141، 142].
ولم ي: خذلانهم، وترك نصرتهم، ورفض تأييدهم للحسن بن علي أقل من أبيه، فهم الذين تركوه في خضم المعارك، وأرادوا تسليمه إلى معاوية رضي الله تعالى عنهما، وانتبهوا مضاربه، وجرحوه بمعول في فخذه [انظر لذلك: تاريخ اليعقوبي لأحمد بن أبي يعقوب الكاتب العباسي ج2 ص215 الشيعي المشهور، ذكره العباسي القمي في الكنى والألقاب ج3 ص246، ومحسن الأمين في أعيان الشيعة، وانظر أيضاً مروج الذهب للمسعودي الشيعي ج2 ص431، الإرشاد للمفيد الشيعي ص190، كشف الغمة للأربل الشيعي ص54، الفصول الهمة ص162- ط طهران، ورجال الكشي ص103 وغيرها]. حتى اضطر إلى أن يقول:
"أرى والله معاوية خيراً لي من هؤلاء، يزعمون أنهم لي شيعة، ابتغوا قتلي، وأخذوا مالي، والله لأن آخذ من معاوية ما أحقن به دمي، وآمن به في أهلي خير من أن يقتلوني فيضيع أهل بيتي وأهلي، والله لو قاتلت معاوية لأخذوا بعنقي حتى يدفعوا بي إليه سلماً، والله لأن أسالمه وأنا عزيز خير من أن يقتلني وأنا أسير" [الاحتجاج للطبرسي ص148].
وأما الحسين رضي الله عنه فأمره وخذلان الشيعة إياه، ورفضهم نصرته لأمر مشهور غني عن الذكر، كما خذلوا ابن عمه وسفيره إليهم، مسلم بن عقيل، ونذكر ههنا عبارة صغيرة ذكرها محسن الأمين الشيعي المشهور في موسوعته، "ثم بايع الحسين من أهل العراق عشرون ألفاً غدروا به وخرجوا عليه وبيعته في أعناقهم، وقتلوه" [أعيان الشيعة القسم الأول ص34].
وخطبة الحسين مشهورة معروفة ومنقولة في كتب القوم حينما خاطبهم بقوله:
"تباً لكم أيتها الجماعة! وترحاً وبؤساً لكم وتعساً، حين استصرختمونا ولهين فأصرخناكم موجفين، فشحذتم علينا سيفاً كان في أيدينا، وحششتم علينا ناراً أضرمناها على عدوكم وعدونا، فأصبحتم ألباً على أوليائكم ويداً على أعدائكم من غير عدل أفشوه فيكم، ولا أمل أصبح لكم فيهم، ولا ذنب كان منا فيكم، فهلا لكم الويلات، إذا كرهتمونا والسيف مشيم، والجأش طامن، والرأي لم تستخصف، ولكنكم استسرعتم إلى بيعتنا كطيرة الدبا، وتهافتم كتهافت الفراش؛ ثم نقضتموها، سفهاً بعداً وسحقاً لطواغيت هذه الأمة وبقية الأحزاب ونبذة الكتاب، ثم أنتم هؤلاء تتخاذلون عنا وتقتلوننا، ألا لعنة الله على الظالمين" [كشف الغمة للأربل الشيعي ج2 ص18، 19، الاحتجاج للطبرسي الشيعي ص145].
ودعاؤه عليهم أيضاً مشهور معروف ذكره المفيد والطبرسي وغيرهما أنه قبل استشهاده رفع يديه ودعا، وقال:
"اللهم إن متعتهم إلى حين ففرقهم فرقاً، واجعلهم طرائق قدداً، ولا ترضي الولاة عنهم أبداً، فإنهم دعونا لينصرونا ثم عدوا علينا فقتلونا" [الإرشاد ص241، أيضاً إعلام الورى للطبرسي ص949].
وخذلانهم لعلي بن الحسين الملقب بزين العابدين أشهر وأعرف من خذلانهم أباه حتى اضطر إلى أن يقر بعبوديته ليزيد بن معاوية كما رواه بخارى القوم الكليني في صحيحه الكافي أن علي بن الحسين قال ليزيد بن معاوية:
"قد أقررت لك بما سألت، أنا عبد مكره، فإن شئت فأمسك، وإن شئت فبع" [الكافي للكليني كتاب الروضة ج8 ص235 –ط طهران].
لأنه حسب قوله على زعم الشيعة:
"إن جميع الناس ارتدوا بعد قتل الحسين إلا خمسة: أبو خالد الكابلي، ويحيى بن أم الطويل، وجبير بن مطيع، وجابر بن عبد الله، والشبكة زوجة الحسين" [مجالس المؤمنين للشوستري الملقب بالشهيد عند الشيعة، المجلس الخامس ص144-ط طهران، ومثله في رجال الكشي ص111-ط كربلاء بدون ذكر الشبكة].
وأما محمد بن علي الباقر فكان بائساً من شيعته الروافض إلى حد أنه كان يقول:
"لو كان الناس كلهم لنا شيعة لكان ثلاثة أرباعهم لنا شكاكاً، والربع الآخر أحمق" [رجال الكشي ص79].
وأما جعفر فكان أكثرهم شكاية من أبيه عن الروافض هؤلاء حتى كان يقول مخاطباً إياهم:
"أما والله لو أجد منكم ثلاثة مؤمنين يكتمون حديثي ما استحللت أن أكتمهم حديثاً" [الأصول من الكافي ج1 ص496-ط الهند].
وعبد اله بن يعفور أحد تلامذته المخلصين ومريديه المطيعين، الذي قال فيه جعفر نفسه: ما وجدت أحداً يقبل وصيتي ويطيع أمري إلا عبد الله بن يعفور" [رجال الكشي ص213-ط كربلاء].
يأتيه يوماً ويشكو إليه مساوئ الشيعة وخذلانهم، ورفضهم مناصرة الأئمة، واتباعهم أوامرهم، وعدم وفائهم وإخلاصهم لهم، فيقول كما رواه الكليني في الكافي أن عبد الله بن يعفور قال: قلت لأبي عبد الله (جعفر) عليه السلام:
إني أخالط الناس فيكثر عجبي من أقوام لا يتولونكم، ويتولون فلاناً وفلاناً، لهم أمانة وصدق ووفاء، وأقوام يتولونكم ليس لهم تلك الأمانة ولا الوفاء ولا الصدق" [الكافي في الأصول ج1 ص375-ط طهران].
وبذلك روى ابن جعفر بن محمد موسى الملقب بالكاظم عن جده الأول أنه قال:
"لو ميزت شيعتي لم أجدهم غلا واصفة، ولو امتحنتهم لما وجدتهم إلا مرتدين، ولو تمحصتهم لما خلص من الألف واحد، ولو غربلتهم غربلة لم يبق منهم إلا ما كان لي، إنهم طالما اتكئوا على الأرائك فقالوا: نحن شيعة علي" [الكافي للكليني كتاب الروضة ج8 ص338].
فهؤلاء هم الشيعة [من أراد الاستزادة في هذا الموضوع فليرجع إلى كتابنا "الشيعة وأهل البيت" باب ذم الشيعة واللعن عليهم ص195-202، وكتابنا "الشيعة والتشيع فرق وتاريخ" الباب السادس من ص269 إلى ما بعد. كلها طبعة إدارة ترجمان السنة لاهور باكستان] – أيها السيد الدكتور وافي – الذين ما أطلق عليهم لقب الرافضة لمخالفة زيد بن علي لهم في بعض ما يذهبون إليه في شئون السياسة كما أردت أن تصوره للناس – شئت أم أبيت – من فهم وقصد، أم بدون فهم وعمد، جعلك الله من القسم الثاني، ولم يجعلك من الذين يعرفون ثم يكتمون ليضلوا عباد الله عن سواء السبيل.
وأما قول الدكتور وافي "أنه قد يطلق عليها "أي الشيعة" كذلك اسم الواقفية لأنها تقف بالإمامة عند الإمام الثاني عشر وتعتقد أنه لا يستحق الخلافة أحد من بعده" [بين الشيعة وأهل السنة ص9] فهو أيضاً من عدم معرفته بعقائد الشيعة وتاريخها، وتاريخ الفرق التي انبثقت منها وتفرعت في مختلف الأيام والدهور.
أولاً: إن اسم الواقفية [وهذا هو الاسم الصحيح كما استعمله أصحاب الفرق من الشيعة] لم يستعمل في كتب الفرق والرجال على الإثني عشرية قط، لا في الكتب الشيعية ولا في الكتب السنية.
ثانياً: إنما استعمل هذا اللقب في كتب الشيعة وفي كتب السنة على من توقف على إمامة جعفر بن الباقر أو من توقف على موسى الملقب بالكاظم، انظر لذلك من كتبهم: فرق الشيعة للنوبختي، والمقالات والفرق لسعد بن عبد الله القمي، وكتاب الرجال للكشي، والإرشاد للمفيد، وأعيان الشيعة لمحسن الأمين، ومن كتب أهل السنة الملل والنحل للشهرستاني، ومقالات الإسلاميين للأشعري، واعتقادات فرق المسلمين للرازي، والفرق بين الفرق للبغدادي والتبصير للأسفرائيني وغيرها من الكتب.
ثم استعمال لفظة الخلافة في قول الدكتور أيضاً خطأ، وإن دلّ هذا على شيء دلّ على عدم معرفته باصطلاحات الشيعة، لأن الكتب التي تبحث عن الفرق والرجال عند الشيعة، وعندنا أيضاً لا تستعمل هذه الكلمة إطلاقاً، بل تستعمل لفظ "الإمامة" فقط عند ذكر أئمتهم وعقائدهم، وإنني أشك في أن مثل هذا يخفى على واحد ممن يشتغل بالكتابة عن الفرق، حتى المبتدئ فيها، وإن الفرق بين الإمام والخليفة، والإمامة والخلافة، فرق ظاهر بيّن، يكاد أن يعد من البديهيات بالنسبة لطلبة العلم دون أن يكون الكاتب ممن قضى عمره وأفناه في الدرس والتدريس، وفي التعلم والتعليم، ويحمل شهادات كبرى؛ زيادة على أنه حقق كتاب تاريخ عظيم كتاريخ ابن خلدون وعلق عليه.
وإن الشيعة أنفسهم يقرون بمبايعة أئمتهم للخلفاء سواء كانوا من الراشدين الثلاثة أو بعدهم من بني أمية وبني العباس، فهؤلاء الشيعة يذكرون إمامهم الأول المعصوم علياً رضي الله عنه أنه ذكر الأحداث بعد وفاة رسول الله r في رسالة أرسلها إلى أصحابه بمصر بعد مقتل محمد بن أبي بكر، فذكر فيما ذكر فيها انثيال الناس إلى أبي بكر وإسراعهم إليه ليبايعوه، ثم كتب:
"فمشيت عند ذلك إلى أبي بكر فبايعته ونهضت في تلك الأحداث حتى زاغ الباطل وزهق وكانت كلمة الله هي العليا ولو كره الكافرون، فتولى أبو بكر تلك الأمور فيسر، وسدد، وقارب، واقتصد، فصحبته مناصحاً، وأطعته فيما أطاع الله جاهداً" [الغارت لأبي إسحاق إبراهيم الثقفي الكوفي الأصبهاني الشيعي المتوفى سنة 283ه ج1 ص307-ط طهران، و"منار الهدى" لعلي البحراني الشيعي ص373، أيضاً ناسخ التواريخ للميرزا تقي ج3 ص532-ط طهران].
وكذلك ذكر الطوسي الملقب عند الشيعة بشيخ الطائفة في أماليه أن علياً رضي الله عنه ذكر مبايعته لعمر مخاطباً أهل الشام:
"فبايعت عمر كما بايعتموه، فوفيت له بيعته، حتى لما قتل جعلني سادس ستة، فدخلت حيث أدخلني" [الأمالي للطوسي ج2 ص121-ط نجف].
كما يذكر مبايعة علي رضي الله عنه لعثمان بن عفان رضي الله عنه، ومن لسان علي رضي الله عنه وإقراره بنفسه حيث قال:
"كرهت أن أفرق جماعة المسلمين وأشق عصاهم، فبايعتم عثمان فبايعته" [الأمالي للطوسي ج2 الجزء 18 ص121].
وكان من أول المبايعين له بعد عبد الرحمن بن عوف كما ذكره البخاري في صحيحه، وابن سعد في طبقاته من السنة، وابن أبي الحديد من الشيعة في شرحه للنهج تحت قول علي رضي الله عنه:
والله لأسلمن ما سلمت أمور المسلمين، ولم يكن فيها جور إلا عليَّ خاصة التماساً لأجر ذلك وفضله" [نهج البلاغة تحقيق صبحي صالح ص102-ط بيروت].
"ثم مدّ يده فبايعه" [شرح النهج لابن أبي الحديد].
ومث ذلك ذكر الميرزا تقي من الشيعة أيضاً في تاريخه [ناسخ التواريخ ج2 كتاب2 ص449-ط إيران].
ومبايعة حسن بن علي رضي الله عنهما معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما، وكذلك مبايعة أخيه الحسين لأشهر من أن يذكر ولكن رغبة في إقناع سيادة الدكتور والأخوة الباحثين نثبت ههنا عبارة من كتب الشيعة أنفسهم، فلقد ذكر كل من الكشي والمجلسي – يلقبه الشيعة بخاتمة المحدثين – والعباس القمي عن جبريل بن أحمد وأبي إسحاق حمدويه وإبراهيم ابني نصير، عنهم جميعاً أنهم قالوا:
حدثنا عبد الحميد العطار الكوفي عن يونس بن يعقوب عن فضل غلام محمد بن راشد قال:
سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: إن معاوية كتب إلى الحسن بن علي (بعد الصلح) صلوات الله عليهما أن أقدم أنت والحسين وأصحاب علي، فخرج معهم قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري وقدموا الشام، فأذن لهم معاوية وأعد لهم الخطباء.
فقال: يا حسن قم فبايع.
فقام فبايع.
ثم قال للحسين: قم فبايع.
ثم قال لقيس (وكان قائد عساكر الحسن) :
قم فبايع.
فالتفت إلى الحسين عليه السلام ينظر ما يأمره؟
فقال: يا قيس! إنه إمامي – وفي رواية –
فقام إليه الحسن، فقال له:
بايع يا قيس! فبايعه" [رجال الكشي، واللفظ له ص102، جلاء العيون للمجلسي بالفارسية ج1 ص395 ط طهران، منتهى الآمال بالفارسية أيضاً للعباسي القمي ص316-ط طهران].
وقبل ذلك جعل الحسن رضي الله عنه أحد شروط الصلح مع معاوية رضي الله عنه:
"أن يعمل بين الناس بكتاب الله، وسنة رسوله، وسيرة الخلفاء الراشدين.. وأخذ على هذه الشروط، العهود المغلظة باليمين" [جلاء العيون للمجلسي ج1 ص393-ط طهران 1398ه، منتهى الآمال للعباس القمي ص314-ط إيران، والفصول المهمة في معرفة أحوال الأئمة ص163-ط طهران].
وخبر علي بن الحسين زين العابدين قد ذكرناه فيما سبق من الكليني في كافيه الذي قال فيه محدث الشيعة النوري الطبرسي:
"هو أحد الكتب التي عليها تدور رحى الفرقة الإمامية.. وكتاب الكافي بينها كالشمس بين نجوم السماء.. وإذا تأمل فيه المنصف يستغني عن ملاحظة حال آحاد رجال سند الأحاديث المودعة فيه، وتورثه الوثوق، ويحصل له الاطمئنان بصدورها وثبوتها وصحتها" [مستدرك الوسائل ج3 ص546-ط مكتبة دار الخلافة طهران 1321ه].
وأمر الآخرين السبعة ممن يزعمهم الشيعة أئمة لهم أمر مشهور، ونذكر فقط عن واحد منهم – وهو جعفر بن الباقر الذي إليه ينسب الشيعة الاثنا عشرية مذهبهم – أنه في يوم من الأيام "أحضره المنصور وقال له:
قتلني الله إن لم أقتلك، أتلحد في سلطاني؟
فقال له الصاقد (ع) : والله ما فعلت ولا أردت، وإن كان بلغك فمن كاذب" [الشيعة في التاريخ لمحمد حسين الزين ص107، 108-ط بيروت سنة 1399ه].
ولأجل ذلك لم يبايع عمه عبد الله بن الحسن المثنى ولا ابنه بعده محمد بن عبد الله الملقب بالنفس الزكية الذي كتب عنه الأصفهاني الشيعي:
وكان محمد بن عبد الله بن الحسن من أفضل أهل بيته، وأكبر أهل زمانه في زمانه، في علمه بكتاب الله، وحفظه له، وفقهه في الدين، وشجاعته، وجوده، وبأسه، وكل أمر يجمل بمثله، حتى لم يشك أحد أنه المهدي، وشاع ذلك له في العامة، وبايعه رجال من بني هاشم جميعاً، من آل أبي طالب، وآل بني العباس، وسائر بني هاشم" [مقاتل الطالبين للأصفهاني ص233].
مع هذا كله لم يبايعه، كما لم يبايع أباه من قبل [انظر لذلك: الكافي للكليني كتاب الحجة ج1 ص358 وغيره من الكتب].
وإنني لأرى بعد ذلك كله أنني لم أقصر في تفهيم المسألة وتبيين القضية، ومن لم يفهم بعد ذلك فإن ربك لستار العيوب وغفار الذنوب.
وأما ترجيح سيادته اسم الجعفرية واقتصاره على استعماله [بين الشيعة وأهل السنة ص8] – لو لم تكن عن سوء نية – فأيضاً خطأ، حيث أن هناك كثيراً من فرق الشيعة غير الاثنى عشرية تدخل تحت هذا الاسم، لأن كل فرق الشيعة الموجودة اليوم غير الزيدية تعتقد بإمامة جعفر وتنسب إليه فقهها من الإسماعيلية، والنزارية منها والمستعلية، والنصيرية، والدروز، والقرامطة وغيرهم الكثيرين الكثيرين.
فلا أدري أسباب ترجيح هذا الاسم عنده دون غيره مع عدم رضائه لاختيار اسم الإمامية لاشتراك غيرهم معهم تحت هذا الاسم [انظر لذلك رسالته: بين الشيعة وأهل السنة ص9].
وإليك سبب تركه هذا الاسم بألفاظه:
"وقد يطلق عليها كذلك اسم الإمامية.. ومع أن هذا اللقب هو الذي يكثر إطلاقه عليهم لدى عامتهم ويكثر استعماله كذلك في مؤلفات علمائهم فإنه ليس مقصوراً عليهم، بل ينطبق على فرق الشيعة الأخرى تذهب في موضوع الإمامة إلى ما يذهبون إليه، وخاصة فرقة الشيعة الإسماعيلية" [انظر لذلك رسالته: بين الشيعة وأهل السنة ص9].
ومن مُبلغٌ عنّي إلى السيد المحترم بأن اسم الجعفرية يشمل الإسماعيلية وغير الإسماعيلية أيضاً كما ذكرنه آنفاُ، إن كان هذا هو سبب تركه!.
ومن يخبر شيخاً لا يعرف عن الاثنى عشرية شيئاً مع انتشار كتبهم وتواجدهم في أكثر البلدان الإسلامية أن كتب الفقه الإسماعيلي وكتب الحديث الإسماعيلية كلها تدور حول الآراء المنسوبة والروايات الموصولة إلى جعفر بن الباقر، زيادة على ذلك أن كتب الفرق التي لم يكلف السيد الدكتور نفسه العناء بإلقاء النظرة عليها، شيعية كانت أم سنية، تستعمل هذا اللقب على الفرق الشيعية التي وجدت قبل وجود الشيعة الاثنى عشرية، وما أظن أن مكتبته ينقصها كتاب "الملل والنحل للشهرستاني" من السنة، فليمسح الغبار عنه ويقلب أوراقه ويلقي نظرة ولو خاطفة في مبحث الشيعة بعد عنوان "رجال المرجئة" فيجد أن اسم الجعفرية قد يطلق على قوم توقفوا بالقول على إمامة جعفر ولم يجروها في أولاده، أي لم يعتقدوا ببقية الأئمة الذين آمن بهم الشيعة الاثنا عشرية واعتقدوا بإمامته، فعلى ذلك فإن الاسم الجامع المانع لهذه الفئة من الشيعة هو الاثنا عشرية، لأن غيرهم لا يعتقدون بمن يعتقد بهم هؤلاء ولو جاز إطلاق كل الأسماء من الإمامية والجعفرية والروافض عليهم، كما بيناه مفصلاً في كتابنا (الشيعة والتشيع فرق وتاريخ) فمن أراد الاستزادة فليرجع إليه [وستصدر طبعته السادسة في مصر إن شاء الله].
ولكننا أردنا التنبيه هنا بأن اختياره وترجيحه اسم الجعفرية على غيره واقتصاره عليه ليس نابعاً إلا من عدم معرفته بالموضوع.
وكذلك قوله بأن هذه الفرقة تسمى الجعفرية "لاعتمادها في جميع ما تذهب إليه من عقيدة وشريعة على آراء ينسبونها إلى جعفر الصادق" ["بين الشيعة وأهل السنة" ص8] يدل أيضاً على عدم علمه بالقوم وعقائدهم. ونذكر هنا عبارة واحدة لبيان تحري السيد الدكتور الحقيقة من أهم مصادر الشيعة، يقول السيد محسن الأمين – وهو يعد من كبار علماء الشيعة وأهم كتّابهم في الماضي القريب – يكتب في موسوعته وهو يذكر سبب تسمية الاثنى عشرية بالجعفرية:
"الجعفرية باعتبار أن مذهبهم في الفروع هو مذهب الإمام جعفر بن محمد الصادق عليهما السلام، ونسب مذهبهم في الفروع إليه باعتبار أن أكثره مأخوذ عنه" [أعيان الشيعة الجزء الأول، القسم الأول ص20-ط بيروت].
وأما العقيدة والشريعة فلم يأخذها الشيعة عن جعفر ولا غيره، بل أخذوها عن اليهودية الأثيمة، الجريحة التي انسكرت فلولها، واندحرت شوكتها، وزلزلت أركانها، واستؤصلت شأفتها، وهدمت قلاعها، ودمرت ديارها على يد رسول الله الصادق الأمين، وخلفائه الراشدين، الصديق، والفاروق، وأفلت نجومها أيام ذي النورين رضي الله عنهم أجمعين، فترقبت لثأرها، ودبرت لانتقامها، وخططت مؤامرتها وأحكم نسيجها، فأرسلت ابنها البار بها عبد الله بن سبأ [راجع: لمعرفة التفاصيل عن شخصيته الخبيثة وأنها حقيقية كتابنا "الشيعة وأهل البيت"] من صنعاء اليمن ليكيد للإسلام كيداً، ويزرع في المسلمين فتناً، ويدس لهم دسائس، ويروج فيهم عقائد لا أساس لها في القرآن ولا في السنة، لتنتشر البلبلة، ويفشو الفساد، وتعم القلاقل، وتضطرب الأمور، وتقف القوافل، قوافل النصر والظفر، قوافل الجهاد والأبطال، كي لا يحيط نور الله بالمعمورة، وفعلاً حصلت ما أرادت ولله عاقبة الأمور، وهو عليم بحكمها وعللها، فجاء ذلك اللعين إلى المدينة، ودخل في زمرة المسلمين وهو يعتزم الإيقاع بدينهم، وتقويض جماعتهم، وفي قلبه حفيظة عليهم، ثم ذهب إلى مصر، ثم إلى الكوفة، ثم إلى الشام، محاولاً إضلال العقول الضعيفة، والقلوب المريضة، وأصحاب الأغراض الذين لم يدخلوا في دين الله إلا طمعاً وحرصاً في زخارف الحياة ومتاع الدنيا، فأتى مصر، فوجد المرتع الخصب، والأرض القابلة للفتن، فأقام بين أهلها يتنقل من مدينة إلى مدينة، وقرية إلى قرية، حتى استطاع بزخرف القول أن يوغر صدورهم على خليفة رسول الله، وزوج ابنتيه، ذي النورين، صاحب الجود والحياء، أمير المؤمنين وخليفة المسلمين، كما استطاع أن ينشئ في عقائدهم خللاً، ويزين لهم من القول ما حمله من اليهودية المدبرة من ورائه، وأن يزحزحهم عن العقيدة الصحيحة المستقيمة، حتى جرهم إلى قتل عثمان [انظر: لتفصيل هذه الحوادث كتابنا "الشيعة والتشيع فرق وتاريخ"] مع من وجده من الأنصار والمغترين به من مختلف الأمصار الإسلامية، وبذلك استطاع قلب الحكم الإسلامي، وأوجد ثلمة في صفوف المسلمين، وفتقاً لم يرتق إلى يومنا هذا، كما استطاع أن ينشئ جماعة كاملة تحمل أفكاره وآراءه باسم العقيدة التي أتحفها إياهم من اليهودية الجريحة رمزاً لانتقامها وشعاراً لثأرها، عقيدة وشريعة لا تمت إلى الإسلام بصلة قريبة أو بعيدة، وشريعة الله السماوية الحقة بريئة منها كل البراءة.
وها هي تلك العقيدة من أوثق كتب الشيعة أنفسهم مع بعض تحركاته يذكرها مؤرخ شيعي إيراني في تاريخه الفارسي الكبير:
"إن عبد الله بن سبأ توجه إلى مصر عندما علم أن مخالفيه (أي عثمان ذي النورين) كثيرون هناك، فتظاهر بالعلم والتقوى وافتتن به الناس، وبعد الرسوخ فيهم بدأ يروج مذهبه ومسلكه بأن لكل نبي وصياً، ووصي رسول الله على المتحلي بالعلم والفتوى، والمتزين بالكرم والشجاعة، والمتصف بالأمانة والتقى، وإن الأمة ظلموا علياً وغصبته حق الخلافة والولاية، ويلزم الجميع مناصرته ومعاضدته وخلع طاعة عثمان، وبيعته كفارة لذنب ارتكبوه، وجريمة اقترفوها لإعطائهم حقه غيره، فتأثر كثير من المصريين بأقواله، وخرجوا على الخليفة عثمان" [روضة الصفا ج3 ص292-ط طهران].
وما كتبه أقدم مؤرخ شيعي، وأول كاتب في الفرق من الشيعة النوبختي أبو محمد الحسن بن موسى من أعلام الشيعة في القرن الثالث للهجرة، ومن تلاه بعده سعد بن عبد الله القمي، وأقدم من كتب في الرجال منهم أبو عمرو بن عبد العزيز الكشي من علماء القرن الرابع، لجدير بالعناية والاهتمام.
فيذكر كل واحد منهم رواية متقاربة الألفاظ والمعنى بتقديم لفظ وتأخير آخر، واللفظ للنوبختي تحت عنوان "السبئية":
"عبد الله بن سبأ، وكان ممن أظهر الطعن على أبي بكر وعمر وعثمان والصحابة، وتبرأ منهم، وقال: إن علياً – عليه السلام – أمره بذلك، فأخذه علي فسأله عن قوله هذا، فأقرّ به، فأمر بقتله، فصاح الناس إليه: يا أمير المؤمنين! أتقتل رجلاً يدعو إلى حبكم أهل البيت، وإلى ولايتك والبراءة من أعدائك؟ فصيره إلى المدائن.
وحكى جماعة من أهل العلم من أصحاب علي – عليه السلام – أن عبد الله بن سبأ كان يهودياً فأسلم ووالى علياً – عليه السلام – وكان يقول وهو على يهوديته في يوشع بن نون بعد موسى – عليه السلام – بهذه المقالة، فقال بعد إسلامه في علي – عليه السلام – بمثل ذلك، وهو أول من شهر القول بفرض إمامة علي – عليه السلام – وأظهر البراءة من أعدائه وكاشف مخالفيه فمن هناك قال من خالف الشيعة: إن أصل الرفض مأخوذ من اليهودية، ولما بلغ عبد الله بن سبأ نعى علي بالمدائن قال للذي نعاه: كذبت، لو جئتنا بدماغه في سبعين صرة وأقمت على قتله سبعين عدلاً لعلمنا أنه لم يقتل، ولا يموت حتى يملك الأرض" [فرق الشيعة للنوبختي الشيعي ص41، 42-ط المطبعة الحيدرية نجف بتعليق آل بحر العلوم-ط سنة 1959، المقالات والفرق لسعد بن عبد الله الأشعري القمي ص21-ط طهران سنة 1963م، رجال الكشي ص100-101-ط كربلاء وغيرها من الكتب الكثيرة].
فهذه هي العقائد، وهذه هي الشريعة توارثتها الشيعة جيلاً بعد جيل، وتناقلها علماؤهم وعامتهم قرناً بعد قرن، وذاك هو واضعها ومؤسسها وبانيها، فمنه أخذوا، وعليه اعتمدوا، كما سيأتي بيانه مفصلاً في محله إن شاء الله مدعماً بالأدلة الصريحة والبراهين القاطعة من كتب القوم أنفسهم بأن عقائد الشيعة الاثنى عشرية اليوم هي عين تلك العقائد التي خططتها اليهودية، وروجها اليهودي الماكر الخبيث.
فهذه هي الحقيقة، لا كما تخيلها الدكتور الفاضل.
وكذلك قوله:
وهي آراء يتصل سند معظمها في نظرهم بالإمام علي بن أبي طالب – فبالرسول" [بين الشيعة وأهل السنة].
وحضرته لا يدرك بكلامه هذا أن الإمام في نظر الشيعة يتحلى بالعصمة مثلما يتحلى بها الأنبياء، ويحمل علماً مثلما يحمله الرسل، بل وأكثر، فمن كان هذا شأنه ومكانته لا يحتاج، ولا يطالب باتصال كلامه وإسناده إلى الرسول، وعلى ذلك أورد محدثو الشيعة الاثنى عشرية أحاديث كثيرة بلغت حد التواتر، وجاوزت عنه، أن الأنبياء والأئمة في العصمة والعلم سواء، بل الأئمة يزيدون على أنبياء الله ورسله ولا ينقصونهم، كما أن محدثهم الكبير صاحب موسوعة كبرى في الحديث الشيعي، "الحر العالمي" المتوفى سنة 1104ه بوّب باباً مستقلاً في كتابه "الفصول المهمة" بعنوان "الأئمة الإثنا عشر أفضل من سائر المخلوقات من الأنبياء والأوصياء السابقين والملائكة وغيرهم، وأن الأنبياء أفضل من الملائكة".
وأورد تحت هذا الباب روايات كثيرة ننقل منها رواية واحدة رواها عن جعفر بن الباقر أنه قال:
إن الله خلق أولي العزم من الرسل، وفضلهم بالعلم، وأورثنا علمهم، وفضلنا عليهم في علمهم، وعلم رسول الله r ما لم يعلمهم، وعلمنا علم الرسول وعلمهم" [الفصول المهمة في أصول الأئمة للحر العاملي ص152 ط إيران].
ومن كان هذا شأنه بأنه يفوق الرسل وسيد الرسل حيث يعلم علومهم وعلم ما أعطي له لنفسه لماذا يحتاج أن يسند قوله إلى نبي أو رأيه إلى رسول؟
ولأجل ذلك يقول السيد الخميني زعيم إيران اليوم في كتابه "ولاية الفقيه" ما نصه:
"إن من ضروريات مذهبنا ألا ينال أحد مقامات الأئمة المعنوية الروحية، لا ملك مقرب ولا نبي مرسل، كما وردت في روايتنا أن الأئمة كانوا أنواراً تحت العرش قبل تكوين العالم.. وعنهم نقل أنهم قالوا: إن لنا مع الله أحوالاً لا يسعها ملك مقرب ولا نبي مرسل، وهذه المعتقدات من القواعد والأسس التي عليها قام مذهبنا" ["ولايت فيه در خصوص حكومت إسلامي" لنائب الإمام السيد الخميني تحت باب "ولايت تكويني" من الأصل الفارسي ص58-ط طهران].
وأخيراً نورد في هذا الموضوع رواية أخرى من الصحيح الذي قال فيه غائبهم: كاف لشيعتنا [انظر: مستدرك الوسائل ج3 ص532، 533، الصافي ج1 ص4، منتهى الآمال ص298، نهاية الدراية ص219، روضات الجنات ص553 نقلاً عن معاشر – الأصول ص31].
أورد فيه الكليني عن جعفر أنه قال:
ما جاء به علي عليه السلام آخذ به، وما نهى عنه انتهى عنه، جرى له من الفضل مثل ما جرى لمحمد r، ولمحمد r وآله الفضل على جميع من خلق الله عز وجل، المتعقب عليه في شيء من أحكامه كالمتعقب على الله وعلى رسوله، والراد عليه في صغيرة أو كبيرة على حد الشرك بالله، كان أمير المؤمنين عليه السلام باب الله لا يؤتى إلا منه، وسبيله الذي من سلك بغيره هلك، وكذلك يجري لأئمة الهدى واحداً بعد واحد جعلهم الله أركان الأرض أن تميد بأهلها، وحجته البالغة على من فوق الأرض ومن تحت الثرى، وكان أمير المؤمنين صلوات الله عليه كثيراً ما يقول: أنا قسيم الله بين الجنة والنار، وأنا الفاروق الأكبر، وأنا صاحب العصا والميسم ولقد أقرت لي جميع الملائكة والروح والرسل بمثل ما أقروا به لمحمد r، ولقد حملت على مثل حمولته وهي حمولة الرب، وأن رسول الله r يدعي فيكسى، وأدعى فأكسى، ويستنطق واستنطق على حد منطقه، ولقد أعطيت خصالاً ما سبقني إليها أحد قبلي، علمت المنايا والبلايا، والأنساب وفصل الخطاب، فلم يفتني ما سبقني، ولم يعزب عني ما غاب عني" [الأصول من الكافي ج1 ص196، 197 ط إيران].
وأما قول الدكتور بأن الشيعة يطلقون على جعفر والباقر اسم "الشيخين" فلم نسمع هذا من أحد قبله.
وأما تعريضه بشيخ الإسلام ابن تيمية حيث ادعى عليه أنه قد خلط بين الشيعة الجعفرية وبين غيرها من فرق الشيعة، فنسب إلى الجعفرية عقائد وآراء ليست من عقائدهم ولا من آرائهم شيء [بين الشيعة وأهل السنة ص11]. فقد جاز به حد الخطأ – ولولا الإساءة – لقلت: بلغ حد الجهل، والجهل المركب، الذي لا يدري صاحبه، ولا يدري بأنه لا يدري.
ولا أدري كيف استساغ من لا يعرف البديهيات والأشياء البدائية التافهة عن الشعة أن يتهكم بكود شامخ كابن تيمية. بدل أن يغترف من بحره الزاخر، ويستفيد من علمه الوافر؟.
كيف جاز له أن يتهمه بعدم معرفته من الاثنى عشرية؟ وعدم تفريقه بينهم وبين من عداهم في كتابه "منهاج السنة النبوية" الكتاب الذي لا زال مرجعاً أساسياً، ومصدراً فياضاً لكل من يريد أن يعرف الشيعة على حقيقتهم، ومساوئهم ومخازيهم؟ وحضرة الدكتور مع تعاليه وتفاخره كثيراً خلال الفقرات والتعليقات في هذه الرسالة لم يثبت لنفسه، لا العقل ولا معرفة النقل، كأن سيادته لا يفرق بين الشرق والغرب، ولا بين الشمال والجنوب، وأنه لا يعرف الحابل من النابل، ولا الليل من النهار: ] وما يستوي الأعمى والبصير ولا الظلمات ولا النور ولا الظل ولا الحرور وما يستوي الأحياء ولا الأموات إن الله يسمع من يشاء وما أنت بمسمع من في القبور [ [سورة فاطر الآية 19-22].
وهل يجوز لعالم أو منتسب إلى العلم أن يحكم على شيء بدون معرفته؟، وأن يصدر قضاءه بدون أدنى علم منه بالقضاء والقضية،؟ ولولا حسن ظني بالسيد الدكتور وأنه لا يعرف عن حقيقة الشيعة شيئاً كما يبدو لأول وهلة لمن يلقي نظرة ولو طارئة على كتيبه، وكما بيناه نحن آنفاُ بالوثائق والمستندات، لذهب بي الخيال إلى ظنون كثيرة وبعيدة.
فقد أوقع الدكتور نفسه في مأزق حرج بكتابة هذه الرسالة التي لم يكن لها مبرر أن يكتبها، ويندفع إلى تبرئة الشيعة إلى حد يخطئ ابن تيمية وآراءه فيهم، وهو لا يكتب سطراً فيهم، ولا كلمة عنهم إلا ويتدفق قلمه خطأ.
وينبغي أن يعرف الجميع أن كل ما نسب إلى الشيعة الاثنى عشرية من الغلو في الأئمة واتصافهم بأوصاف الله وامتلاكهم قدرته، وسلطانه واختياراته التي لا يشاركه فيها أحد ممن في السماوات وممن في الأرض، وتفضيلهم إياهم على أنبياء الله ورسله، وإنكارهم القرآن واعتقادهم التحريف فيه، وتكفيرهم المسلمين وعلى رأسهم أصحاب رسول الله r والخلفاء الراشدون مع بقية العشرة المبشرة غير علي، وأزواج الرسول أمهات المؤمنين، ومن بعدهم من تبعهم من الأئمة بإحسان إلى يوم الدين، وإيمانهم بالرجعة والتناسخ والحلو، ونسبة الجهل إلى الله جل وعلا، وجعل الكذب ديناً وديدناً وشعاراً، وتفريق كلمة المسلمين، والكراهية لهم، والوقوف ضدهم مع أعدائهم، كل هذا حق وثابت من كتب الشيعة الاثنى عشرية أنفسهم، المعتمدة لديهم والموثوقة عندهم، كما ذكرنا بعضاً منها في هذا المبحث، وكما سنبين البقية الباقية فيما يأتي من هذه العجالة، وإن كان إنكار هذه الحقائق الثابتة ليس إلا إنكار الشمس وهي طالعة، كما أنه ليس إلا سخرية بالعقول، وتحكماً بالأحلام، وتجنياً على العلم، وكتماناً للحق، ونكاية بنفسه.
وأما كون الاثنى عشرية ينكرون هذه العقائد فعليهم أن ينكروا قبل كل شيء كتبهم، وما كتب فيها من التفسير والحديث والفقه والأصول والعقائد.
ثم لا أدري، ولست أخال أدري!! هل العقائد والمعتقدات يحكم على وجودها وعدمها بناء على أقوال أشخاص ومقولات رجال ليس لهم خيار صنعها وإنكارها؟ ومقولات لم يتقولوا بها إلا فراراً من العار الذي لحقهم حيث لا يجدون عنها مخرجاً، وهذا مع دعواهم بأن مذهبهم مبني على أقوال المعصومين – حسب زعمهم – من أهل البيت [لا أهل بيت النبي كما يزعمه بعض غير العارفين بمذهبهم لأن الشيعة أنفسهم يصرحون بأن المقصود من أهل البيت أهل بيت علي لا النبي] علي رضي الله عنه وآرائهم، ومستقاة من أفعالهم وتقريراتهم، فتمشياً مع أصولهم وقواعدهم يساءلون: هل هم المعصومون أم أئمتهم الذين آخرهم غاب في سامراء – حسب زعمهم –؟
فإن كان الحجة أولئك فليستندوا لإنكارهم بروايات أولئك القوم مقابل الروايات الكثيرة الكثيرة الي بلغ بعضها حد التواتر في إثبات ما يلزمهم خصمهم من العقائد اليهودية، والأفكار الوثنية، والآراء المجوسية – معاذ الله أن تكون صادرة من الطيبين من أولاد علي رضي الله عنه.
نعم! عليهم أن يثبتوا كل هذا من أئمتهم المعصومين، ويبرهنوا على إنكارهم بأقوالهم المنقولة عن كتبهم أنفسهم.
وأما مجرد الإنكار فلا يعد إلا تهرباً من الحقائق وفراراً من النتائج، وتمسكاً بالكذب الذي أعطوه صبغة التقديس باسم التقية، لا ينخدع به إلا المغفلون، أو من أراد خداع نفسه عن قصد أو سوء نية. فافهم فإنه دقيق، وعليه يترتب فهم كثير من المسائل وحل كثير من الغوامض والألغاز والمشاكل، وليتدبر فيه حضرة الدكتور الذي لم يبن آراءه في رسالته التي كتبها – كما يظهر – إلا على السمعيات ألقيت في مسامعه، ولم يدر أنه من زخرف القول غروراً يوحي به بعضهم إلى بعض، ويلقي به بعضهم إلى بعض معرضاً عن المرئيات والبصريات، ومنكراً على من اعتمد عليها، ثم تسلل عنه من أوقعه في هذا المأزق الزلق، وألقى عليه مثل هذا القول الزور، وتركه وحيداً مستصرخاً هو وأمثاله قائلاً: ] . . . وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخي . . [ [سورة إبراهيم الآية22].
ولو لم يك هذا ما كان له أن يكتب: "أن كثيراً من مؤلفينا قد خلط بين الشيعة الجعفرية وغيرها من فرق الشيعة.. تبدو هذه الظاهرة حتى في مؤلفات العلامة ابن تيمية، انظر كتابه منهاج السنة" [ص11 من رسالة الدكتور] بل وجد عكس ذلك فإن كتب القوم في الحديث وفي التفسير تشهد بصدق ما كتبه ابن تيمية وغيره ممن سلك مسلكه وتبع خطواته في الرد على هؤلاء المنحرفين المبتدعين، المنتحلين المبطلين ،- غفر الله للرجل ولأمثاله -.
وكذلك قول الدكتور في تمهيده:
"وقد بلغ كل إمام من هؤلاء الأئمة (الاثنى عشر) سن الرشد وكانت له رسالة في قومه.. ما عدا الإمام الثاني عشر" [رسالته المذكورة ص7]. جهل محض لأنه لا يعرف ماذا يقصد به؟
إن كان قصده أن كل إمام منهم نصب إماماً بعد بلوغه سن الرشد فهذا من أخطاء سيادته الكثيرة الكثيرة الموجودة في كل صفحة من صفحات هذا الكتيب الصغير، وفي كل سطر من سطوره كما يلاحظه القارئ لأن البعض منهم اعتقدوا بإمامته ولم يكن يعقل شيئاً عن أمور دنياه، فضلاً عن أمور دينه ودين الآخرين، فمثلاً إمام الاثنى عشرية العاشر علي بن محمد المكنى بأبي الحسن والملقب بالهادي أو النقي أنه لما مات أبوه محمد بن علي بن موسى بن جعفر تركه هو وأخاه موسى وكان الأكبر منهما لم يتجاوز الثامنة من العمر حسب قول الشيعة [انظر: الإرشاد للمفيد، إعلام الورى للطبرسي، كشف الغمة للأربل، جلاء العيون للمجلسي، منتهى الآمال للعباس القمي، والفصول المهمة لابن الصائغ].
وكانا من الصغر في العمر إلى حد أن "أوصى أبوهما على تركته من الضياع والأموال والنفقات والرقيق إلى عبد الله بن المساور إلى أن يبلغا الحلم" [صحيح الكافي للكليني ج1 ص125 ط إيران].
هذا وأبوه محمد المكنى بأبي جعفر الملقب بالجواد أو التقي الإمام التاسع للشيعة الاثنى عشرية أيضاً لم يك قد بلغ سن الرشد وقت وفاة أبيه، بل كان في سن أصغر من ولده علي وقت وفاته: ومضى الرضا علي بن موسى عليهما السلام ولم يترك ولداً نعلمه إلا الإمام بعده أبا جعفر محمد بن علي – عليهما السلام، وكانت سنه يوم وفاة أبيه سبع سنين وأشهراً" [انظر: الإرشاد للمفيد ص304، إعلام الورى للطبرسي ص313، كشف الغمة للأربل ج3 ص72، جلاء العيون للمجلسي بالفارسية ج2 ص345، ومنتهى الآمال للقمي بالفارسية ص1049، وعيون أخبار الرضا لابن بابويه القمي ج3 ص347 ط إيران].
وعلى ذلك اختلف الشيعة في إمامته، كما اختلفوا بعده في إمامة ابنه، وتركوا التشيع لعدم ثقتهم بالذي لم يبلغ سن الرشد والتمييز في أمور دينهم، والذي لم يعتمد عليه والده في أمور دنياه، كيف لهم أن يطلبوا الرشد في الأمور الدينية ممن يحتاج الرشد وتسييره في أمور دنياه؟ كما ذكر النوبختي الشيعي نفسه مقولتهم التي قالوها وقت تفرقهم عن محمد الجواد واختلافهم فيه:
لا يجوز الإمام إلا بالغاً، ولو جاز أن يأمر الله بطاعة غير بالغ لجاز أن يكلف الله غير بالغ، فكما لا يعقل أن يحتمل التكليف غير بالغ فكذلك لا يفهم القضاء بين الناس ودقيقه وجليله، وغامض الأحكام وشرائع الدين وجميع ما أتى به النبي r ، وما تحتاج إليه الأمة إلى يوم القيامة من أمر دينها ودنياها.. طفل غير بالغ، ولو جاز أن يفهم ذلك من قد نزل عن حد البلوغ درجة.. لجاز أن يفهم ذلك من قد نزل عن حد البلوغ درجتين وثلاثاً وأربعاً راجعاً إلى الطفولية! حتى يجوز أن يفهم ذلك من طفل في المهد والخرق! وذلك غير معقول ولا مفهوم ولا متعارف" [فرق الشيعة للنوبختي ص110].
فتفكروا يا عباد الله! هل من المعقول أن يعتمد على صبي في أمور الدين من لم يعتمد عليه أبوه – وهو إمام معصوم عند الشيعة – في أمر دنياه كما مر سابقاً بأن محمد الجواد هذا جعل وصيته على ابنيه عبد الله بن المساور على تركته من الضياع والأموال والنفقات والرقيق، فعدلاً عدلاً أيتها الشيعة! أليس منكم رجل رشيد؟
هذا إن كان مراد الدكتور بأن كلاً من أئمة الشيعة بلغ سن الرشد وقت نصبه على عرش الإمامة وهو لم يكن كذلك كما أثبتناه من كتب الشيعة أنفسهم، وإن كان مقصوده بأن كلاً منهم قد بلغ سن الرشد قبل موته ووفاته – وهو عبث ليس لذكره معنى – فلم الاستثناء للثاني عشر لأنه لم يمت بعد حسب زعم الذين اعتقدوا ولادته؟
وأما نحن فلا نعتقد بولادة غائبهم الموهوم، ونجزم أن الحسن العسكري لم يتزوج ولم يولد له ولد، لا في حياته ولا بعد وفاته بشهادة الشيعة أنفسهم، وها هو النوبختي كبير الشيعة في الفرق يصرح عن الحسن العسكري:
"أنه توفى ولم يعرف له ولد ظاهر، فاقتسم ميراثه أخوه جعفر وأمه" [فرق الشيعة للنوبختي ص118، 119].
وأكثر من ذلك وأظهر، وأصرح منه وأوثق، ما رواه محدثو الشيعة ومؤرخوهم في كتبهم من الكليني والمفيد والطبرسي والأربلي والمجلسي والقمي وغيرهم عن أحمد بن عبيد الله بن خاقان الشيعي المشهور، والمعلن لتشيعه وموالاته للمحسن العسكري، أن الحسن العسكري:
"لما اعتل بعث السلطان إلى أبيه أن ابن الرضا قد اعتل فركب من ساعته فبادر إلى دار الخلافة ثم رجع مستعجلاً ومعه خمسة من خدم أمير المؤمنين كلهم من ثقاته وخاصة، فيهم "تحرير" فأمرهم بلزوم دار الحسن تعرف خبره وحاله، وبعث إلى نفر من المتطببين فأمرهم بالاختلاف إليه وتعاهده صباحاً ومساء، فلما كان بعد ذلك بيومين أو ثلاثة أخبر أنه قد ضعف، فأمر المتطببين بلزوم داره، وبعث إلى قاضي القضاة فأحضره مجلسه وأمره أن يختار من أصحابه عشرة ممن يوثق به في دينه وأمانته وورعه، فأحضرهم فبعث بهم إلى دار الحسن وأمرهم بلزومه ليلاً ونهاراً، فلم يزالوا هناك حتى توفى عليه السلام، فصارت "سر من رأى" [مدينة من مدن العراق المشهرة التي تسمى الآن سامراء] ضجة واحدة، وبعث السلطان إلى داره من فتشها وفتش حجرها، وختم على جميع ما فيها، وطلبوا أثر ولده وجاءوا بنساء يعرفن الحمل، فدخلن إلى جواريه ينظرن إليهن، فذكر بعضهن أن هناك جارية بها حمل، فجعلت في حجرة ووكل بها تحرير الخادم وأصحابه ونسوة معهم، ثم أخذوا بعد ذلك في تهيئة وعطلت الأسواق وركبت بنو هاشم والقواد وأبي وسائر الناس إلى جنازته، فكانت "سر من رأى" يومئذ شبيهاً بالقيامة، فلما فرغوا من تهيئته بعث السلطان إلى أبي عيسى بن المتوكل فأمره بالصلاة عليه، فلما وضعت الجنازة للصلاة عليه دنا أبو عيسى منه فكشف عن وجهه فعرضه على بني هاشم من العلوية والعباسية والقواد، والكتاب والقضاة والمعدلين وقال:
هذا الحسن بن علي بن محمد بن الرضا مات حتف أنفه على فراشه حضره من حضره من خدم أمير المؤمنين وثقاته فلان وفلان ومن القضاة فلان وفلان ومن المتطببين فلان وفلان، ثم غطى وجهه وأمر بحمله من وسط داره ودفن في البيت الذي دفن فيه أبوه.
ولما دفن أخذ السلطان والناس في طلب ولده وكثر التفتيش في المنازل والدور، وتوقفوا عن قسمة ميراثه ولم يزل الذين وكلوا بحفظ الجارية التي توهم عليها الحمل لازمين حتى تبين بطلان الحمل، فلما بطل الحمل عنهن قسم ميراثه بين أمه وأخيه جعفر، وادعت أمه وصيته، وثبت ذلك عند القاضي" [كتاب الحجة من الكافي ص505، الإرشاد للمفيد ص339، إعلام الورى للطبرسي ص377، 378، كشف الغمة للأربل ج3 ص198، 199، جلاء العيون للمجلسي تحت ذكر المهدي، الفصول المهمة تحت ذكر المهدي، ومنتهى الآمال للقمي تحت ذكر المهدي].
فهذه هي الحقيقة الناصعة، والرواية الصريحة الثابتة، الناطقة بالحق، والقاطعة في الموضوع، والمنقولة من كتب الشيعة أنفسهم، اعترفوا بها أم لم يعترفوا، وسلموا بها أو لم يسلموا، شاءوا أم أبوا، ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة وإن الله لسميع عليم.
] . . أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أم من لا يهدي إلا أن يهدى فما لكم كيف تحكمون * وما يتبع أكثرهم إلا ظناً إن الظن لا يغني من الحق شيئاً إن الله عليم بما يفعلون [ [سورة يونس الآية 35، 36].
والعجب العجاب أن الشيعة مع هذا كله ينسجون الأساطير من الخيال، ويؤمنون بالمعدوم ويعتقدون وجوده، وهذه كتبهم تشهد عليهم وهم عنها معرضون: ] إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى [ [سورة النجم الآية23].
ثم يأتي السيد الدكتور عبد الواحد وافي، ويسرد حكايتهم الخيالية دون أدنى تعرض لبيان حقيقتها مع إعلانه تحري الحقيقة قدر وسعه وعلمه. ] ذلك مبلغهم من العلم إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بمن اهتدى [ [سورة النجم الآية 30].
ثم يخبط الدكتور وافي خبط عشواء عند ذكره الزيدية، وخلط الحابل بالنابل حيث ذكر رأي بعض الزيدية في الخلافة، ونسبها إلى زيد بن علي مع البون الشاسع والفرق البيّن الواضح بين رأيه الذي كان يراه من ثبوت الخلافة لأبي بكر وعمر وصحتها لهم، ورأي الجارودية من الزيدية، والذين لا يجيزونها لغير علي وأولاده، ومن أراد معرفة ذلك فليراجع كتب الفرق.
وهكذا نسب إلى زيد أنه كان يرى من شروط صحة الإمامة أن يبايعه المسلمون مع أن كتب الفرق والتاريخ خالية عن هذا الشرط تماماً.
ولولا خوف الإطالة، والخروج عن الموضوع الأصلي.. لسردت النصوص في ذلك من السنة والشيعة والزيدية أنفسهم، ومن أراد الاستزادة والتحقيق فليرجع إلى هذه الكتب.
وكذلك قوله: "مذهبهم (أي الزيدية) هو أقرب مذاهب الشيعة إلى مذهب السنة" على إطلاقه غير صحيح أيضاً لأن فيهم من هم أبعد الناس عن السنة ومذاهبها.
وكلامه عن الإسماعيلية [في صفحة 13 وما بعدها] لا يقل خطأ عن كلامه في الزيدية، بل يزداد تطرفاً وبعداً عن الصواب.
فيأخذ فكرة من ابن خلدون في مقدمته ويترك أخرى.
يأخذ من ابن خلدون "أن إسماعيل مات في حياة أبيه ولكن الخلافة انتقلت إلى ابنه الأكبر قياساً على انتقال وظائف هارون إلى نسله بعد وفاته" مع اتفاق أكثر الإسماعيلية اليوم أن إسماعيل لم يمت إلا أن جعفر أظهر موته تقية عليه من خلفاء بني العباس [انظر: الملل والنحل للشهرستاني ص5 على هوامش الفصل وغيره من الكتب السنية والشيعية، وعيون الأخبار، وافتتاح الدعوة، واستتار الإمام، وتاريخ الدعوة الإسماعيلية، والنور المبين، وغيرها من الكتب الإسماعيلية].
وعلى كل فهناك رأيان وموقفان في الموضوع، ولكن الغريب في الأمر أن السيد الدكتور يذكر هذا عن ابن خلدون، ثم ينسى أمراً آخر وهو قول ابن خلدون: أن هؤلاء يسمون بالباطنية، كما يسمون أيضاً الملاحدة لما في ضمن مقالتهم من الإلحاد" [انظر: مقدمة ابن خلدون ص201-ط مصر].
ولكن السيد الدكتور يقول: إن مذهبهم في هذا العهد (أي أيام حكمهم بمصر) لم يكن بعيداً كل البعد عن مذاهب أهل السنة.. ولكن بعد أن تقوضت خلافتهم استحال المذهب الإسماعيلي إلى مذهب باطني" [صفحة 15 من رسالته].
مع أن الأمر لم يكن كذلك، بل كان كما قال ابن خلدون: إنهم كانوا باطنيين قبل أن يظهر عبيدهم في المغرب، وكانوا باطنيين بعد أن ظهر، وكانوا باطنيين في عهد المعز عندما استولى على مصر، كما كانوا باطنيين إلى أن قضى عليهم صلاح الدين الأيوبي. وهذا مما لا يختلف فيه أحد من المؤرخين القدامى.
وأما قوله: "إنه بعد تقويض خلافتهم دخل فيهم كثير من الأديان والنحل غير الإسلامية" فصحيح من وجه، ولكن الديانة الإسماعيلية كلها مبنية على عقائد الأديان والملل غير الإسلامية.
ثم لا ندري بعد تعميم سيادته الحكم لماذا يستثني منه فرقة "البوهرة" مع أنها هي الوريثة الحقيقية للمذهب الإسماعيلي بما فيه من علات. فما الأسباب التي تجعل الدكتور يحكم عليها بذلك الحكم:
ألحاجة في نفس يعقوب قضاها؟ أم لشيء آخر؟
بالله خبروني إذا حل عشق بالفتى كيف يصنع؟
وتلك إذاً قسمة ضيزى.
ولقد أثبتنا نحن في كتابنا الذي نحن بصدد طبعه الآن [سيصدر الكتاب قريباً عاجلاً إن شاء الله بباكستان ومصر في آن واحد، ويشتمل على بيان الإسماعيلية القديمة والجديدة] عن الإسماعيلية أن الإسماعيلية بجميع طوائفها حاملة عقائد ومعتقدات تخرجها عن الملة الإسلامية قطعاً، سواء تظاهرت بالتمسك بالشريعة كالبوهرة، أو تجاهرت بتركها كالآغاخانية.
والجدير بالذكر أن مدعي زعامة البوهرة داعي الدعاة يدعي بأن له اختيارات يملكها، وأوصافاُ يتحلى بها إن لم تجعله فوق الرب فلا تجعله دونه، تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً.
ولقد أثبتنا نص البيان الذي قدمه إلى المحكمة القضائية ببومبي والد الزعيم الحالي، طاهر سيف الدين [ومن المؤسف أن الأزهر الشريف منحه شهادة الدكتوراه الفخرية] عام 1920م جواباً للدعوى التي أقيمت عليه من قبل جمعية أحرار البوهرة حداً لاختياراته وغلوائه، والذي قال فيه: "لا يسأل عما يفعل لأن اختياراته لا تقل عن اختيارات الرب جل وعلا".
وأما ما كتبه الدكتور وافي وقرر فيه أن مذهب الإسماعيلية أيام حكمهم لم يكن بعيداً كل البعد عن مذاهب أهل السنة، ولم تكن لتزيد عن وجوه الخلاف بين مذاهب أهل السنة نفسها بعضها عن بعض.. فلي إلا حكماً عاطفياً ظالماً، وإلا فما رأي الدكتور في كتابة الشتائم على محاريب المساجد، والقذائف على منائرها ضد الخلفاء الراشدين الثلاثة، وأزواج النبي أمهات المؤمنين، ألا يعتبر هذا من وجوه الخلاف بين الشيعة وبين مذاهب أهل السنة؟ وأن ادعاء نسخ الشريعة وتعطيلها والاعتقاد بها أيضاً أليس من الأمور توسع هوة الخلاف بينهم وبين أهل السنة؟
وكذلك جعل محمد بن إسماعيل، سابع النطقاء ومتمم دور السبعة أيعتبر هذا من الخلافات اليسيرة بين القوم وبين المسلمين؟
وعين الرضا عن كل عيب كليلة كما أن عين السخط تبدي المساويا
وتجنباً للإطالة، وتحرزاً عن التطويل نورد هنا رواية واحدة عن المعز نفسه، مؤسس الدولة الفاطمية، ومنشئ الإسماعيلية بمصر.
يقول المعز لدين الله الفاطمي في دعائه المشهور المنقول من أدعية الأيام السبعة بعد الصلاة على آدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى:
"وأخصص اللهم محمد بن عبد الله من ولد إسماعيل الذي شرفته وكرمته وعطلت به ظاهر شريعة عيسى، وصيره سادس النطقاء.." – إلى أن قال -: "وصلّ على القائم بالحق، الناطق بالصدق، التاسع من جده الرسول، الثامن من أبيه الكوثر، السابع من آبائه الأئمة، سابع الرسل من آدم، وسابع الأوصياء من شيث، وسابع الأئمة من البررة صلوات الله عليهم كما قلت سبحانك ] ولقد خلقنا السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام [ سواء للسائلين ثم استوى إلى السماء" وهو استواء أمر النطقاء بالسابع القائم صلوات الله عليه كما ذكرنا آنفاً، "الذي شرفته، وكرمته وعظمته، وختمت به عالم الطبائع، وعطلت بقيامه ظاهر شريعة محمد r .. وهو يوم القيامة والبعث والنشور يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم.. وصلّ على خلفائه الراشدين الذين يقضون بالحق وبه يعدلون" ["أدعية الأيام السبعة لمولانا المعز لدين الله"].
فهذه هي حقيقة التقارب بين الإسماعيلية المستولية على مصر، وحقيقة تقاربهم من مذاهب أهل السنة، التي لا تعلمها أيها السيد الدكتور! مع كونك من مصر، ومحققاً الكتاب التاريخي الكبير، ومعلقاً عليه بثلاث آلاف تعليقة.
فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون.
ولقد أعلن هذه الحقيقة الناصعة الكثيرون الكثيرون من أئمة الفاطميين ودعاتهم، كما تناقلوا دعاء المعز هذا وتوارثوه جيلاً بعد آخر.

يتبع باذن الله
رد مع اقتباس
  #3  
قديم 26-May-2004, 05:04 PM
أبو تراب فرحات السلفى
 
المشاركات: n/a
افتراضي

ولقد شهد بذلك الداعي المطلق إبراهيم بن الحسين الحامدي الذي كان موجوداً ف عهد الآمر بأحكام الله، حاكم مصر في كتابه "كنز الولد" الذي طبع في مصر وفي بيروت أيضاً بقوله:
"وأما محمد بن إسماعيل فهو متم شريعته (شريعة محمد) وموفيها حقوقها وحدودها، وهو السابع من الرسل، بيان ذلك في أدعية مولانا المعز السبعة، وهو الذي يشهد (النبي) له وللقائم محمد بن عبد الله المهدي لأنه قائم القيامة الوسطى، وقائم القيامة الأولى أمير المؤمنين، وقائم القيامة الكبرى رسول الله صاحب الكشف في قوله "اشهد أن محمداً رسول الله" و"أشهد أن محمداً رسول الله" لأن الخلق يشهدون برسالته وهو يشهد لمتم دورة شريعته ومنهاجه" [كنز الولد لإبراهيم بن الحسين الحامدي ص211-ط بيروت].
فما هو رأيك أيها السيد الوقور! في الإسماعيلية أيام تسلطهم على مصر، والبوهرة ورثتهم الذين يعدون المعز إماماً من أئمتهم المعصومين، ويدعون بدعائه، والذين يعدون إبراهيم الحامدي هذا الداعي المطلق الثاني من دعاة أيام الستر، وقد بلغ العدد عندهم واحداً وخمسين؟
هل تعيد نظرتك في رسالتك هذه؟ ولولا حرصنا على ألا ينخدع بها الشباب المسلم والغفلة من المسلمين لما تصدينا بالرد عليها وصرف الوقت فيها لامتلائها بالأخطاء الفاحشة، والأغاليط الواضحة الصريحة، والتي لا تخفى على ذي علم وبصيرة.
ومن أراد الاستزادة في هذا الموضوع فيراجع كتابنا عن الإسماعيلية فسوق تتجلى له الحقائق الكثيرة الكثيرة التي طالما خفيت على كثير من عباد الله بسبب قراءتهم لأقلام مأجورة وكتب رخيصة لم تصدر من كتابها إلا كصناعة وحرفة، وما أكثر ما صار في هذا الزمان من المهن والحرف! وما أكثر من يتعاطونها أعني الكتابة حرفة وصناعة، لا ديناً ولا إصلاحاً، ولا رشداً ولا غاية، اللهم لا تجعل أعمالنا كلها إلا لابتغاء مرضاتك، ولا توفقنا إلا لما ترضاه لوجهك الكريم، وخدمة لدينك القويم، ودفاعاً عن رسولك الرؤوف الرحيم، وعن شريعتك التي لا تبدل ولا تنسخ إلى يوم الدين.
هذا ولا زلنا حتى الآن في تمهيدات الدكتور وفي المشحونة بالأخطاء والإغلاط، ومما يزيد الاستغراب والاستعجاب، ويثير الحيرة والدهشة أن سيادته حاول في تمهيداته التي أخذت قريباً من نصف الكتيب إيقاع القارئ في مغالطات كثيرة، ولا أعرف تماماً أهذه المحاولة مقصودة أم غير مقصودة؟
لا أعرف كل هذا ولكنه من المضحك المبكي أنه يجعل الخلاف بين، المسلمين أهل السنة وبينهم أعني الشيعة مبنياً على الاجتهاد، ويطالبنا بألا نحكم عليهم بالزيغ والانحراف لأن للمجتهد رأيه ويجوز العمل به، وله أجره أخطأ أم أصاب، فإن أخطأ فله أجر، وإن أصاب فله أجران [انظر صفحة ص22 من رسالته].
وأكثر من ذلك يقرر: أن ما ذهبوا إليه يكون هو الصواب ويحتمل أن ما ذهبنا إليه هو الخطأ" [انظر صفحة ص22 من رسالته].
وإن كان الأمر كذلك فعلى الإسلام السلام.
وهكذا تقلب الموازين ويحق الباطل ويبطل الحق!!.
ويبلغ السيل الزبى حيث يحكم الدكتور بكل قسوة وظلم، وبكل تعسف وتعنت "بأن القضاء المصري أخذ بآراء انفرد به المذهب الجعفري، منها وقوع الطلاق المقترن بالعدد لفظاً أو إشارة طلقة واحدة" [صفحة 23 من رسالته].
ثم يعلق بأن القضاء المصري أخذ هذا الرأي من ابن تيمية، وابن تيمية من الشيعة" [تعليقة رقم 16 نفس الصفحة].
ومعاذ الإله أن يكون الأمر كذلك، وأعيذ علماء مصر بالله أن يكون ظنهم ظنك، ومن لا يعرف غير الدكتور أن عامة أهل الحديث في سالف الزمان وحاضره يذهبون هذا المذهب ويأخذون بهذا الرأي قبل ابن تيمية وبعده؟ وابن تيمية أشد الناس حذراً من الشيعة، ومما يرد عن طريقهم وبواسطتهم، ومذهب أهل الحديث مبني على عمل رسول الله r ومأخوذ من سنته بأنه عليه الصلاة والسلام – فداه أبواي وروحي – كان يعد التطليقات الثلاثة في مجلس واحد مرة واحدة تطليقة واحدة، وأمر من أتى بها إليه أن يجعلها واحدة كما رواه الإمام أحمد عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: طلّق ركانة امرأته في مجلس واحد، فحزن عليها حزناً شديداً، فسأله رسول الله r : كيف طلقتها؟.. قال: ثلاثاً فقال: في مجلس واحد؟ قال: نعم. قال: فإنما تلك واحدة، فأرجعها إن شئت فراجعها" [أخرجه أحمد (17/6 (الفتح الرباني))].
وأن عمر بن الخطاب رضي الله عنه الخليفة الراشد الثاني والملقب بالفاروق من النبي r يصرح بقوله ما معناه أن الطلقات الثلاث كانت تعد في زمن النبي والصديق طلاقاً واحداً. كما رواه مسلم في صحيحه:
قال أبو الصهباء لابن عباس: ألم تعلم أن الثلاث كانت تجعل واحدة على عهد رسول الله r وأبي بكر وصدراً من خلافة عمر؟.. قال: نعم [مسلم (3/669) وغيره].
وروي عنه أيضاً أنه قال: كان الطلاق على عهد رسول الله r وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة، فقال عمر بن الخطاب: إن الناس قد استعجلوا في أمر قد كانت لهم فيه أناة فلو أمضينا عليهم فأمضاه عليهم [مسلم (3/668) وأحمد (17/7- الفتح الرباني) وغيره].
وعليه الفتوى حتى اليوم في بلاد الهند وباكستان عند أهل الحديث السلفيين، وبذلك يفتي السلفيون في البلاد العربية، البعيدون كل البعد عن الشيعة ورواياته، والذين لا يتمسكون بأقوال الرجال وآرائهم ولو كانوا من أهل السنة كيف يتصور منهم التمسك بآراء الرجال وأقوالهم وهم من الشيعة أو ينسبون إلى التشيع؟
فهل هي محاولة مقصودة أم غير مقصودة؟ وهل هي مغالطة متربصة أم غير متربصة؟ في كلا الاحتمالين لا يغض الطرف عن خطورته ولا يصرف النظر عن عظم فساده، وما أكثر ما أورده من المغالطات في كتيبه والتي تجعل غير الشاك في نية الدكتور وإخلاصه يبدأ يرتاب فيه ويشك في مقاصده ومراميه. والله يعلم السرائر، وهو ] يعلم ما يسرون وما يعلنون إنه عليم بذات الصدور [ [سورة هود الآية5].
و ] يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور [ [سورة غافر الآية19].
ومغالطات كهذه الخافية منها والظاهرة هي الصفة المميزة لهذه الرسالة التي سنأتي ببيانها والرد عليها بعد دخولنا في المباحث الأصلية، ولم يكن قصدنا ههنا إلا ذكر الأغاليط التي وقع فيها الدكتور وافي في مختصره هذا، والتي قدمنا نموذجاً منها من تمهيداته ومن صفحاته الأولى فقط. وهذا قليل من كثير من بحره الزاخر ومائه الوافر، وما أعرضنا عنها نظراً، وصفحنا عنها جنباً فهي كثيرة كثيرة لا تسعها هذه العجالة، مثل ذكره الشيعة في المدينة باسم النخلية [صفحة رقم11 من رسالته]، مع أن كل من عاش المدينة المنورة لبضعة أيام أو تطرق إلى معرفة من يعايشها عرف أنهم نخاولة، وليسوا نخلية.
وكذلك عند ذكره الأقليات السنية في إيران يقتصر على الأكراد مع أن سكان إقليم بلوشستان كلهم أهل السنة، وكذلك طائفة من عرب عربستان، وغيرها من الأشياء الكثيرة نسأل الله أن يلهمنا وإياه الصواب والرشاد.
فمن يكون حاله هكذا لا يحق له أن يتطرق إلى موضوع ليس له به صلة، من قريب أو بعيد. ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله، وأولئك هم أولو الألباب.
اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه.
واللهم أرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه.

الباب الثاني
الشيعة الإثنا عشرية والقرآن الكريم
الخلاف الذي يقع بين الناس ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
خلاف منشؤه الاختلاف في الفهم، يفهم شخص من عبارة أو كلمة مفهوماً. ويفهم منها الثاني مفهوماً آخر.
والثاني منشؤه الجهل: إنسان يعلم شيئاً ويعرفه، وآخر يجهله ولا يعرفه.
ثالثاً: اختلاف مبني على العناد بقطع النظر عن علم واحد وجهل آخر. أو عن الخطأ في فهم عبارة أو كلمة أو تعبير.
فهذه هي الأقسام الثلاثة للخلاف الذي يقع فيه الناس.
وأما القسم الأول والثاني من الخلاف فيمكن رفعه ونزعه والقضاء عليه لأنه حينما يعلم الجاهل ويعرف غير العارف يرتفع الخلاف، وكذلك حينما يصح الفهم ويستقيم.
وأما الخلاف الذي منشؤه العناد فلا يمكن نزعه ورفعه لأنه مبني على المكابرة والإنكار، والمنكر لا يمكن أن يحاج بشيء ولا يحصل منه على نتيجة. لأنه ليس له قواعد وأسس يرجع إليها وقت الخلاف والنزاع بخلاف الأول والثاني فإنه يرجع وقت الخلاف إلى القواعد الثابتة والأسس الراسخة. وعلى ذلك فالخلاف الموجود بين مختلف طوائف المسلمين وفرقهم يرجع سببه إما إلى القسم الأول أو إلى القسم الثاني ولكن لاعتراف الجميع بالقواعد الثابتة والأسس المعتمدة يرتفع الخلاف ويزول النزاع، ويرجى بذلك أن يأتي يوم تذوب فيه الجماعات المختلفة والطوائف المتعددة. لأنه إذا ما رجع أصحاب الفكر وأهل البصيرة من كل طائفة إلى الأسس الأصلية والقواعد الأساسية انتهت الحزبية وقضي على التعدد والتفرق. وبهذا أمروا في كتاب الله عز وجل: ] يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلاً [ [سورة النساء الآية59].
وأما الخلاف الذي بينهم وبين غيرهم فلا يمكن رفعه وحله لأنه مبني على الإنكار والمكابرة، إنكار المبادئ والأسس ومكابرة الحق وبطره ورفضه وإبطاله.
وهناك من فرقوا كلمة المسلمين، وشقوا عصا طاعة جماعتهم، وخالفوا عن كلمتهم، ومزقوا جمعهم، وأنشئوا جماعات ورسخوا في قلوبهم وعقولهم الآراء والعقائد التي لا تمت إلى الإسلام بصلة وهؤلاء لا يمكن دمج عقائدهم مع عقائد المسلمين، حيث وضعوا مخططاً يشتمل على الإنكار المحض، والمكابرة الصرفة، وعلى عدم الاعتماد على القرآن، وسنة النبي r لأنه مع الإقرار بهذين الأصلين يمكن أن تتأتى الوحدة ويحصل الاتفاق، ولكن عند افتقادهم وإنكارهما لا يمكن أن تحصل وحدة في زمن من الأزمان أو يوم من الأيام، فأبعد رؤساء الشيعة اتباعهم عن المسلمين إلى حد أن جعلوا في مخالفتهم، الحق، كما مر بيانه سابقاً.
وبعد هذا كله كيف يتصور أن يحصل الوئام، ويتأتى الوفاق والخلافات الموجودة بين أهل السنة والشيعة خلافات لا يمكن نزعها، ولا يحتمل رفعها.
ونتساءل: على أي شيء تعرض معتقداتهم؟ أعلى كتاب الله؟ هم لا يؤمنون به، أم على سنة رسول الله؟ هم لا يعتقدونها، لأن القرآن الموجود بأيدي الناس هو من جمع وترتيب وتأليف أبي بكر وعمر وعثمان، أعداء عليّ وأهل بيته، وغاصبي الخلافة، وظالمي أهل البيت – حسب زعم القوم – فكيف يؤتمن اللذين غصبوا حق علي وأولاده؟.
ألم يحذفوا من القرآن ما كان لإثبات أحقية علي بالخلافة وأولاده بعده، وما كان له من فضائل ومناقب ومحامد؟.
بل كيف نصدق أنهم لم يحذفوا من القرآن ما نزل في مساوئهم، وبيان نفاقهم وفسادهم – عياذاً بالله – والطعن فيهم والتعريض بهم؟ فالقرآن والحال هذه غير مصون من تلاعبهم، وغير محفوظ، إذاً فلا يعتمد عليه ولا يوثق فيه. ومن كان هذا شأنه أي لم يسلم من الحذف والتغيير بأيدي المخالفين كيف يرجع إليه لرفع المنازعات وحل الخلافات، ومع أولئك المخالفين؟!.
هذا في القرآن، وأما السنة فهي منقولة مروية من أناس ارتدوا بعد رسول الله r - عياذاً بالله – وغيروا أحكامه، وبدلوا تعاليمه، ونبذوا إرشاداته وراء أظهرهم، ونكثوا بيعته ونقضوا ميثاقه الذي أخذه عليهم، والذين ظلموا أهل بيته، وآذوا ابنته واضطهدوا وصيه، وطردوا خليفته، واغتصبوا ماله وانتهكوا حرمته، وحرموا أهله من إرثه، واقتحموا عليهم بيتهم، وضربوا بضعته ولحمه ودمه – إلى غير ذلك من الأباطيل والأضاليل – فمن كان هذا شأنهم فكيف يوثق بهم، ويعتمد على رواياتهم التي ينقلونها عن رسول الله r ؟
ولذلك تراهم لا يلجئون إلى كتاب الله، وإلى سنة نبينا عليه الصلاة والسلام عند الاحتجاج واللجاج، بل يلجئون إلى أساطير وقصص اخترعوها واختلقوها لإحقاق باطلهم وإبطال الحق، ونسبوها إلى أهل علي رضي الله عنه، وهم منها براء.
والنتيجة إنكار القرآن الموجود بأيدي الناس وسنة النبي الثابتة، أو بتعبير أصح منه: اعتقاد التحريف في القرآن بأنه غيّر وبدّل، وكذلك السنة النبوية، إنها منقولة بطريق المغيرين والمبدلين والمرتدين.
تلك بعض أسس المذهب الاثنى عشرية وبدون ذلك لا يثبت مذهبهم.
ولأجل ذلك قال السيد هاشم البحراني المفسر الشيعي الكبير في مقدمة تفسيره "البرهان":
وعندي في وضوح صحة هذا القول (بتحريف القرآن وتغييره) بعد تتبع الأخبار وتفحص الآثار بحيث يمكن الحكم بكونه من ضروريات مذهب التشيع، وإنه من أكبر مقاصد غصب الخلافة فتدبر" [البرهان في تفسير القرآن، مقدمة الفصل الرابع ص49 ط إيران].
ومثل هذا ما نقله النوري عن خاتمة محدثي الشيعة ملا باقر الملجسي، وزاد بعد سرد رواية تنص على تغيير القرآن وتحريفه قوله:
"لا يخفى أن هذا الخبر وكثيراً من الأخبار صريحة في نقص القرآن وتغييره، متواترة معنى، وطرح جميعها يوجب رفع الاعتماد عن الأخبار رأساً، بل أظن أن الأخبار في هذا الباب لا تقصر عن أخبار الإمامة، فكيف يثبتونها بالخبر" [مرآة العقول للملا باقر المجلسي باب إن القرآن كله لم يجمعه إلا الأئمة عليهم السلام نقلاً عن فصل الخطاب في تحريف كتاب رب الأرباب للنوري الطبرسي الشيعي ص253].
وبذلك قال المحدث الشيعي المشهور نعمت الله الجزائري رداً على من يقول بعدم التحريف في القرآن:
"إن تسليم تواتره عن الوحي الإلهي، وكون الكل قد نزل به الروح الأمين يفضي إلى طرح الأخبار المستفيضة، بل المتواترة الدالة بصريحها على وقوع التحريف في القرآن كلاماً ومادة وإعراباً، مع أن أصحابنا قد أطبقوا على صحتها والتصديق بها" [الأنوار النعمانية للجزائري ج2 ص357 طبعة جديدة].
إن الأخبار الدالة على هذا (التحريف) تزيد على ألفي حديث وادعى استفاضتها جماعة كالمفيد والمحقق الداماد والعلامة المجلسي وغيره، بل الشيخ (الطوسي) أيضاً صرح في (التبيان) بكثرتها، بل ادعى تواترها جماعة" [أيضاً نقلاً عن فصل الخطاب للنوري الطبرسي ص251].
وأما الطبرسي فقال:
واعلم أن تلك الأخبار منقولة من الكتب المعتبرة التي عليها معول أصحابنا في إثبات الأحكام الشرعية والآثار النبوية" [فصل الخطاب ص252].
وقال خاتمة محدثي القوم الملا باقر المجلسي في كتابه "حياة القلوب" إن رسول الله r أعلن يوم الغدير:
إن علي بن أبي طالب ولي ووصي وخليفتي من بعدي، ولكن أصحابه عملوا عمل قوم موسى فاتبعوا عجل هذه الأمة وسامريها أعني أبا بكر وعمر.. فغصب المنافقون خلافته، خلافة رسول الله من خليفته، وتجاوزوا إلى خليفة الله أي كتاب الله، فحرفوه، وغيروه، وعملوا به ما أرادوه" [حياة القلوب للمجلسي الفارسي ص554 وما بعده – ط إيران].
ومثل هذا كثير، ومن أراد الاستزادة في معرفة أقوال أئمة القوم وأعلامهم في هذا الباب، فليرجع إلى كتابنا (الشيعة والقرآن) حيث قد فصلنا القول فيه، وبينا هنالك أن أمر تحريف الصحابة للقرآن عقيدة عند الشيعة متواترة منقولة من سلفهم غير الصالح إلى خلفهم في جميع العصور والأدوار، وإنها لعقيدة القوم أجمعهم بلا استثناء، اللهم إلا من تظاهر بعدم القول بالتحريف تقية وتهرباً من إيرادات المعترضين وأدلة اعتراضاتهم.
ومن الغرائب أن المتظاهرين هؤلاء لم يزد عددهم أيضاً على الأربعة، من بين المتقدمين، كما ذكرهم محدثو الشيعة، ومفسروهم في كتبهم، وهم، ابن بابويه القمي الملقب بالصدوق وأستاذ الفقيه محمد بن النعمان العكبري البغدادي الملقب بالمفيد المتوفى سنة 381ه. والسيد المرتضى الملقب بعلم الهدى المتوفى سنة 436ه، وأبو جعفر الطوسي تلميذ الشيخ المفيد المتوفى سنة 460ه. وأبو علي الطبرسي المتوفى سنة 548ه.
فهؤلاء الأربعة من المتقدمين الذين تظاهروا بعدم اعتقاد التحريف في القرآن لا خامس لهم إطلاقاً من بين متقدمي الشيعة من مفسرين ومحدثيهم وفقهائهم. وبذلك صرح المحدث الغوري الطبرسي أن القائلين بعدم التحريف:
"هو الصدوق في عقائده، والسيد المرتضى، وشيخ الطائفة (الطوسي) ولم يعرف من القدماء موافق لهم.. وممن صرح بهذا القول أبو علي الطبرسي.. وإلى طبقته لم يعرف الخلاف صريحاً إلا من هؤلاء المشائخ الأربعة" [فصل الخطاب ص33، 34].
وإن هؤلاء الأربعة لم يلجئوا إلى التظاهر بإنكار هذه العقيدة التي عليها أساس المذهب الشيعي وبناؤه إلا خداعاً ومكراً، وتقية وكذباً كما أثبتناه في كتابنا (الشيعة والقرآن) بالأدلة القاطعة والبراهين الساطعة والحجج اللامعة، ومن كتب الأربعة أنفسهم، وكما صرح بذلك علماء الشيعة أنفسهم، فها هو المحدث الشيعي المشهور السيد نعمت الله الجزائري يقول بعد إثبات التحريف في القرآن بالأخبار المستفيضة والمتواترة:
نعم! قد خالف فيها المرتضى والصدوق والشيخ الطبرسي، وحكموا بأن ما بين دفتي هذا المصحف هو القرآن المنزل لا غير، ولم يقع فيه تغيير ولا تبديل.. والظاهر أن هذا القول إنما صدر منهم لأجل مصالح كثيرة، منها: سد باب الطعن عليها بأنه إذا جاز هذا في القرآن فكيف جاز العمل بقواعده وأحكامه مع جواز لحوق التحريف لها، وسيأتي الجواب عن هذا كيف وهؤلاء الأعلام رووا في مؤلفاتهم أخباراً كثيرة تشتمل على وقوع تلك الأمور في القرآن [وقد أثبتنا بفضل الله وتوفيقه من كتب هؤلاء أنفسهم في كتابنا (الشيعة والقرآن) أنهم يعتقدون التحريف في القرآن أيضاً حيث يسوقون روايات عديدة تدل عليه، ولا يسوقونها فحسب، بل يستدلون بها ويبنون عليها الأحكام ويستنبطون منها المسائل، فارجع إليه فإنه نفيس] وإن الآية هكذا أنزلت ثم غيرت.. وإنه قد استفاض في الأخبار أن القرآن كما أنزل لم يؤلفه إلا أمير المؤمنين عليه السلام بوصية من النبي r، فبقي بعد موته ستة أشهر مشتغلاً بجمعه، فلما جمعه كما أنزل، أتى به إلى المتخلفين بعد رسول الله r، فقال لهم: هذا كتاب الله كما أنزل، فقال له عمر بن الخطاب: لا حاجة بنا إليك ولا إلى قرآنك؛ عندنا قرآن كتبه عثمان، فقال لهم علي عليه السلام: لن تروه بعد هذا اليوم، ولا يراه أحد حتى يظهر ولدي المهدي عليه السلام، وفي ذلك القرآن زيادات كثيرة، وهو خال من التحريف، وذلك أن عثمان قد كان من كتاب الوحي لمصلحة رآها r ، وهي ألا يكذبون في أمر القرآن، بأن يقولوا: إنه مفترى، أو إنه لم ينزل به الروح الأمين، كما قاله أسلافهم، بل قالوه هم أيضاً، وكذلك جعل معاوية من الكتّاب قبل موته بستة أشهر لمثل هذه المصلحة أيضاً، وعثمان وأضرابه ما كانوا يحضرون إلا في المسجد مع جماعة الناس، فما يكتبون إلا ما نزل به جبريل عليه السلام بين الملأ.
أما الذي كان يأتي به داخل بيته r فلم يكن يكتبه إلا أمير المؤمنين عليه السلام، لأن له المحرمية دخولاً وخروجاً، فكان يتفرد بكتابة مثل هذا، وهذا القرآن الموجود الآن في أيدي الناس هو خط عثمان، وسموه الإمام وأحرقوا ما ساه أو أخفوه، وبعثوا به زمن تخلفه (توليه الخلافة) إلى القطار والأمصار. ومن ثم ترى قواعد خطه تخالف قواعد العربية مثل كتابة الألف بعد واو المفرد وعدمها بعد واو الجمع وغير ذلك، وسموه رسم الخط القرآني ولم يعلموا أنه من عدم إطلاع عثمان على قواعد العربية والخط.
وقد أرسل عمر بن الخطاب زمن تخلفه إلى علي عليه السلام بأن يبعث له القرآن الأصلي الذي كان ألفه، وكان عليه السلام يعلم أنه طلبه لأجل أن يحرقه كقرآن ابن مسعود أو يخفيه عنده حتى يقول الناس: إن القرآن هو هذا الكتاب الذي كتبه عثمان لا غير، فلم يبعث به إليه وهو الآن موجود عند مولانا المهدي عليه السلام مع الكتب السماوية ومواريث الأنبياء، ولما جلس أمير المؤمنين عليه السلام على سرير الخلافة لم يتمكن من إظهار ذلك القرآن، وإخفاؤه هذا راجع لما فيه من إظهار الشنعة على من سبقه، كما لم يقدر على النهي عن صلاة الضحى، وكما لم يقدر على إجراء المتمتعين، متعة الحج ومتعة النساء، حتى قال عليه السلام: لولا ما سبقني بنو الخطاب ما زنى إلا شفاً، يعني إلا جماعة قليلة، لإباحة المتعة، وكما لم يقدر على عزل شريح عن القضاء ومعاوية عن الإمارة" [الأنوار النعمانية لنعمت الله الجزائري ج2 ص357 وما بعد].
وبمثل ذلك ذكر علامة الشيعة في الهند السيد محمد اللكنوي، رداً على من قال بعدم التحريف في القرآن، وهذه هي عبارته:
"أما ادعاء عدم التحريف في القرآن الموجود بأيدي الناس فهو محل النظر، بل هو ظاهر الفساد، لأن الروايات التي بلغت حد التواتر تدل على أن علي بن أبي طالب هو الذي اشتغل بالقرآن بعد وفاة النبي r وإلا فتبقى هذه الروايات لغواً محضاً، لا قيمة لها. وهذا مع أن الروايات قد كثرت عن المعصومين أن القرآن الحقيقي مخزون مودع مودع عند صاحب العصر عليه الصلاة والسلام" [ضرب حيدري ج2 ص78-ط الهند].
ومثل هذا لكثير.
ومن الغرائب أن السيد الدكتور وافي، الذي لا يعرف عن عقائد الشيعة شيئاً، أو يعرف ويتجاهل، كيف استساغ أن يرد على من يتهم الشيعة باعتقادهم التحريف في القرآن الموجود بأيدي الناس، والمضمون حفظه وسلامته من أي تغيير وتبديل، وصيانته من نقص وزيادة من قبل الله عز وجل؟ كيف يجيز لنفسه أن يرد على من يقول في الشيعة: بأنهم لا يؤمنون بهذا الكتاب؟ بل يعتقدون وقوع التغيير والتبديل والتحريف فيه؟ ولا يقولونه من عند أنفسهم، بل يعتقدون وقوع التغيير والتبديل والتحريف فيه؟ ولا يقولونه من عند أنفسهم، بل بنقل الروايات الكثيرة الكثيرة، التي بلغت حد الاستفاضة والتواتر، وكلها منقولة من أئمتهم حسب زعمهم برواية الثقات عن الثقات، والعدول عن العدول، في صحاحهم وكتب الحديث التي تعد من الأصول، وكذلك في كتب التفسير والفقه، وحتى كتب العقائد؟!
ومن أين له أن يختلق لهم الأعذار التي لم يعتذر بها الشيعة أنفسهم، بنقل آراء الآحاد منهم، وفي النقل خيانة أيضاً – حسبنا الله –؟ وما كان في ظني أن أمثال الدكتور يأتون بها، ولولا لعبة واضحة لعب بها السيد الدكتور في كتيبه ما استعملت في حقه هذه الكلمات غير المناسبة، في شأنه ومقامه، ولكن على أي شيء أحمل كلامه في الدفاع عن الشيعة حول اعتقادهم في القرآن؟!
"وقد تصدى كثير من الشيعة الجعفرية أنفسهم للرد على هذه الأخبار الكاذبة وبيان بطلانها، وبطلان نسبتها إلى أئمتهم، وأنها ليست من مذهبهم في شيء" [بين الشيعة وأهل السنة للدكتور وافي ص38].
ولم يستطع بعد هذا الادعاء العريض أن يبرهن على ذلك بالدليل، ويستدل بالحجة، ويستند ولو برواية واحدة عن أئمة القوم؟؟ وأنى له هذا؟ فقد عجز عنه الشيعة قاطبة بأن يأتوا برواية واحدة عن أئمتهم المعصومين بطرقهم أنفسهم تنص وتدل على أن القرآن الموجود بأيدي الناس هو قرآن كامل سالم من لحوق أي تغيير وتحريف فيه!.
نعم! قد ذكر السيد الدكتور بعد هذا الادعاء الفارغ بأنه جاء في تفسير الصافي:
"وأما الشيخ أبو علي الطوسي فإنه قال في مجمع البيان: أما الزيادة فيه فمجمع على بطلانها، وأما النقصان والتغيير فقد روى عن جماعة من أصحابنا وجمع من حشوية العامة، والصحيح من مذهبنا خلافه.. إلخ" [بين الشيعة وأهل السنة ص38، 39].
وأغرب ما يكون في الأمر هو تحمس الدكتور في الدفاع عن الشيعة حيث أنه عقب بعد هذه العبارة الطويلة ما نصه:
وجاء في كتاب مجمع البيان (للطوسي)
وأما الكلام في زيادته.. إلخ [بين الشيعة وأهل السنة ص38، 39].
يعني أعاد نفس الكلام الذي ذكره مقدماً، وعن نفس الرجل ونفس الكتاب بفرق أنه أولاً نقل كلامه من تفسير الصافي بواسطة، ثم عنه بلا واسطة، وبنفس المعنى والمفهوم، فلا ندري ما فائدة التكرار؟ أيكون لحاجة في نفس يعقوب قضاها؟..
أم لماذا؟..
والظاهر أنه أورد هذا لافتقاره وإفلاسه بأن يجد دليلاً على ما ادعاه، وبرهاناً على دعواه، "إن كثيراً من الشيعة أنفسهم تصدى لرد هذه الأخبار الكاذبة وبيان بطلانها".
فمن هم الكثيرون يا ترى؟
فاضطر لأن يعدد الواحد ويذكر عبارة واحدة عن كتابين مختلفين والصادرة عن شخص واحد.
فهل هناك خطأ أكبر من هذا الخطأ؟
نعم! هنالك، حيث ادعى أن كثيراً من أئمة الشيعة أنفسهم ردوا هذا الاعتقاد، ولقد أوهم بأن صاحب تفسير الصافي وصاحب مجمع البيان أبا علي الطوسي من أئمة الشيعة، وليس الأمر كذلك إطلاقاً، لأن كلاً منهما ليس بإمام.
ثم خطأ آخر هو أنه أوهم بنقل هذه العبارة عن الصافي؛ أن صاحبه أي السيد المحسن الملقب بالفيض الكاشاني يعتقد بهذا الاعتقاد حسب ما ينقل عن أبي علي الطوسي، مع أن الكاشاني في تفسيره لم ينقل كلام الطوسي إلا للرد عليه والجواب على مقولاته، وبين اعتقاده واضحاً صريحاً مثل الآخرين من مفسري الشيعة ومحدثيهم وفقهائهم ومتكلميهم، ولذلك قال بعد نقل كلامه:
أقول لقائل أن يقول: كما أن الدواعي كانت متوفرة على نقل القرآن وحراسته من المؤمنين، كذلك كانت متوفرة على تغييره من المنافقين المبدلين للوصية، المغيرين للخلافة لتضمنه ما يضاد رأيهم وهواهم، والتغيير فيه إن وقع فإنما وقع قبل انتشاره في البلدان واستقراره على ما هو عليه الآن، والضبط الشديد إنما كان بعد ذلك، فلا تنافي بينهما، بل لقائل أن يقول:
إنه ما تغير في نفسه، وإنما التغيير في كتابتهم إياه، وتلفظهم به، فإنهم ما حرفوا إلا عند نسخهم من الأصل، وبقي الأصل على ما هو عليه عند أهله وهم العلماء به. فما هو عند العلماء به ليس بمحرف، وإنما المحرف ما أظهروه لأتباعهم.
وأما كونه مجموعاً في عهد النبي r على ما هو عليه الآن فلم يثبت، وكيف كان مجموعاً وإنما كان ينزل نجوماً؟ وكان لا يتم إلا بتمام عمره؟ وأما درسه وختمه فإنما كانوا يدرسون ويختمون ما كان عندهم منه لإتمامه" [تفسير الصافي لفيض الكاشاني ج1 ص35، 36، المقدمة السادسة –ط إيران].
وأطراف من هذا كله أن السيد الدكتور نقل عن أحد المحامين ببغداد الأستاذ الفكيكي أنه قال: إن الأخبار الواردة في نقصه وتحريفه ضعيفة شاذة، وأن مشائخ فقهاء الإمامية ضربوا بها عرض الجدار، بل لقد كفروا من دعاها" [بين الشيعة وأهل السنة ص40].
ولا أدري ولست إخال أدري أقوم آل حصن أم نساء؟
من يسأل الدكتور الناقل المحض بدون تدبر وتعقل: هل هذه هي الأدلة على ثبوت دعواه بأن أئمة الشيعة ردوا هذه الأخبار الكاذبة وبينوا بطلانها؟ ولم يستطع سيادة الدكتور في كتيبه كله أن ينقل تضعيف هذه الأخبار إلا من محام ببغداد لا نعرف من هو، وما مقامه في العلم ومكانته لدى الشيعة؟
ثم إن هذا المحامي أيضاً لم يضعف الروايات ولم يين شذوذها بطريقة علمية معروفة، بل ادعى أن مشائخ فقهاء الإمامية ضربوا بها عرض الجدار.
فمن هم أولئك المشائخ؟، وفي أي عصر كانوا؟ وبأي دليل قالوا؟ وأين وجدوا.. في أي أرض وفي أي قطر؟ وفي أي كتاب وأية صحيفة؟
دعوى بلا بينة، وكلام بلا برهان.
وزاد الطين بلة أن المحامي المذكور، ذكر كما نقل عنه الدكتور بخط مكبر جداً، بل لقد كفروا من ادعاها [انظر: صفحة 40 من كتيبه].
وإن كان الأمر كذلك فمن كان من أعيان الشيعة وعلمائها مسلماً.. بالله خبروا! أبو جعفر محمد بن يعقوب الكليني، صاحب كتاب الكافي، إمام محدثي الشيعة وعمدتهم في الحديث، أم أستاذه علي بن إبراهيم القمي، صاحب تفسير القمي شيخ مشائخ الشيعة في التفسير وشيخ الكليني أيضاً، أم محمد بن مسعود العياشي، عين عيون الطائفة الشيعية، وصاحب أقدم تفسير شيعي، أم محمد بن الحسن الصغار، صحابي الحسن العسكري الإمام المعصوم عندهم، وأستاذ الكليني أيضاً، أم فرات بن إبراهيم الكوفي، المفسر الشيعي القديم، وأستاذ والد ابن بابويه القمي، وشيخ شيخه، أم محمد بن النعمان الملقب بالشيخ المفيد، أستاذ شيخ الطائفة الطوسي، أم محمد بن إبراهيم النعماني، تلمي الكليني وصاحب كتاب الغيبة، أم المفسر محمد بن العباس الماهيار، أم شيخ المتكلمين أبو سهل إسماعيل بن علي، أم الفيلسوف أبو محمد حسن بن موسى، أم الشيخ الجليل إسحاق بن إبراهيم، أم إسحاق الكاتب، أم رئيس الشيعة الذي ربما قيل بعصمته أبو القاسم حسين بن روح السفير الثالث بين الشيعة والغائب، أم شيخ الأقدمين فضل بن زاذان، أم محمد بن الحسن الشيباني الشيعي صاحب تفسير نهج البيان، أم محمد بن خالد البرقي، أم علي بن الحسن الفضال، أم محمد بن الحسن الصيرفي، أم أحمد بن محمد السيار من المتقدمين؟!
ومن المتأخرين الكثيرون ممن لا يعدون ولا يحصون من مفسري الشيعة، ومحدثيهم، وفقهائهم، ومتكلميهم، ممن ذكرنا أسماء الكثيرين منهم في كتابنا (الشيعة والقرآن).
وهؤلاء هم عمدة مذهب الشيعة وقدوتهم، نواب أئمتهم المعصومين، ومبلغو أخبارهم، وحفظة أحاديثهم، ونقلة آثارهم، وكلهم صرحوا بالتحريف والتبديل والتغيير في القرآن بدون إبهام ولا غموض. وقد صنف بعض منهم كتباً مستقلة، وألف البعض الآخر أجزاء منفصلة لبيان عقيدة الشيعة في القرآن وإثبات التبديل والتغيير فيه.
فإن كان هؤلاء كلهم كفرة، فمن كان من القوم مسلم؟!
ولا يهمنا ذلك ونحن نعلن على ملأ الأشهاد بأن الشيعة لو أعلنوا بهذا الاعتقاد، ووافق علماؤهم على هذا القول بأن كل من يقول بالتحريف والتغيير في القرآن أو يعتقد الحذف والنقص فيه فهو كافر، أياً من كان، فنحن نوافقهم على ذلك، ونهنئهم ونبارك لهم بأن الله هداهم إلى سواء السبيل، فليعملوا مع أولئك الأعلام معاملة ما يقرون ويعلنون، ويرموا كتبهم في النار، ويتبرءوا منهم ومن كتبهم، ونحن نتبرأ مما قلناه عنهم، ومما نقوله، ونتوب إلى الله ونستغفره.
فهل من مقدم يقدم؟ وهل من مجيب يجيب؟ وهل من سامع يسمع ويستجيب؟ ] وما أنت بمسمع من في القبور [.
ما كل ما يتمنى المرء يدركه تجري الرياح بما لا تشتهي السفن
ثم إن الدكتور وافي لا يدري بأن هذا القول – أي القول بتحريف القرآن وتغييره وتبديله – ليس بقول شاذ، بل هو القول المعمول به في جميع الأجيال الشيعية وعند جميع الطبقات قديماً وحديثاً، وهو مبني على أقوال المعصومين حسب زعم القوم، وهم الحجة عندهم لا غيرهم؛ لأنهم لا يعتقدون العصمة في غيرهم ومن سواهم، ولم يخرج عن هذا الاعتقاد إلا من شذ وند، ولم يخرج هؤلاء الآحاد الشذاذ إلا تهرباً من العار الذي لحقهم، والفضيحة التي لزمتهم، ولم يكن رأيهم مبنياً على أصول شيعية ولا مستنبطاً من أقول المعصومين.
ولذلك قال سلطان علماء الشيعة – كما يلقبونه – السيد محمد دلدار علي.. بعد ذكر كلام المرتضى في عدم التحريف في القرآن:
"فإن الحق أحق بالاتباع، ولم يكن السيد علم الهدى معصوماً حتى يكون من الواجب أن يطاع، ولو ثبت أنه يقول بعدم النقيصة مطلقاً لم يلزمنا اتباعه ولا ضير فيه" [ضربت حيدري ج2 ص81-ط الهند].
وقال المحدث النوري:
اعلم أن تلك الأخبار منقولة من الكتب المعتبرة التي عليها معول أصحابنا في إثبات الأحكام الشرعية والآثار النبوية" [فصل الخطاب للنوري الطبرسي ص252-ط إيران].
وقال خاتمة المحدثين لدى الشيعة الملا باقر المجلسي:
"لا يخفى أن كثيراً من الأخبار الصحيحة صريحة في نقص القرآن وتغييره، وعندي أن الأخبار في هذا الباب متواترة معنى، وطرح جميعها يوجب رفع الاعتماد عليها رأساً" [مرآة العقول للمجلسي نقلاً عن فصل الخطاب ص353].
وقال الجزائري:
"إن الأخبار الدالة على هذا تزيد على ألفي حديث، وادعى استفاضتها جماعة كالمفيد والمحقق الداماد والعلامة المجلسي وغيره، بل إن الشيخ الطوسي أيضاً ذكر في التبيان كثرتها، بل ادعى تواترها جماعة" [مرآة العقول للمجلسي نقلاً عن فصل الخطاب ص253].
والجدير بالذكر أننا أوردنا في كتابنا (الشيعة والقرآن) أكثر من ألف حديث شيعي من مختلف الطرق ومختلف الرواة ومختلف الكتب، كلها تنص وتصرح بأن القرآن مغير ومحرف، زيد فيه ونقص منه كثير، غير ما ذكرناه في كتابنا (الشيعة والسنة). من الأسباب التي جعلت الشيعة يعتقدون هذا الاعتقاد الزائغ الخبيث بنقل روايات كثيرة كثيرة من أمهات كتب القوم.
وبعد هذا كله لا ندري كيف يجرؤ أحد ويجسر على خداع المسلمين بأن الروايات الشيعية التي تخبر وتدل على التحريف في القرآن روايات شاة وضعيفة.
فهل يحكم على المتواتر بالشذوذ والضعف؟
وأهكذا تقلب الحقائق؟ ويكذب الصدق؟
إن كنت لا تدري فتلك مصيبة أو كنت تدري فالمصيبة أعظم!
ومع ذلك فليس من يتظاهر بإنكار التحريف في القرآن من الشيعة، ولا من يدافع عنهم بدون علم ولا هدى ولا كتاب منير من غير الشيعة، يستطيع أن يورد ولو رواية واحدة ضعيفة أو شاذة مروية عن المعصومين لدى الشيعة تنص وتصرح بأن القرآن الموجود بأيدي الناس هو المنزل من السماء، ومحفظ بحفظ الله له، غير مغير ولا مبدل فيه، لا يعتريه نقص ولا تلحقه زيادة.
فكيف يحق للشيعة والمناصرين لهم والمستميتين الدفاع عنهم والتأييد لهم، أن يقولوا: إن روايات بلغت التواتر تثبت التحريف.. هي روايات شاذة؟
ثم من يخبر سعادة الدكتور وافي، أن الرواية لا يحكم عليها بالضعف والشذوذ إلا بمكانة الراوي الذي رواها، ومكانة الكتاب الذي وردت فيه، لا كما قاله هو:
"ولو وردت عن شيخ من شيوخهم أو في مؤلف من أمهات مراجعهم، ولو أسندها هذا الشيخ أو هذا المؤلف إلى الإمام الصادق نفسه، فمن ذلك مثلاً ما ينسبه الكليني في كتابه (الكافي) إلى الإمام الصادق من القول بأن القرآن الذي نزل به الوحي على محمد يزيد على سبعمائة وسبع وسبعين آية عن الذي نقوله، وأن الباقي مخزون عند آل البيت.. فعلى الرغم من أن راوي هذه الأقوال ومدعي نسبتها إلى الإمام الصادق هو شيخ من أكبر شيوخهم وهو أبو جعفر الكليني، والذي يعد الرواية الأول لأخبارهم، وعلى الرغم من أن الكتاب الذي وردت فيه هذه الأخبار، وهو كتاب (الكافي) هو أحد الكتب الأربعة التي يعدونها الأصول لمذهبهم، وينزله كثير منهم منزلة البخاري عند أهل السنة على الرغم من هذا كله فإنهم يحكمون ببطلان ما ورد في هذا الكتاب من أقوال عن القرآن الكريم، فلا يصح أن نحاسبهم على رأي قد حكموا هم ببطلانه ولا أن نعده من مذهبهم مهما كانت مكانة راويه عندهم ومكانة الكتاب الذي ورد فيه" [بين الشيعة وأهل السنة ص29، 30 (م6- بين الشيعة وأهل السنة)].
وإننا لا نكثر الاستغراب حينما نسمع رأياً مثل هذا الرأي عن شيخ جاوز الثمانين من عمره، وقد أفناه في التعلم والتعليم، والدرس والتدريس – اللهم إنا نعوذ بك أن نرد إلى أرذل العمر، وعن الجهل بعد العلم.
فلعل سيادته يريد أن يبتكر مصطلحاً جديداً في الحديث لأن كل واحد سواه، ممن له إلمامة بسيطة بالمصطلح، يعرف أن الحكم على الحديث والرواية لا يكون إلا بالإسناد، فالحديث الذي رواه الثقات العدول الضباط واحداً بعد واحد يحكم عليه بالصحة، والعكس صحيح، وكذلك كل رواية وردت في البخاري أو مسلم عند السنة لا يلتفت إلى سنده حيث أن مؤلفيهما قد ألزما نفسيهما بإيراد الصحيح في كتابيهما لا غير خلافاً لمن لم يلتزم بذلك.
وكذلك الكافي عند الشيعة فإن ورد حديث فيه فلا يلتفت إلى سنده ورواته، لأنه مجرد وروده في الكافي يكفي للحكم على صحته وتوثيقه، كما صرح بذلك الكثيرون من محدثي الشيعة وعلمائهم، ومنهم المحدث النوري الطبرسي في آخر كتابه الكبير (مستدرك الوسائل) [مستدرك الوسائل ج3 ص532-ط إيران].
هذا ولقد أكثر الشيعة الكلام في تمجيده والثناء عليه في كتب الرجال والمصطلح والشروح، وقد أوردنا بعضاً منها في كتابنا (الشيعة والقرآن).
ونكتفي بذكر عبارة واحدة عن الرجال المشهور العباس القمي، أنه قال في الكافي:
هو أجل الكتب الإسلامية وأعظم المصنفات الإمامية والذي لم يعمل للإمامية مثله، قال المولى محمد أمين الاستر آبادي في محكى فوائده: سمعنا عن مشائخنا وعلمائنا أنه لم يصنف في الإسلام كتاب يوازيه أو يدانيه" [الكنى والألقاب ج3 ص98-ط إيران].
وفوق ذلك أنه موثق من قبل المعصوم – الغائب الموهوم – الذي لا يخطئ ولا يغلط" [روضات الجنات ج6 ص116، مقدمة الكافي ص25].
ثم لم ينفرد بسرد هذه الروايات الكليني وحده، بل شاركه في ذلك أساطين الشيعة وكبراؤهم في الحديث والتفسير والفقه والكلام قبله وبعده كما ذكرناه سابقاً، بل إن الذين تظاهروا بالإنكار أوردوا روايات التحريف كتبهم كما وضعنا النقاط على الحروف في كتابنا (الشيعة والسنة) و(الشيعة والقرآن) وعلى ذلك تناقل هذه العقيدة جيل بعد جيل من الشيعة، ولم يقتصر ذكرها في كتب الروايات بل أوردوها في كتب العقائد أيضاً، فهذا هو شيخهم المفيد، الذي يقولون فيه:
إنه أجلّ مشائخ الشيعة ورئيسهم وأستاذهم، وإنه أوثق أهل زمانه في الحديث، وإنه كان متقدماً في علم الكلام والفقه [مقدمة أوائل المقالات في المذاهب والمختارات ص24، 25-ط مكتبة الداورى – ط إيران].
وإنه هو الذي سن طريق الكلام لمن بعده إلى اليوم [أعيان الشيعة ص237 الطبعة الأولى بدمشق].
وقال فيه ابن النديم الشيعي:
انتهت إليه رئاسة متكلمي الشيعة، مقدم في صناعة الكلام [الفهرست لابن النديم ص252 – ط مصر].
وإنه كان وحيد دهره في كل العلوم، انتهت إليه رئاسة الشيعة [تأسيس الشيعة العلوم للمحسن الصدر ص312-ط العراق].
وهو تلميذ لابن بابويه القمي الملقب الصدوق وأستاذ للشريف الرضى، والشريف المرتضى الملقب بعلم الهدى، وأبي جعفر الطوسي الملقب بشيخ الطائفة [وهذان أي المرتضى والطوسي هما اللذان تظاهرا بإنكار التحريف في القرآن]، والنجاشي [انظر: كتب الرجال للشيعة].
المفيد هذا يذكر في كتابه العقائدي المشهور (أوائل المقالات في المذاهب والمختارات) عند سرد عقائد الشيعة في الرجعة، والبداء، وتحريف القرآن:
"واتفقت الإمامية على وجوب الرجعة.. واتفقوا على أن أئمة الضلال خالفوا في كثير من تأليف القرآن، وعدلوا فيه بموجب التنزيل وسنة النبي r ، وأجمعت المعتزلة والخوارج والزيدية والمرجئة وأصحاب الحديث على خلاف الإمامية" [أوائل المقالات ص52].
هذا في التأليف أما الزيادة فيه والنقصان فقال:
"أقول: إن الأخبار د جاءت مستفيضة عن أئمة الهدى من آل محمد r باختلاف القرآن وما أحدثه بعض الظالمين فيه من الحذف والنقصان، فأما القول في التأليف فالموجود يقضي فيه بتقديم المتأخر وتأخير المتقدم، ومن عرف الناسخ والمنسوخ والمكي والمدني لم يرتب بما ذكرناه.
وأما النقصان فإن العقول لا تحيله ولا تمنع من وقوعه، وقد امتحنت مقالة من ادعاء وكلمت عليه المعتزلة وغيرهم فلم أظفر منهم بحجة أعتمدها في فساده – ثم يرد على من قال بحذف التأويل والتفسير، لا نفس القرآن – فيقول: من ادعى نقصان كلم من نفس القرآن على الحقيقة إليه أميل.. وأما الزيادة فيه فمقطوع على فسادها من وجه، ويجوز صحتها من وجه.. ولست أقطع على كون ذلك بل أميل إلى عدمه وسلامة القرآن عنه، وهذا المذهب خلاف ما سمعناه من بني نوبخت (قادة الشيعة وزعمائهم في عصرهم) رحمهم الله من الزيادة في القرآن والنقصان فيه، وقد ذهب إليه جماعة من متكلمي الإمامية وأهل الفقه منهم والاعتبار" [أوائل المقالات لمحمد بن نعمان العكبري الملقب بالمفيد ص93 وما بعدها].
فهذه هي عقيدة الإمامية، المثبتة في كتب العقائد أن القرآن على خلاف التنزيل، وأنه محرف منقوص، وأما الزيادة عليه.. فإليه ذهب بنو نوبخت وجماعة من متكلمي الإمامية وأهل الفقه منهم والاعتبار، كما صرح بذلك من انتهت إليه رئاسة الشيعة: شيخ علم الهدى وشيخ الطائفة الطوسي وتلميذ ابن بابويه القمي في كتابه الذي وضعه لبيان عقائد الشيعة الاثنى عشرية، بعد تصريحه بأن الأخبار قد وردت مستفيضة عن الأئمة المعصومين باختلاف القرآن، وما أحدثه بعض الظالمين من الحذف فيه والنقصان.
ولقد تناول الشيعة هذه العقيدة، وتوارثوها، خلفاً عن سلف، وأثبتوها في كتب العقائد وجعلوها من لوازم مذهب الشيعة كما صرح بذلك الكثيرون الكثيرون، منهم مفسر الشيعة الكبير السيد هاشم البحراني حيث قال:
"اعلم أن الحق الذي لا محيص عنه بحسب الأخبار المتواترة الآتية وغيرها أن هذا القرآن الذي في أيدينا قد وقع فيه بعد رسول الله r شيء من التغييرات، وأسقط الذين جمعوه بعده كثيراً من الكلمات والآيات، وأن القرآن.. المحفوظ عما ذكر، الموافق لما أنزله الله تعالى ما جمعه علي عليه السلام، وحفظه إلى أن وصل إلى ابنه الحسن عليه السلام، وهكذا إلى أن انتهى إلى القائم عليه السلام، وهو اليوم عنده صلوات الله عليه".
"ولهذا كما قد ورد صرحاً في حديث سنذكره أن الله عز وجل كان قد سبق في علمه الكامل صدور تلك الأفعال الشنيعة من المفسدين في الدين، إذ أنهم كلما اطلعوا على تصريح فيه ما يضر لهم، ويزيد في شأن علي عليه السلام وذريته الطاهرين، حاولوا إسقاط ذلك رأساً أو تغييره محرفين، فكان في مشيئته الكاملة من الطاقة الشاملة المحافظة على أوامر الإمامة والولاية، وممارسة مظاهر فضائل النبي r والأئمة، بحيث تسلم من تغيير أهل التضييع والتحريف، ويبقى لأهل الحق مفادها، مع بقاء التكليف، لم يكتف بما كان مصرحاً به منهما في كتابه الشريف، بل جعل جل بيانها بحسب البطون، وعلى نهج التأويل، وفي ضمن بيان ما تدل عليه ظواهر التنزيل، وأشار إلى جمل من برهانها بطريق المجاز والتعريض، والتعبير عنها بالرموز والتورية، وسائر ما هو من هذا القبيل، حتى تتم حججه على الخلائق جميعاً، ولو بعد إسقاط المسقطين ما يدل عليها صريحاً بأحسن وجه وأجمل سبيل" البرهان، مقدمة تحت عنوان "المقدمة الثانية في بيان ما يوضح وقوع بعض تغيير في القرآن، وإنه السر في جعل الإرشاد إلى أمر الولاية والإمامة والإشارة إلى فضائل أهل البيت وفرض طاعة الأئمة بحسب بطن القرآن وتأويله ص36-ط إيران].
ثم قال بعد نقل هذه العقيدة عن كبار القوم وذكر أسمائهم:
"وعندي يقين من وضوح صحة هذا القول (أي القول بتحريف القرآن وتغييره) بعد تتبع الأخبار، وتفحص الآثار، بحيث يمكن الحكم بكونه من ضروريات مذهب التشيع" [البرهان في تفسير القرآن للسيد هاشم البحراني، الفصل الرابع من المقدمة ص49-ط إيران].
وقال مثل ذلك الشيخ علي أصغر البروجردي من أعيان الشيعة في القرن الثالث عشر في الكتاب العقائدي:
"وواجب علينا أن نعتقد أن القرآن الأصلي لم يغير ولم يبدل وهو موجود عند إمام العصر (الغائب) عجل الله فرجه، لا عند غيره، وإن المنافقين قد غيروا وبدلوا القرآن الموجود عندهم" [كتاب عقائد الشيعة فارسي ص27-ط إيران].
وبمثل ذلك كتب الملا محمد تقي الكاشاني في كتابه هداية الطالبين [ص368-ط إيران] وزين العابدين الكرماني في رسالته تذييل [ص13 وما بعد – ط مطبعة سعادة بكرمان إيران]، وأخوه في كتابه حسام الدين، وقبلهما أبوهما محمد كريم خان المتوفى سنة 1288ه، صرح بذلك في كتابه نصرة الدين وأيضاً في كتابه إرشاد العوام الذي ألفه في العقائد، والسيد علي بن نقي الرضوى مجتهد الشيعة بالهند في كتابه إسعاف المأمول [ص115 –ط مطبعة اثنا عشرى لكنؤ الهند سنة 1312ه] وغيرهم.
هذا ولقد ذكرنا في كتابنا (الشيعة والقرآن) وقبله في (الشيعة والسنة) بأن علماء الشيعة ألفوا كتباً ورسائل مستقلة في إثبات التحريف في القرآن في كل عصر وبلد وجدوا فيه، ولا يخلو مكان أو زمان لم تصنف فيه مثل هذه الكتب كما أثبتنا أسماءهم وأسماء كتبهم في كتبنا المذكورة، ولم ينكر هذه العقيدة، من أنكر منهم، إلا مداراة للمسلمين، وتقية وخداعاً لأهل السنة، وسداً لباب المطاعن، ولم يبنوا إنكارهم هذا على رواية من أئمتهم المعصومين حيث يزعمون أن مذهبهم قائم على آرائهم وأفكارهم، ولا على أصول مطر موجود.
رغم أن القائلين بهذه المقولة، المتجاهرين بهذه العقيدة، بينوا أسباباً ألجأتهم إلى اعتناقها والاعتقاد بها. وأصول المذهب وأسسه التي وضع عليها.. تقتضي ذلك أيضاً، وساندها وناصرها رجال من الشيعة، لولاهم لما قام لديانتهم عود، ولا استقام لها عمود.
وهذا واضح وجلي، لا نظن أنه يخفى على عاقل وبصير[نظرة على ما كتبه البهنساوي:
من الغريب والمؤسف حقاً أن بعض من ينتسب إلى العلم من أهل السنة انخدع بأباطيل الشيعة وأكاذيبهم فكيف انخدع؟، وكيف خطف بصره بريق عقائدهم المزورة الكاذبة؟، وكيف سمح له علمه قبل ضميره ودينه أن يتصدى للدفاع عنهم، وعن عقائدهم الخبيثة الملتوية، وعن آرائهم – المعوجة، وأفكارهم الزائغة عن سواء السبيل؟.]، إلا من أضله الله على علم، وختم على سمعه وقلبه، وجعل على بصره غشاوة، فمن يهديه من بعد الله؟!
كيف يكتب بدون معرفة وعلم، وبدون فقه وبصيرة؟ لقد ظهر جهله الكلي بأصول مذهب الشيعة الاثنى عشرية والأسس التي قام عليها، بسبب عدم اطلاعه على كتبهم الأصلية، ومراجعهم القديمة والحديثة الأصيلة، في التفسير والحديث والفقه والكلام والتاريخ، مثل السيد الدكتور علي عبد الواحد وافي في كتابه (بين الشيعة وأهل السنة) والأستاذ سالم علي البهنساوي في كتابه (السنة المفترى عليها)، والدكتور عز الدين إبراهيم في كتابه (لا أساس للخلاف بين السنة والشيعة) وغيرهم من المخدوعين والمغترين بلا علم، وإن الله عز وجل يقول في كتابه: ] ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا [ [سورة الإسراء الآية36].
وقال جل وعلا: ] .. ولا تكن للخائنين خصيماً، واستغفر الله إن الله كان غفوراً رحيماً. ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم إن الله لا يحب من كان خواناً أثيماً * يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من القول وكان الله بما يعملون محيطاً * ها أنتم هؤلاء جادلتم عنهم في الحياة الدنيا فمن يجادل الله عنهم يوم القيامة أم من يكون عليهم وكيلا [ [سورة النساء الآية105 إلى 109].
ولقد بينا فيما سبق أغلوطات السيد الدكتور وفي ومغالطاته وجهله، أو تجاهله لكتب الشيعة وعقائدهم، ونريد أن نذيل بحثنا هذا بنظرة خاطفة على ما كتبه الأستاذ سالم علي البهنساوي في كتابه (السنة المفترى عليها) حيث تعرض سيادته لما كتبنا عن الشيعة وعن عقائدهم وآرائهم حول القرآن في كتابنا (الشيعة والسنة) فوقف موقف المدافع عن الشيعة، والمكذب لما قلناه عنهم جاهلاً قواعد البحث، ومبادئ الخلاف، وأصول المناقشة، كما أثبت على نفسه أنه لا يعرف عن معتقدات الشيعة وكتبهم التي تبحث فيها، كثيراً ولا قليلاً.
فإن السيد الأستاذ البهنساوي عقد فصلاً مستقلاً في كتابه بعنوان (حوار حول دعوى تحريف الشيعة للقرآن) [صفحة 26-ط دار البحوث العلمية الكويت الطبعة الأولى سنة 1979م]، فكتب يقول:
"لقد وجدنا بين أهل السنة ومن ينشر كتباً تتضمن أن الدعوة إلى التقريب بين السنة والشيعة يراد بها تقريب السنة إلى معتقدات الشيعة التي تزعم أن القرآن الكريم محرف، وهذه وغيرها من البدع التي تنسجها الأيدي اليهودية التي هي وراء الشيعة الإمامية".
وما جاء في هذه الكتب عن تحريف القرآن (أما الشيعة فإنهم لا يعتقدون بهذا القرآن الموجود بين أيدي الناس والمحفوظ من قبل الله العظيم.. مكابرين للحق وتاركين للصواب.
فهذا هو الاختلاف الحقيقي الأساسي بين السنة والشيعة أو بالتعبير الصحيح بين المسلمين والشيعة لأنه لا يكون الإنسان مسلماً إلا باعتقاد أن القرآن هو الذي بلغه رسول الله r إلى المسلمين بأمر من الله عز وجل).
واستند هذا الكتاب وغيره إلى روايات للمحدث الشيعي الكليني في (الكافي في الأصول) واعتبره كالبخاري عند أهل الشيعة. كما نقل الكاتب هذا عن ابن بابويه القمي، ووصفه بأنه صدوق الشيعة" [السنة المفترى عليها لسالم علي البهنساوي ص66-ط دار البحوث العلمية سنة 1979م].
وبدلاً من أن يبحث في الروايات ويتحقق من نسبتها إلى الكتب التي عزونا إليها، أو نقدها نقداً علمياً معقولاً، بدل هذا كله كتب مقيماً الحجة عليه وعلى عدم علمه ومعرفته فقال:
"ولما كان البحث في كتب إخواننا الشيعة لكل من قرأ كتب إحسان ظهير ومحب الدين الخطيب وغيرهما ليس يسيراً فقد جمعت ما تضمنته هذه الكتب وقرنه بالمصادر والمراجع التي نقلت عنها من كتب الشيعة، وعرضت ذلك على الأخ الصديق الإمام محمد مهدي الآصفي ليبين رأي أئمتهم في هذا الموضوع" [السنة المفترى عليها ص67].
فمن كان هذا مبلغ علمه أله أن يحكم بين الناس؟ وأن يبين الحق من الباطل؟ وأن يفصل في القضية؟ أو يبدي رأيا حاسماً للنزاع بالترجيح أو التكذيب؟
وهل في العالم شخص يقر على نفسه وعلى أهله بالخطأ والغلط؟ ويعترف بقصوره وجريمته؟
وهل ذكرنا كلاماً منقولاً عن غير أئمتهم حتى يسأل شيعياً عن رأي أئمته في الموضوع؟
ثم ماذا كان رد العالم الشيعي غير الكلام الفارغ والدعوى بلا دليل أو بهان، دون التطرق إلى نقد الروايات التي أوردناها في كتابنا وأرسلها إليه الأستاذ البهنساوي حسب قوله، وبيان منطوقها ومفهومها، ودون بطلان نسبتها إلى قائليها، أو تجريح الكتب التي وردت فيها وغير ذلك من الأمور التي يتطلبها البحث العلمي والنقد الموضوعي، اللهم إلا ما ذكر عن السيد الخوئي ومحمد رضا المظفر والبلاغي وكاشف الغطاء والطباطبائي بأنهم أنكروا التحريف في القرآن [انظر: صفحة 68 وما بعد من الكتاب المذكور].
والجدير بالذكر أولاً: أن هؤلاء الخمسة كلهم من المتأخرين ومن عصرنا هذا، وليسوا من العمدة في المذهب، ولا يعدون من أئمة التشيع.
ثانياً: أن بعضاً منهم كتبوا مقولاتهم هذه في كتب دعائية لم تكتب للشيعة بل كتبت لخداع المسلمين أهل السنة، ولسد باب المطاعن عليهم.
ثالثاً: أن جميع المذكورين ممن يدينون بدين التشيع، الدين الذي قالوا فيه نقلاً عن جعفر أنه قال:
"إنكم على دين من كتمه أعزه الله، ومن أذاعه أذله الله" [الكافي للكليني ج2 ص222-ط إيران وج1 ص485-ط الهند].
و"إن تسعة أعشار الدين في التقية، ولا دين لمن لا تقية له" [الكافي في الأصول ج2 ص217-ط إيران وج1 ص482-ط الهند].
سوف نذكر هذا البحث في محله من هذا الكتاب إن شاء الله.
رابعاً: أن كل واحد من هؤلاء لم يفصح عن سبب اعتقاده عدم التحريف في القرآن، ولا الجواب على ما ورد عن أئمتهم وروداً مستفيضاً متواتراً.
خامساً: لم يدع واحد من هؤلاء أن مذهب التشيع مبني على آرائه وأقواله، كما لم يدع العصمة لنفسه مع إقراره وإعلانه أن مذهبه مأخوذ من أئمته المعصومين الاثنى عشر من علي وأولاده، ومبني على أقوالهم، وأفكارهم، وهذه الآراء والأفكار لم تنقل إلا من كتب الأصول الأربعة، أهمها وأجلها الكافي للكليني، والكتب الأخرى التي نقلنا منها تلك المرويات التي تدل صراحة على التحريف في القرآن.
سادساً: أن ليس أحد من هؤلاء يساوي أو يضاهي أو يداني واحداً ممن جاهر بالقول بالتحريف من المتقدمين والمتأخرين من المحدثين والمفسرين والفقهاء والمتكلمين، ولم يذكر هؤلاء الخمسة أولئك المجاهرين بالتحريف إلا بكل التعظيم والتكريم والإجلال والتفخيم وتلقيبهم إياهم بالأئمة والكبراء والزعماء والقادة، فأين الخوئي من الصفار؟ والبلاغي من الكليني؟ والطباطبائي من القمي والعياشي والفرات الكوفي؟ والمظفر وكاشف الغطاء من المفيد، والطبرسي؟ أين هؤلاء من أولئك؟
سابعاً: لم يستطع هؤلاء التقول بأنهم لم يكونوا معتقدين التحريف في القرآن.
ثامناً: لم يبنوا فساد مقولتهم وسبب ضعف أقوالهم وعلة الضعف؟.
تاسعاً: بعض هؤلاء أنفسهم أوردوا في كتبهم نفس الروايات التي تنص على التحريف في القرآن دون التعرض لها بالنقد والجرح.
عاشراً: لم يتجرأ واحد منهم على أن يكتب كتاباً أو جزءاً مستقلاً أو رسالة مستقلة لإثبات عدم التحريف في القرآن والرد على قائليه مع بيان بطلان ما ذهبوا إليه.
] تلك عشرة كاملة ..[ [سورة البقرة الآية196]، ] إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد [ [سورة ق~ في الآية37].
] .. قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولوا الألباب [ [سورة الزمر الآية9].
ولو كان مجرد الإنكار يكفي فلا يلزم خصم من العالمين بشيء لأنه أنكر، ووجد من ينكر معه من جماعته اثنين أو ثلاثة، فالسني مثلاً لا يلزم بشيء ورد في الصحيحين، أو في الصحاح الأخرى غيرهما، أو المجاميع والمسانيد، ولو بطريق الثقاة الضباط العدول؛ لأنه ينكر صحته.! دون الرجوع إلى قواعد ثابتة وأسس متينة، وكذلك الشافعي والحنفي والمالكي والحنبلي، وأكثر من ذلك اليهودي والنصراني والبوذي وغيرهم، يمكن أن يتظاهر الواحد منهم بإنكار أي شيء لا يجد الجواب عنه، ويجد نفسه في مأزق ضيق حرج.. مع إقرار قادتهم وسادتهم وأئمتهم وزعمائهم وعمدائهم، وحججهم، ومع إقرارهم بمذهبهم ودياناتهم.
نعم! يمكن الإقرار بالتبرؤ من ذلك المذهب وتلك الديانة بأني لا أؤمن بالمذهب الذي هذه تعليماته وإرشاداته، وتلك الديانة التي هذه آراؤها، وأفكارها وتلك قواعدها وأسسها.
فكل من ينتسب إلى أهل السنة لا يسعه إنكار ما ورد من سنة النبي الكريم r الثابتة عنه وما كان عليه أصحابه ما دام سنياً.
وأما إذا أراد ذلك (الإنكار) فله، ولكن ليس له أن يعد نفسه من أهل السنة.
فعلى هذا ليس على الشيعة الاثنى عشرية أن ينكروا ما ثبت من عقائدهم وما تفرع وقام عليه مذهبهم ما داموا يدعون التشيع.
ولهم أن ينكروا كل ما يرونه مخالفاً للإسلام ومنافياً للفطرة والعقل مع ثبوته في مذهبهم ومسلكهم، وكونه من العقائد الأساسية لديانتهم ولكن مع التبرؤ من هذه الديانة الزائفة التي تشتمل على مثل تلك العقائد الفاسدة الواهية.
وإننا لنرحب بكل من يقدم على هذا، ويقول بهذا القول، ويعلن بهذا الاعتقاد، وبذلك سيرتفع الخلاف، ويحسم النزاع، ونكون عباد الله إخواناً، وإخوة في العقيدة، يؤمنون كلهم بما نزل على محمد صلوات الله وسلامه عليه، وتولى الله حفظه وصيانته من التغيير والتحريف بقوله: ] إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون [ [صورة الحجر: 9].
وبقوله جل وعلا: ] لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد [ [سورة فصلت: 42].
ولقد أدرك خطر هذا الاعتقاد أي اعتقاد عدم التحريف في القرآن محدثو الشيعة ومفسروهم وأهل الكلام والفقه منهم، فلذلك قال قائلهم:
"اعلم أن تلك الأخبار منقولة من الكتب المعتبرة التي عليها معول أصحابنا في إثبات الأحكام الشرعية والآثار النبوية" [المحدث النوري الطبرسي في كتابه فصل الخطاب ص252].
و"إن الأخبار في هذا الباب متواترة معنى، وطرح جميعها يوجب رفع الاعتماد على الأخبار رأساً، بل ظني أن الأخبار في هذا الباب لا يقصر عن أخبار الإمامة فكيف يثبتونها بالخبر" [خاتمة محدثي الشيعة الملاك باقر المجلسي في كتابه مرآة العقول نقلاً عن فصل الخطاب ص353].
و"إن هذه العقيدة لمن ضروريات مذهب التشيع" [المفسر الشيعي المشهور في مقدمة تفسيره البرهان الفصل الرابع ص52].
وإن كان من ينكر هذا الاعتقاد مع انتسابه إلى الشيعة لا ينكر إلا تقية، وقد نص على ذلك الكثيرون من علماء الشيعة، ومنهم السيد أحمد سلطان أحد أعيان القوم في الهند:
"إن علماء الشيعة الذين أنكروا التحريف في القرآن لا يحمل إنكارهم إلا على التقية" [تصحيف كاتبين ص18-ط الهند].
وهذه العبارة نص في المسألة.
وقبل أن ننتقل إلى موضوع آخر نريد أن نذكر ههنا أن السيد الآصفي الذي أرسل إليه السيد البهنساوي – حسب مقولته – الروايات التي أرودناها في كتابنا (الشيعة والسنة) لبيان عقيدة الشيعة في القرآن، والتي تزيد على ستين رواية لم يبين العالم الشيعي المذكور فيها رأيه حسب البحث العلمي السليم، كما لم يتكلم في قيمة الكتب التي وردت فيها هذه الروايات، وكذلك لم يستطع أن ينكر علينا قولنا بأن الكليني عند الشيعة كالبخاري عندنا، وابن بابويه القمي هو الملقب بالصدوق عند الشيعة، اللهم إلا ما ذكر عن رواية أوردناها في كتابنا عن علي بن إبراهيم القمي في تفسيره عن أبيه عن الحسين بن خالد في آية الكرسي:
إن أبا الحسن علي بن موسى الرضا – الإمام الثامن عند الشيعة- قرأ آية الكرسي هكذا: "الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم له ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى عالم الغيب والشهادة، الرحمن الرحيم" [تفسير القمي ج1 ص84 ط إيران].
فقال بعد ذكر هذه الرواية: إنها رواية غير معتبرة وضعيفة لأن الحسين بن خالد الصيرفي أحد الرواة في سلسلة الحديث لم تثبت وثاقته [السنة المفترى عليها للبهنساوي ص73].
ويا ليته عمل هذا العمل في جميع الروايات التي أوردناها، وانتقدها انتقاداً علمياً، حتى يعلم الجميع ويعرف الكل، أن الروايات التي وردت في هذا الموضوع ضعيفة فعلاً لدى الشيعة، ومجروحة، فليس لمخالف في الرأي والعقيدة أن يلزمهم بمثل هذه الروايات الواهيات، ولكن أنى له ولغيره أن يتجرأ على هذا؟ لأن الأحاديث في هذا الموضوع جاوزت ألفي حديث وخبر.
ثم من يشجع السيد الآصفي ومن يسلك مسلكه ويطمئنهم على أن أهل السنة لا يعرفون عن رواة الشيعة شيئاً، ويجهلون كتب رجال القوم، من يضمن لهم كل هذا؟!. فلذلك ترى أنهم عند تهربهم من مثل هذه المآزق وتسللهم بعيداً عن هذه الأبحاث لا يلتجئون إلى البحث الموضوعي والنقد العلمي إلا إلى الإنكار المحض الذي لا يشبع ولا يغني من جوع.
فحمداً لله أن السيد المذكور تجاسر وأقدم على هذا حتى وجده الأستاذ البهنساوي والدكتور عز الدين إبراهيم كافياً للرد علينا وعلى محب الدين الخطيب.
لكن ما هي الحقيقة؟ وما هو الصدق؟ تعالوا انظروا معي لكي ينجلي الحق ويبطل الباطل ولو كره المجرمون.
فالسيد الآصفي على دأب أسلافه الذين جعلوا الكذب دينه وديدنه، فإنه يدعي، نقلاً عن أحد المعاصرين، أن أحد رواة هذه الرواية، وهو الحسين بن خالد الصيرفي لم تثبت وثاقته، مع أنه من أصحاب موسى الكاظم – الإمام السابع المعصوم عند الشيعة – وعلي بن موسى الرضا – الإمام الثامن المعصوم عندهم – ولقد صرح بذلك الطوسي الملقب بشيخ الطائفة الشيعية في رجاله، فذكر أنه من أصحاب الكاظم [رجال الطوسي ص347 – ط قم إيران]، وأنه من أصحاب الرضا [ص373].
وكذلك الرجالي الشيعي القديم أبو جعفر أحمد البرقي عدّه من أصحاب موسى الكاظم [انظر: كتاب الرجال للبرقي ص53-ط طهران].
وكذلك الأردبيلي الحائري في كتابه (جامع الرواة) [انظر: ج1 ص238-ط قم إيران].
يتبع باذن الله...
رد مع اقتباس
  #4  
قديم 26-May-2004, 05:11 PM
أبو تراب فرحات السلفى
 
المشاركات: n/a
افتراضي

وقال فيه آية الله الزنجاني، الذي يلقبونه بالفقيه المحقق المدقق سماحة الحجة آية الله الشيخ موسى:
الحسين بن خالد الصيرفي عدّه الشيخ من أصحاب الرضا عليه السلام وقبله من أصحاب الكاظم، ثم ذكر بعض مروياته ومن روى عنه، ومن يروي عنهم، ثم قال:
وجل رواياته دالة على حسن اعتقاده، أحاديثه على كثرتها وجودتها في غاية الاستقامة، والغالب روايته عن الرضا عليه السلام، والأكثر رواية عنه علي بن معبد، لا أحسب الرجل إلا ثقة جليلاً، وأعد ما رواه في الصحيح" [الجامع في الرجال ج1 ص594-ط قم إيران سنة 1394ه].
فهذا هو الرجل الذي قال عنه السيد الآصفي: لم تثبت وثاقته، والذي لأجله ضعف الرواية.
فماذا يقول المنصفون فيه بعد ثبوت صحابيته لإمامهم ووثاقته؟
زِد على ذلك أن هذه الرواية ليست بفريدة في موضوعها، بل لها شواهد ومتابعات في تفسير القمي وغير القمي.
والسيد الآصفي معذور في ذلك، حيث اختار رواية واحدة، من روايات كثيرة أوردناها من تفسير القمي في هذا الموضوع، وهذه حقيقة نقده وجرحه، وجرأته على مثل هذا الإقدام.
ثم اختار السيد المذكور رواية واحدة كذلك من الكافي للكليني، وتكلم على أحد رواتها مع أنه أئمته في الرجال ذكروا بأن ذلك الراوي وهو معلي بن محمد يعتمد عليه شاهداً، ولكي لا يطول بنا الحديث نسأله هو، وليفهم البهنساوي وغيره:
لماذا لم يتكلم على أول رواية أوردناها في كتابنا من الكليني في كافيه لإثبات عقيدة التحريف والحذف والنقصان في القرآن؟ هي رواية مشهورة معروفة، ونص في الموضوع نسوقها فيما يلي:
"عن علي بن الحكم عن هشام بن سالم عن أبي عبد الله (جعفر) عليه السلام قال: إن القرآن الذي جاء به جبريل عليه السلام إلى محمد r يزيد سبعة عشر آلف آية" [الكافي في الأصول للكليني، كتاب فضل القرآن ج2 ص634-ط إيران].
مع أن القرآن الموجود بأيدي الناس آياته ستة آلاف آية وكسر" [وقد أخطأ الدكتور وافي في هذا أيضاً حيث قال: إن الكليني ينسب إلى الإمام الصادق من القول: إن القرآن الذي نزل على محمد r يزيد سبعمائة وسبع وثلاثين آية على القرآن الذي نتلوه].
فماذا يقول الآصفي ومن دونه من علماء الشيعة أجمعين في هذه الرواية ورواتها حيث أنها صريحة في معناها، واضحة في مفهومها، لا تحتمل التأويل والتفسير، وإن رواتها لمعدودون على الأنامل، معروفون مشهورون لدى الشيعة؟
أما محمد بن يعقوب الكليني فهو هو، وأما علي بن الحكم فقد كتب عنه الأردبيلي الحائري بعد ما ذكر أنه هو الذي روى الرواية المذكورة في باب فضل القرآن وفي باب النوادر:
"ثقة جليل القدر" [جامع الرواة ج1 ص575].
والتفرشي في كتابه نقد الرجال [ص234-ط قم إيران].
وأما هشام بن سالم فقد ذكره شيخ الطائفة الطوسي في أصحاب جعفر الصادق [رجال الطوسي ص329].
وكذلك في أصحاب موسى الكاظم [ص363].
وقال الرجالي الشيعي القديم النجاشي:
هشام بن سالم الجواليقي.. روى عن أبي عبد الله وأبي الحسن عليهما السلام. ثقة ثقة [رجال النجاشي ص305-ط قم إيران].
ونقل الحائري بعد ذكر هذا كله عن شيخ الطائفة في فهرسته أنه صحيح العقيدة معروف الولاية غير مدافع [جامع الرواة ج2 ص315].
وقد ذكر الكشي في مدحه روايات [انظر لذلك: رجال الكشي ص239].
وأما أب عبد الله جعفر بن الباقر فمقامه معروف لدى الشيعة حيث يعدونه معصوماً لا يخطئ. فهذه هي الرواية الأولى التي أوردناها في مبحثنا: الشيعة والقرآن: في كتابنا (الشيعة والسنة) الذي أرسله الأستاذ البهنساوي إلى السيد الآصفي، فلا ندري لماذا تخطى السيد الآصفي هذه الرواية والروايات الكثيرة الأخرى المنقولة في الكافي أيضاً إلى الرواية التي جعلها غرضاً لنقده وجرحه؟ إلا أنه لم يجد في رواة بقية الروايات من يستطيع أن يتكلم فيهم؟
وها نحن نعلن بأننا نرحب بكل عالم شيعي ينبري ويتصدى لتضعيف روايات أوردناها في كتبنا حول هذا الموضوع من أمهات كتب الشيعة وأهم مراجعهم سالكاً مسلك النقد والجرح المعروف، وملتزماً القواعد الثابتة والأسس المعروفة في هذا الشأن.
فهذه حقيقة رد الشيعة علينا، وهذه حقيقة الحوار المزعوم حول عقيدة الشيعة في القرآن.
ولو كان الأستاذ البهنساوي متحرياً عن الحق وطالباً الحقيقة لكان عليه أن يتثبت من الموضوع ويرسل بيان الآصفي إلينا قبل إدراجه في كتابه، سامحنا الله وإياه وغفر له ما بدر منه على إضلاله كثيراً من المسلمين أهل السنة.
وقبل أن نختم الكلام في هذا الموضوع نريد أن نبين شبهة أخرى يثيرها الشيعة، ويقع فيها كثير من سُذَّج أهل السنة بهذا الخصوص، وهي:
أن الشيعة لا يقرءون إلا هذا القرآن ولا يتناقلون بينهم إلا هذا نفسه، وإن كان لهم قرآن غير هذا فأين هو؟
فإن لم يكونوا يؤمنون به، ويعتقدون فيه التحريف والحذف والنقصان فلماذا يقرءونه؟
فالجواب: إن من يقول بهذا الكلام من أهل السنة لا يقوله إلا جهلاً بمعتقات الشيعة ومروياتهم ومن يقوله من الشيعة لا يقوله إلا خداعاً للمسلمين أهل السنة وتغطية للحق وتعمية للأبصار، لأن القوم نصوا على ذلك وصرحوا بأن القرآن الأصلي المحفوظ هو عند القائم من ولد علي رضي الله عنه، وأن الشيعة أمروا بقراءة هذا القرآن إلى أن يخرج القائم كما يروي الكليني في كافيه عن سالم بن سلمة أنه قال:
قرأ رجل على أبي عبد الله عليه السلام وأنا أسمع حروفاً من القرآن ليس على ما يقرأه الناس فقال أبو عبد الله عليه السلام: كفّ عن هذه القراءة اقرأ كما يقرأه الناس حتى يقوم القائم، فإذا قام القائم قرأ كتاب الله عز وجل على حده وأخرج المصحف الذي كتبه علي عليه السلام، وقال: أخرجه علي عليه السلام إلى الناس حين فرغ منه وكتبه، فقال لهم: هذا كتاب الله عز وجل كما أنزله الله على محمد r ، لا حاجة لنا فيه، فقال: أما والله لا ترونه بعد يومكم هذا أبداً، إنما كان علي أن أخبركم حين جمعته لتقرءوه" [الكافي في الأصول ج2 ص633-ط طهران].
وروى أيضاً بسنده:
عن عدة من أصحابنا عن سهل بن زياد عن محمد بن سليمان عن بعض أصحابه عن أبي الحسن عليه السلام قال: قلت له:
"جعلت فداك إنا نسمع الآيات في القرآن ليس هي عندنا كم نسمعها ولا نحسن أن نقرأها كما بلغنا عنكم، فهل نأثم؟ فقال:
لا! إقرءوها كما تعلمتم فيجيئكم من يعلمكم" [الكافي باب أن القرآن يرفع كما أنزل ج3 ص119-ط طهران، وص664-ط الهند].
وأيضاً ما رواه الطبرسي في (الاحتجاج) كذباً على أبي ذر رضي الله عنه أنه قال:
لما توفى رسول الله r جمع علي عليه السلام القرآن وجاء به إلى المهاجرين والأنصار وعرضه عليهم لما قد أوصاه بذلك رسول الله r ، فلما فتحه أبو بكر خرج في أول صفحة فتحها فضائح القوم، فوثب عمر فقال: يا علي! اردده فلا حاجة لنا فيه، فأخذه علي عليه السلام وانصرف، ثم أحضر زيد بن ثابت وكان قارئاً للقرآن، فقال له عمر: إن علياً عليه السلام جاءنا بالقرآن وفيه فضائح المهاجرين والأنصار وقد أردنا أن تؤلف لنا القرآن وتسقط منه ما كان فيه فضيحة وهتك للمهاجرين والأنصار، فأجابه زيد إلى ذلك، ثم قال: فإن أنا فرغت من القرآن على ما سألتم وأظهر علي القرآن الذي ألفه، أليس قد بطل كل ما قد عملتم؟ ثم قال عمر: فما الحيلة؟ قال زيد: أنتم أعلم بالحيلة، فقال عمر: ما الحيلة دون أن نقتله ونستريح منه؟ فدبر في قتله على يد خالد بن الوليد، فلم يقدر على ذلك، وقد مضى شرح ذلك.
فلما استخلف عمر سأل علياً أن يدفع إليهم القرآن فيحرفوه فيما بينهم، فقال: يا أبا الحسن! إن كنت جئت به إلى أبي بكر فأت به إلينا حتى نجتمع عليه، فقال علي عليه السلام: هيهات! ليس إلى ذلك سبيل، إنما جئت به إلى أبي بكر لتقوم الحجة عليكم ولا تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين، أو تقولوا ما جئتنا به، إن القرآن الذي عندي لا يمسه إلا المطهرون والأوصياء من ولدي، فقال عمر:
فهل وقت لإظهاره معلوم؟
قال علي عليه السلام: نعم! إذا قام القائم من ولدي يظهره ويحمل الناس عليه، فتجري السنة به" [الاحتجاج للطبرسي ج1 ص228، الصافي للكاشاني ج1 ص27].
وعلى ذلك جعلوا من عقائدهم:
"وواجب علينا أن نعتقد أن القرآن الأصلي لم يغير ولم يبدل، وهو الموجود عند إمام العصر الغائب عجل الله فرجه لا عند غيره" [عقائد الشيعة الفارسي علي أصغر البروجردي ص27-ط إيران].
وقال الكرماني:
"وقع التحريف والتصحيف والنقص في القرآن .. وأن القرآن المحفوظ ليس إلا عند القائم.. وإن الشيعة لمجبورون على أن يقرءوا هذا القرآن تقية بأمر آل محمد عليهم السلام" [تذييل في الرد على هاشم الشامي ص13 وما بعد-ط كرمان إيران].
وقال المفسر الفيض الكاشاني في تفسيره رداً على من يقول بعدم التحريف في القرآن:
أقول: يكفي في وجوده في كل عصر وجوده جميعاً كما أنزله الله محفوظاً عند أهله ووجود ما احتجنا إليه منه عندنا وإن لم نقدر على الباقي" [تفسير الصافي المقدمة السادسة ج1 ص36].
وقال السيد نعمت الله الجزائري مجيباً على نفس هذه الشبهة:
فإن قلت: قد جازت القراءة في هذا القرآن مع ما لحقه من التغيير؟
قلت: قد روى في الأخبار أنهم عليهم السلام أمروا شيعتهم بقراءتهم هذا القرآن الموجود بأيدي الناس في الصلاة وغيرها والعمل بأحكامه حتى يظهر مولانا صاحب الزمان فيرتفع هذا القرآن من أيدي الناس إلى السماء ويخرج القرآن الذي ألفه أمير المؤمنين عليه السلام فيقرأ ويعمل بأحكامه.. والأخبار الواردة بهذا المضمون كثيرة جداً" [الأنوار النعمانية للجزائري ج2 ص363، 364].
وأخيراً ننقل ما ذكره المفسر الشيعي المشهور السيد هاشم البحراني المتوفى عام 1108ه:
اعلم أن الحق الذي لا محيص عنه بحسب الأخبار المتواترة الآتية وغيرها أن هذا القرآن الذي في أيدينا قد وقع فيه بعد رسول الله r شيء من التغييرات، وأسقط الذي جمعوه كثيراً من الكلمات والآيات، وإن القرآن المحفوظ عما ذكر، الموافق لما أنزله الله تعالى، ما جمعه علي عليه السلام وحفظه إلى أن وصل إلى ابنه الحسن عليه السلام، وهكذا إلى أن انتهى إلى القائم عليه السلام، وهو اليوم عنده صلوات الله عليه" [البرهان في تفسير القرآن مقدمة ص36].
وبعد هذا كله لا نرى أن أحداً ينطلي عليه كذب القوم أو تخفى عليه عقيدتهم الحقيقية الأصلية ونسأل الله عز وجل أن يهدينا وإياهم إلى سواء السبيل، وجعلنا وإياهم ممن يستمع القول ويتبع أحسنه ويعرف الخطأ ولا يصر عليه ولا يعاند، بل يرجع إلى الحق والصواب.

الباب الثالث
الشيعة الإثنا عشرية والسُّنة النبوية
إن الأصل الثاني من أصول الشريعة الإسلامية هو السنة. أي ما ثبت عن رسول الله r قولاً أو فعلاً أو تقريراً. وقد أمرنا بالتمسك بها ] .. وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله إن الله شديد العقاب [ [سورة الحشر الآية7].
وإن الرسول r هو الناطق بالوحي ] وما ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحي يوحى [ [سورة النجم الآية3].
وعلى ذلك جعلت طاعته طاعة الله ومعصيته معصية الله ] من يطع الرسول فقد أطاع الله ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظاً [ [سورة النساء الآية80].
] ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيراً [ [سورة النساء الآية 115].
ولذلك قرنت إطاعة الرسول بإطاعة الله ] أطيعوا الله ورسوله ولا تولوا عنه وأنتم تسمعون [ [سورة الأنفال الآية20].
والآيات في هذه المعنى كثيرة جداً، ومنكر السنة النبوية الثابتة عن كافر، كما أن منكر القرآن خارج عن الملة الإسلامية، لأن السنة بيان للقرآن وتوضح وشرح له وتفسير لمعانيه ومطالبه ] .. وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون [ [سورة النحل الآية44].
وعلى ذلك قال الإمام ابن حزم الأندلسي:
لو أن امرأ قال: لا نأخذ إلا بما وجدنا في القرآن لكان كافراً بإجماع الأمة" [الإحكام في أصول الأحكام].
وقال:
إنما احتججنا في تكفيرنا من استحل خلاف ما صح عنده عن رسول الله r بقول الله تعالى مخاطباً لنبيه r :
] فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً [ [سورة النساء الآية65].
فكل ما يصدر عن رسول الله r ويثبت عنه صدوره، منكره لا يكون مؤمناً بنص القرآن.
وهذا الموضوع له تفصيل في محله لا نريد الإطناب فيه ههنا.
ومحل الشاهد في هذا المبحث أن السنة النبوية على صاحبها الصلاة والسلام لها منزلتها ومكانتها في التشريع الإسلامي، كما أنها من الأسس التي تحسم النزاعات الدينية والمذهبية حسب قول الله عز وجل:
] .. فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلاً [ [سورة النساء الآية59].
ولكن الشيعة لا يقرون بهذا الأصل الثاني مثل عدم إقرارهم بالأصل الأول، وبنفس النقول والحيل، وبنفس المقولات والعلل.
فإنهم يقولون: إن السنة النبوية منقولة عن طريق أصحاب محمد صلوات الله وسلامه عليه، وإن أصحابه ارتدوا كلهم بما فيهم سادة بني هاشم وغيره من الأنصار والمهاجرين إلا ثلاثة: مقداد، وأبو ذر، وسلمان، وهؤلاء لم يرو عنهم إلا القليل بل وأقل من القليل، وأما البقية فلا يطمئن إليهم ولا إلى مروياتهم لانقلابهم على أعقابهم إلى الكفر – نعوذ بالله من ذلك ونستغفر الله من الكذب المتعمد على الرسول – ولا يعتمد عليهم ولا يوثق بأخباره، فإنها ساقطة، مكذوبة، موضوعة.
فكل حديث أو خبر نقل عن أحد من هؤلاء، أو ورد في سنده أحد ينتهج منهجهم ويتبع خطاهم يسقط من الاعتبار، فهذه قاعدة محكمة متينة في مصطلح الحديث عندهم، حتى أقر بذلك محمد الحسين آل كاشف الغطاء في كتابه الدعائي المشهور، الذي لم يكتبه إلا لخداع المسلمين أهل السنة تغطية للحقائق، وتعمية عليهم الصدق، حيث قال:
إنهم (الشيعة) لا يعتبرون بشيء من السنة أعني الأحاديث النبوية إلا ما صح لهم عن طريق أهل البيت عن جدهم يعني ما رواه الصادق عن أبيه الباقر عن أبيه زين العابدين عن الحسين السبط عن رسول الله سلام الله عليهم جميعاً، أما ما يرويه مثل أبي هريرة وسمرة بن جندب ومروان بن الحكم وعمران بن حطان الخارجي وعمرو بن العاس ونظائرهم فليس له عند الإمامية من الاعتبار مقدار بعوضة، وأمرهم أشهر من أن يذكر" [أصل الشيعة وأصولها ص79-ط مؤسسة الأعلمي ببيروت].
وقد فصل القول في ذلك حسين بن عبد الصمد العاملي المتوفى سنة 984ه في كتابه الذي كتبه في مصطلح الحديث [ويعد الشيعة كتابه هذا ثاني مؤلف في علوم الحديث لديهم، وقد سبقه في ذلك أستاذه الملقب بالشهيد الثاني. (انظر رياض العلماء)] يقول فيه العاملي رداً على أهل السنة في تعديل الصحابة رضوان الله عيهم أجمعين:
وقد جازف أهل السنة كل المجازفة بل وصلوا إلى حد المخارفة فحكموا بعدالة الصحابة من لابس منهم الفتن ومن لم يلابس، وقد كان فيهم المقهورون على الإسلام، والداخلون على غير البصيرة، والشكاك، كما وقع من فلتات ألسنتهم الكثير. بل كان فيهم المنافقون، كما أخبر به الباري جل ثناؤه، وكان فيهم شاربو الخمر، وقاتلو النفس، وفاعلو الفسق والمنكرات، كما نقله عنهم، وما نقلنا نحن بعضه فيما سبق من صحاحهم من الأحاديث المتكثرة المتواترة المعنى يدل على ارتدادهم بعد رسول الله r فضلاً عن فسقهم – ثم قال -: إن الصحابة على ثلاثة أقسام: معلوم العدالة [ومعروف أن الرواية لا تقبل إلا عن معلوم العدالة كما عرف المؤلف المذكور: الصحيح، هو ما اتصل سنده بالعدل الإمامي الضابط مثله حتى يصل إلى المعصوم من غير شذوذ ولا علة. انظر: كتاب وصول الأخيار إلى أصول الأخبار ص93-ط مطبعة الخيام قم سنة 1401ه]، ومعلوم الفسق، ومجهول الحال، أما معلوم العدالة فكسلمان والمقداد وممن لم يمل عن أهل البيت طرفة عين..
وأما معلوم الفسق والكفر فكم مال عن أهل البيت وأظهر لهم البغض والعداوة والحرب، فهذا يدل على أنه لم يكن آمن، بل كان منافقاً أو أنه ارتد بعد النبي r كما جاء في الأخبار الصحيحة عندهم، لأن من يحب النبي r لا يبغض ولا يحارب أهل بيته الذين أكد الله ورسوله كل التأكيد في مدحهم والوصية بهم والتمسك بحبهم.. وهؤلاء نتقرب إلى الله تعالى ورسوله ببغضهم وسبهم وبغض من أحبهم – ومن هم يا ترى؟- والإجابة نقلاً عن علي -: هم الذين – بقوا بعده (رسول الله r ) فتقربوا إلى أئمة الضلالة والدعاة إلى الضلال بالزور والكذب والبهتان، فولوهم الأعمال وحملوهم على رقاب الناس وأكلوا بهم أموال الدنيا، وإنما الناس مع الملوك والدنيا إلا من عصمه الله" [وصول الأخيار إلى أصول الأخبار تحسين العاملي ص162 وما بعد].
وتكفير عثمان: بأنه كان يحكم بغير ما أنزل الله" [انظر: صفحة 78].
وتكفير معاوية: على أنه كان يحمل غلاً كامناً، وكفراً باطناً" [انظر: صفحة79].
وتكفير عائشة أم المؤمنين: حيث كذب على النبي أن رسول الله قام خطيباً فأشار نحو مسكن عائشة وقال:
ورفضنا عامة أصحابه، وطرحنا ما تفردوا بنقله، إلا من علمنا من الصلاح كسلمان والمقداد وعمار بن ياسر وأبي ذر وأشباههم من أتقياء الصحابة وأجلائهم المقررين في كتب الرجال عندنا" [وصول الأخيار إلى أصول الأخبار لحسين بن عبد الصمد العاملي ص84].
ثم بيّن الحكم العام فقال:
"فصحح العامة كلها وجميع ما يروونه غير صحيح" [وصول الأخيار إلى أصول الأخبار ص94].
وقد بالغوا في هذا إلى أن جاوزوا جميع الحدود حتى قالوا:
الأصل في التشريع عندهم هو مخالفة أهل السنة، وما روى عنهم وعن أعيانهم وعلى رأسهم أصحاب رسول الله r، وما يرونه من الرأي كما نقلنا ذلك سابقاً وكما سنذكره بعد قليل.
وبهذا يظهر أنهم لا يؤمنون بالأصل الثاني من أصول الشريعة الإسلامية وهو السنة، ولا تغتر بأنهم يدَّعون ذلك! فدعواهم في هذا لا تختلف عن دعواهم في الإيمان بالقرآن، لأن ما روي بطرقهم عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، عن رسول الله r فنزر يسير جداً أيضاً، وما روي عن جعفر عن باقر بن زين العابدين عن الحسين عن علي فهو أقل القليل، وصحاحهم الأربعة وكتبهم في الحديث الأخرى تشهد على ما قلناه.
وكذلك ما روي عن أصحاب النبي الصلاة الذين لم يرتدوا من بين أصحاب رسول الله r أجمعين – حسب زعمهم – أي المقداد وأبي ذر وسلمان فلم يرووا عنهم عن رسول الله r في كتبهم أنفسهم إلا ما يعد على الأنامل.
أضف إلى ذلك أن جل المرويات بل كلها عن علي رضي الله عنه وعن هؤلاء الأصحاب الثلاثة ليست من قسم المتواتر بل هي أخبار آحاد.
والآحاد لا توجب العلم عند الشيعة قاطبة ولا العمل عند الجمهور، وهو الرأي الراجح عند الشيعة، لا كما ظنه السيد الدكتور وافي وصرح به في كتيبه [انظر: بين الشيعة وأهل السنة ص45] فيقول العاملي:
"ثم الأخبار، منها المتواتر: وهو ما رواه جماعة يحصل العلم بقولهم بعدم إمكان تواطئهم على الكذب عادة، ويشترط ذلك في كل طبقاتهم صحيحاً كان أو غير صحيح، وهو مقبول لوجوب العمل بالعلم، وهذا لا يكاد يعرفه المحدثون في الأحاديث لقلته.. وحديث الغدير متواتر عندنا" [وصول الأخيار إلى أصول الأخبار ص92].
وأما الآحاد فقد قال شيخهم المفيد في ذلك في كتابه العقائدي المشهور تحت عنوان "القول في أخبار الآحاد":
"وأقول: إنه لا يجب العلم ولا العمل بشيء من أخبار الآحاد.. وهذا مذهب جمهور الشيعة وكثير من المعتزلة والمحكمة وطائفة من المرجئة وهو خلاف لما عليه متفقهة العامة (أي أهل السنة) وأصحاب الرأي" [أوائل لمقالات في العقائد والمختارات للمفيد ص139].
ومثل ذلك ذكر العاملي عن الشريف المرتضى الملقب بعلم الهدى عند الشيعة وجماعة من كبار العلماء حيث قال:
والسيد المرتضى رحمه الله تعالى وجماعة من كبار علمائنا منعوا من العمل به محتجين بعدم الدليل الدال على وجوب العمل به. وإذا لم يقم دليل على وجوب العمل لم يعمل به، كما أنه لم يقم دليل على وجوب صلاة سادسة. قالوا: وما نقلتموه من أن الصحابة ومن بعدهم كانوا يعملون بأخبار الآحاد، فهي أيضاً أخبار آحاد لا تفيد علماً، والعمل بخبر الواحد مسألة أصولية ولا يجوز أن يكون مستندها ظناً، فكيف تعلمون أن الله تعبّدكم بالعمل بخبر الواحد؟ وبعد التسليم بصدق هذه الأحاديث؟ إنما علم لكم أن الصحابة عملوا عندها لا بها. فجاز أن يكونوا تذاكروا بها نصاً أو تأيد بها عندهم دليل آخر، فالتساوي حاصل الشك، والتوقف فرض من فقد الدليل القاطع" [رسول الأخيار إلى أصول الأخبار ص186].
وهذا مع أن رواة الشيعة الذين عليهم مدار نقل الأحاديث الشيعية رواة مختلفون في توثيقهم وتضعيفهم، فشخص واحد يوثق ويحكم بعدالته وهو نفسه يضعف ويحكم بفسقه بل كفره، لا من قبل المهرة والنقاد في الحديث والرجال بل من قبل المعصومين – حسب زعم الشيعة – أنفسهم، والذين عصمتهم: "كعصمة الأنبياء، وأنهم لا يجوز منهم صغيرة إلا ما قدم ذكر جوازه على الأنبياء، وأنه لا يجوز لهم سهو في شيء من الدين، ولا ينسون شيئاً من الأحكام، وعلى هذا مذهب سائر الإمامية" [أوائل المقالات للمفيد ص74].
وخير مثال لذلك رواة الشيعة الأربعة الذين هم مدار الروايات الشيعية ومحورها.
وهم أقطاب الأحاديث وأوتادها لدى القوم، عليهم تدور رحى الروايات زرارة بن أعين، وأبو بصير الليث المرادي، ومحمد بن مسلم، وبريد بن معاوية العجلي، الذين قال فيهم إمام الشيعة السادس المعصوم – حسب زعمهم – جعفر بن الباقر:
"ما أجد أحداً أحيا زكرنا وأحاديث أبي إلا زرارة، وأبو بصير ليث المرادي، ومحمد بن مسلم، وبريد بن معاوية العجلي، ولولا هؤلاء ما كان أحد يستنبط هذا، هؤلاء حفاظ الدين وأمناء أبي على حلال الله وحرامه، وهم السابقون إلينا في الدنيا والسابقون إلينا في الآخرة" [رجال الكشي ص124، 125 –ط مؤسسة الأعلمي للمطبوعات بالعراق تحت ذكر زرارة بن أعين].
فانظر ماذا يقول فيهم القوم من توثيقهم وتضعيفهم، ومن المدح فيهم واللعن عيهم، فزرارة بن أعين قال فيه جميل بن دراج أحد رواة الشيعة المشهورين:
"ما كنا حول زرارة بن أعين إلا بمنزلة الصبيان في الكتاب حول المعلم" [رجال الكشي ص123].
وقال فيه جعفر بن محمد الباقر:
"رحم الله زرارة بن أعين، لولا زرارة ونظراؤه لاندرست أحاديث أبي" [رجال الكشي ص124].
وقال فيه علي بن موسى الرضا – الإمام الثامن المعصوم لدى الشيعة: "أترى أحداً كان أصدع بحق من زرارة" [رجال الكشي ص130].
وقال فيه النجاشي: "زرارة شيخ أصحابنا في زمانه ومتقدمهم، وكان قارئاً فقيهاً متكلماً شاعراً أديباً، قد اجتمعت فيه خلال الفضل والدين" [رجال النجاشي ص125-ط قم إيران].
وقال علي بن داود الحلي: "زرارة كان أصدق أهل زمانه وأفضلهم، قال فيه الصادق عليه السلام: "لولا زرارة لقلت إن أحاديث أبي لتذهب" [كتاب الرجال لابن داود الحلي ص156-ط طهران].
ومثل ذلك قال ابن المطهر الحلي [انظر: رجال العلامة الحلي ص76].
وقال الحائري: "أجمعت العصابة على تصديقه والانقياد له به" [جامع الرواة ج1 ص324].
ومثل ذلك الزنجاني [انظر الجامع في: الرجال ج1 ص789].
هذا – والكشي روى في كتابه عن علي بن أبي حمزة عن أبي عبد الله (جعفر) قال:
"قلت: الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم، قال (جعفر): أعاذنا الله وإياك من ذلك الظلم، قلت: ما هو؟
قال (جعفر) : هو والله ما أحدث زرارة وأبو حنيفة وهذا الضرب.
قال: قلت: الزنا معه؟
قال: "الزنا ذنب" [رجال الشكي ص131، 132].
ومثل ذلك روي عن أبي بصير وعن هارون بن خارجة.
وروى الكشي أيضاً عن كليب الصيداوي أنهم كانوا جلوساً ومعهم عزافر الصيرفي وعدة من أصحابهم، معهم أبو عبد الله رضي الله عنه، قال: فابتدع أبو عبد الله من غير ذكر لأبي زرارة فقال: "لعن الله زرارة، لعن الله زرارة، لعن الله زرارة ثلاث مرات" [رجال الكشي ص135].
وروي أيضاً عن عمران الزعفراني [قد حاول بعض الشيعة التوفيق بين هذه الروايات بقوله: إن الروايات التي وردت في ذم زرارة والقدح فيه فإنها ضعيفة لوجود محمد بن عيسى في إسنادها. انظر: نقد الرجال للتفرشي ص137، مع أن أكثر الروايات التي ورد فيها الذم لزرارة والقدح فيه ليس في إسنادها محمد بن عيسى بل هي مروية بطرق متعددة كثيرة]، سمعت أبا عبد الله رضي الله عنه يقول: ما أحدث أحد في الإسلام ما أحدث زرارة من البدع عليه لعنة الله" [رجال الكشي ص134].
وعن ليث المرادي أنه قال: سمعت أبا عبد الله رضي الله عنه يقول:
"لا يموت زرارة إلا تائهاً" [رجال الكشي ص134].
وروى عن القصير أنه قال:
"استأذن زرارة بن أعين وأبو الجارود، على أبي عبد الله رضي الله عنه قال: يا غلام! أدخلهما، فإنهما عجلا المحيا وعجلا الممات" [رجال الكشي ص135].
وهذا هو زرارة الذي قالوا فيه:
"أفقه الأولين ستة، وأفقه الستة زرارة" [نقد الرجال للتفرشي ص137].
وعدد من أصحاب محمد الباقر وأصحاب جعفر بن الباقر [انظر رجال البرقي ص14 و16، ورجال الطوسي ص123 و201].
وأنه من أصحاب موسى بن جعفر الكاظم أيضاً [انظر: رجال الطوسي ص350، وكتاب الرجال للبرقي ص47].
فرجل كهذا الذي أدرك ثلاثة من الأئمة المعصومين حسب زعم الشيعة وروى عنهم، يختلفون فيه هذا الاختلاف، يوثقونه بأعلى ألفاظ التوثيق ويضعفونه بأدنى درجة التضعيف، مرة يقولون فيه: إن أبا عبد الله جعفر بن محمد الباقر – الإمام السادس المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى – قال له:
"يا زرارة! إن اسمك في أسامي أهل الجنة" [رجال الكشي ص122].
وقال عن زرارة:
"أما ما رواه زرارة عن أبي جعفر فلا يجوز لي رده" [رجال الكشي ص122].
ومرة قال فيه:
"زرارة شر من اليهود والنصارى ومن قال: إن الله ثالث ثلاثة، وقال: إن مرض فلا تعده، وإن مات فلا تشهد جنازته" [رجال الكشي ص142].
وروى الكشي أيضاً عن ميسر أنه قال:
"كنا عند أبي عبد الله فمرت جارية في جانب الدار على عنقها قمقم قد نكسته، قال: فقال أبو عبد الله رضي الله عنه: فما ذنبي أن الله قد نكس زرارة كما نكست هذه الجارية هذا القمقم" [رجال الكشي ص142].
وأما أبو جعفر أعني محمداً الباقر فكان يعتقد فيه بأنه من جواسيس الحكام وعيونهم عليه. وأنه يبلغ إليهم أخباره وأعماله كما روى الكشي أيضاً عن هشام بن سالم أنه قال:
"إن زرارة سأل أبا جعفر (محمداً الباقر) عليه السلام عن جوائز العمال؟ فقال: لا بأس به.
ثم قال (أبو جعفر محمد الباقر): إنما أراد زرارة أن يبلغ هشاماً – ابن عبد الملك – إني أحرم أعمال السلطان" [رجال الكشي ص139].
وعلى ذلك كان يكره ابنه جعفر أن يدخل عليه زرارة كما روى الكشي عن الوليد بن صبيح قال:
"مررت بروضة من المدينة فإذا إنسان قد جذبني، فالتفت فإذا أنا بزرارة، فقال لي: استأذن لي على صاحبك، قال: فخرجت من المسجد ودخلت على أبي عبد الله عليه السلام فأخبرته الخبر، فضرب بيده على صدره، ثم قال أبو عبد الله عليه السلام: لا تأذن له، لا تأذن له، لا تأذن له، فإن زرارة يريدني على كبير السن، وليس من ديني ولا دين آبائي" [رجال الكشي ص142].
وأما زرارة نفسه فكان يشك في علم جعفر بن الباقر وإمامته وإمامة ابنه موسى الكاظم كما روى الكشي صريحاً عن ابن مسكان أنه قال:
"سمعت زرارة يقول: رحم الله أبا جعفر، وأما جعفر فإن في قلب عليه لفتة" [رجال الكشي ص131].
وكما روي عن زياد بن أبي الهلال في رواية طويلة أن زرارة قال له عن أبي عبد الله جعفر:
"صاحبكم هذا ليس له بصر بكلام الرجال" [رجال الكشي ص133].
وأما موسى بن جعفر الملقب بالكاظم فمع أن الشيعة ورجالهم يعدون زرارة من أصحابه، لكن الكشي يصرح في عديد من الروايات أنه لم يعتقد بإمامته، ونورد هنا رواية عن نضر بن شعيب عن عمة زرارة قالت:
"لما وقع زرارة واشتد به قال:
ناوليني المصحف، فناولته وفتحته ووضعته على صدره وأخذه مني، ثم قال:
يا عمة! اشهدي أن ليس لي إمام غير هذا الكتاب" [رجال الكشي ص139].
فهذا هو أحد أساطين الرواية في الحديث عند الشيعة وهذه هي أحواله من حيث التوثيق والتضعيف والتعديل والتجريح عند القوم أنفسهم وفي أم كتاب الرجال عندهم.. تلك التي تناول تراجم الرواة والمحدثين والعلماء لدى هذه الطائفة، والتي قالوا فيها: "أهم الكتب في هذا الموضوع من مؤلفات المتقدمين هي أربعة كتب، عليها المعول وهي الأصول الأربعة في هذا الباب، وهي:
1ـ رجال الكشي.
2ـ رجال النجاشي.
3ـ رجال الطوسي.
4ـ الفهرست للطوسي.
وأقدم هذه الكتب الأربعة هو رجال الكشي" [مقدمة رجال الكشي للسيد أحمد الحسيني ص4].
وأما الثاني فهو أبو بصير ليث المرادي، فقد قالوا فيه: إن جعفر بن محمد قال فيه وفي أصحابه:
"بشر المخبتين بالجنة: بريد بن معاوية العجلي، وأبا بصير البختري المرادي، ومحمد بن مسلم، وزرارة، أربعة نجباء، أمناء الله في حلاله وحرامه لولا هؤلاء انقطعت آثار النبوة واندرست" [رجال الكشي ص152 تحت ذكر أبي بصير ليث المرادي].
"وكان هذا من أصحاب الباقر وأصحاب جعفر أيضاً كم ذكر ذلك البرقي في رجاله" [ص13 وص18، أيضاً رجال الطوسي ص134 وص278].
"وعده من أصحاب موسى الكاظم أيضاً" [ص358].
ومثل ما روي عن جعفر فيه بأنه من المبشرين بالجنة، روى عن أبيه محمد الباقر أيضاً نفس ذلك.
وأنه لولاه لانقطعت آثار النبوةاندرست" [كتاب الرجال لابن داود الحلي ص392، 393].
وعده في القسم الأول من الرجال يعني من الثقات.
وذكره النجاشي أيضاً بأنه من أصحاب الباقر وجعفر بن الباقر، وله كتاب يرويه جماعة [رجال النجاشي ص225].
كما عده ابن المطهر الحلي من الثقات الذين يعتمد على روايتهم [رجال العلامة الحلي ص137].
وكذلك التفرشي في كتابه، وقال: إنه من أصحابنا الإمامية [نقد الرجال للتفرشي ص287].
ورووا عن ميل بن دراج أنه قال:
أوتاد الأرض وأعلام الدين أربعة: أحدهم ليث بن البختري المرادي [جامع الرواة للحائري ج2 ص34].
كما ذكر القمي عن شعي العقرقوفي أنه قال:
"قلت لأبي عبد الله (ع): ربما احتجنا أن نسأل عن شيء؟ فمن نسأل؟ قال:
عليك بالأسدي يعني أبا بصير، والخبر في أعلى درجة الصحة [انظر: الكنى والألقاب ج1 ص18-ط قم إيران].
وروى الكشي فيه عن داود بن سرحان أنه قال:
"إني لأحدث الرجال الحديث وأنهاه عن الجدال والمراء في دين الله، فأنهاه عن القياس فيخرج من عندي فيتأول حديثي على غير تأويله، إني أمرت قوماً أن يتكلموا، ونهيت قوماً، فكل يؤول لنفسه، يريد المعصية لله ولرسوله، فلو سمعوا وأطاعوا لأودعتهم ما أودع أبي أصحابه، إن أصحاب أبي كانوا زيناً، أحياء وأمواتاً، وأعني زرارة ومحمد بن مسلم ومنهم ليث المرادي وبريد العجلي، هؤلاء القوامون بالقسط، هؤلاء القوامون بالقسط، وهؤلاء السابقون أولئك المقربون" [رجال الكشي ص152].
وأيضاً ما رواه عن شعيب العقرقوفي عن أبي بصير أنه قال:
"دخلت على أبي عبد الله (ع) فقال لي: حضرت علياً عند موته؟
قال: قلت: نعم! وأخبرني أنك ضمنت له الجنة وسألني أن أذكرك ذلك. قال: صدق. قال:
فبكيت، ثم قلت: جعلت فداك، فما لي ألست كبير السن الضعيف الضرير البصير المنقطع إليكم فاضمنها لي. قال:
قد فعلت. قال: قلت: اضمنها لي على آبائك وسميتهم واحداً واحداً. قال: فعلت. قلت:
فاضمنها لي على رسول الله r . قال: قد فعلت.
قال: قلت: اضمنها لي على الله تعالى. قال: فأطرق ثم قال: قد فعلت" [رجال الكشي ص152].
هذا من جانب، وهذه المبالغة من ناحية، ومن ناحية أخرى روى فيه الكشي عن حماد الناب أنه قال:
"جلس أبو بصير على باب أبي عبد الله ليطلب الإذن، فلم يؤذن له، فقال أبو بصير:
لو كان معنا طبق لأذن. قال: فجاء كلب فشغر [شغر الكلب: رفع رجله ليبول] في وجه أبي بصير، قال: أف أف، ما هذا؟
قال جليسه: هذا كلب شغر في وجهك" [رجال الكشي ص155].
وروى الكشي: أنه كان يدخل بيوت الأئمة وهو جنب [انظر: رجال الكشي ص152].
وكان أبو بصير هذا دائماً يتهم جعفر بن الباقر بجمعه للمال وحبه للدنيا، كما روى الكشي عديداً من الروايات في هذا المعنى، منها ما رواه عن ابن أبي يعفور أنه قال:
"خرجت إلى السواد أطلب دراهم للحج ونحن جماعة وفينا أبو بصير المرادي قال: قلت له:
يا أبا بصير! اتق الله وحج بمالك فإنك ذو مال كثير، فقال: اسكت فلو أن الدنيا وقعت لصاحبك لاشتمل عليها بكسائه" [رجال الكشي ص152].
وأيضاً عن حماد بن عثمان أنه قال:
"خرجت أنا وابن أبي يعفور وآخر إلى الحيرة أو إلى بعض المواضع فتذكرنا الدنيا، فقال أبو بصير المرادي:
أما إن صاحبكم لو ظفر بها لاستأثر بها؟ قال: فأغفى، فجاء كلب يريد أن يشغر عليه فذهبت لأطرده، فقال ابن أبي يعفور: دعه، فجاءه حتى شغر في أذنه" [رجال الكشي ص154].
وكان لا يؤمن بإمامة موسى بن جعفر، كما كان يتهمه بعدم العلم ومعرفة الأحكام، كما روى الكشي أيضاً عن شعيب العقرقوفي عن أبي بصير قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن امرأة تزوجت ولها زوج، فظهر عليها قال: ترجم المرأة ويضرب الرجل مائة سوط لأنه لم يسأل. قال شعيب:
فدخلت على أبي الحسن – موسى بن جعفر – فقلت له: امرأة تزوجت ولها زوج؟
قال: ترجم المرأة ولا شيء على الرجل. قال: فلقيت أبا بصير فقتل: سألت موسى بن جعفر عليه السلام عن المرأة التي تزوجت ولها زوج. قال: ترجم المرأة ولا شيء على الرجل. قال (شعيب) : فمسح صدره وقال (أبو بصر) : ما أظن صاحبنا تناهى حكمه بعد" [رجال الكشي ص153، 154].
وفي رواية أخرى: فضرب بيده على صدره يحكها وقال: "أظن صاحبنا ما تكامل علمه" [رجال الكشي ص154].
وروى الكشي عن علي بن الحسن بن فضال أنه قال:
"إن أبا بصير كان مختلطاً" [رجال الكشي ص155].
وأخيراً ما قاله ابن الغضايري: "كان أبو عبد الله عليه السلام يتضجر به ويتبرم، وأصحابه يختلفون في شأنه" [جامع الرواة للأردبيلي الحائري ج2 ص34].
فهذا هو الرجل الثاني من رواة الشيعة الكبار ونقله أحاديثهم، تضاربت فيه الآراء وتعارضت فيه الأقوال، حتى لا يدرى على أيها يعتمد: على توثيق الرجل وصحة مروياته، أم على تضعيف الرجل وعدم وثاقته وخطأ الاعتماد على مروياته وأخباره؟.
وأما الثالث فمحمد بن مسلم ليس شأنه وحاله بأحسن من أحوالهم، كما أن الآراء المتعارضة ليست بأقل مما ذكرت وسردت فيهما، فهذه هي مقولات القوم فيه، فيقول النجاشي:
"محمد بن مسلم بن رباح أبو جعفر الأوقسي الطحان مولى ثقيف الأعور، وجه أصحابنا بالكوفة، فقه ورع، صحب أبا جعفر وأبا عبد الله عليهما السلام وروى عنهما، وكان من أوثق الناس لهما" [رجال النجاشي ص226].
وذكره الطوسي أيضاً أنه من أصحاب الباقر [رجال الطوسي ص135].
ومن أصحاب جعفر بن الباقر أيضاً [رجال الطوسي ص300].
كما ذكره البرقي أيضاً من أصحابهما [انظر: كتاب الرجال للبرقي ص9، 17].
وذكره ابن داود في القسم الأول من الموثوقين [كتاب الرجال للمحلي ص336].
وذكر ابن المطهر الحلي نقلاً عن الكشي: أن محمد بن مسلم من حواري أبي جعفر محمد بن علي وابنه جعفر بن محمد الصادق عليهما السلام" [رجال العلامة الحلي ص150].
وهو الذي روى فيه الكشي كما سبق أن جعفر بن محمد قال: إنه من النجباء الأربعة الذين حفظوا آثار النبوة وأخبارها، كما روى الكشي أيضاً أنه روى عن أبي جعفر محمد الباقر ثلاثين ألف حديث، وروى عن ابنه جعفر ستة عشر ألف حديث [انظر: رجال الكشي ص146].
وأيضاً ما رواه عن هشام بن سالم أنه قال:
أقام محمد بن مسلم بالمدينة أربع سنين يدخل على أبي جعفر عليه السلام يسأله، ثم كان يدخل على جعفر بن محمد يسأله. قال أبو أحمد:
"فسمعت عبد الرحمن بن الحجاج وحماد بن عثمان يقولان: ما كان أحد من الشيعة أفقه من محمد بن مسلم" [رجال الكشي ص149، 150].
وروى التفرشي عن الكشي أيضاً عن عبد الله بن أبي يعفور قال: "قلت لأبي عبد الله عليه السلام: إنه ليس كل ساعة ألقاك، ويمكن القدوم ويجيء الرجل من أصحابنا وليس عندي كل ما يسألني عنه. قال:
فما يمنعك من محمد بن مسلم الثقفي، فإنه سمع من أبي وكان عنده وجيهاً" [نقد الرجال للتفرشي ص333، 334] فهذا هو محمد بن مسلم، وهذه هي مكانته وهذا هو شأنه.
ولكن هناك ما يعارض هذا الرأي ويخالفه كما رواه الكشي أيضاً عن مفضل بن عمر أنه قال:
سمعت أبا عبد الله يقول:
"لعن الله محمد بن مسلم، كان يقول: إن الله لا يعلم الشي حتى يكون" [رجال الكشي ص155].
وأيضاً ما رواه عن أبي الصباح أنه قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول:
"يا أبا الصباح! هلك المتريثون [الظاهر أن الصحيح المستريبون أي الذين يشكون في أديانهم] في أديانهم، منهم: محمد بن مسلم" [رجال الكشي ص156].
وكذلك قال جعفر بن محمد في زرارة ومحمد بن مسلم:
"إنهما ليسا بشيء في ولايتي" [رجال الكشي ص151].
وأما الرابع وهو يريد بن معاوية فهو أيضاً من أصحاب الباقر وجعفر بن الباقر [انظر: رجال الطوسي ص108، 158، أيضاً كتاب الرجال للبرقي ص14، 17].
ذكر فيه الكشي عن جعفر بن محمد أنه كان يقول:
"أوتاد الأرض وأعلام الدين أربعة، أحدهم بريد بن معاوية" [رجال الكشي]، وروى أيضاً عنه أنه قال:
"ما أجد أحداً أحيا ذكرنا وأحاديث أبي إلا زرارة وأبو بصير ومحمد بن مسلم وبريد بن معاوية العجلين ولولا هؤلاء ما كان أحد يستنبط هذا، هؤلاء حفاظ الدين وأمناء أبي على حلال الله وحرامه، وهم السابقون إلينا في الدنيا والسابقون إلينا في الآخرة" [رجال الكشي ص125].
وأيضاً "هؤلاء القوامون بالقسط، هؤلاء قوامون بالصدق، هؤلاء السابقون أولئك المقربون" [رجال الكشي ص207].
ثم الكشي هذا يروي عن أبي سيار قال: سمعت أبا عبد الله عيه السلام يقول: "لعن الله بريداً ولعن الله زرارة" [رجال الكشي ص208].
وروى أيضاً عن عبد الرحيم القصير أنه قال:
"قال أبو عبد الله عليه السلام: ائت زرارة وبريداً وقل لهما: ما هذه البدعة؟ أما علمتم أن رسول الله r قال: "كل بدعة ضلالة"، فقلت له: إني أخاف منهما، فأرسل معي ليثاً المرادي، فأتينا زرارة فقلنا له ما قال أبو عبد الله عليه السلام، فقال: والله لقد أعطاني الاستطاعة وما شعر، وأما بريد فقال: والله لا أرجع عنها أبداً" [رجال الكشي ص208].
فهؤلاء هم رواة الأحاديث الشيعية الأربعة، عليهم تدور رحى أخبارهم وأحاديثهم، يختلفون فيهم هذا الاختلاف الشديد ويسردون فيهم الآراء المتعارضة المتناقضة، وكلها من المعصومين، روايات تثبت عدالتهم وتوثيقهم وتنص على صحة عقيدتهم وكونهم من أهل الجنة، وروايات تنقى عنها كل هذا وتنص على فسقهم وكونهم ملعونين على لسان المعصومين، بل وكفرهم وكونهم من أهل النار!!.
فمن يك هذا شأنهم، وهذه أحواله، فبأي شيء يحكم على مروياتهم وأخبارهم التي رووها؟!
إنما هم نماذج اخترناها من بين الكثيرين، الكثيرين ممن لا يقل وصفهم بالتعديل والتجريح وبالتوثيق والتضعيف وبالتبشير والتكفير عن هؤلاء الأربعة الذين هم أبرز الرواة قاطبة من بين رواة الشيعة، وقد أدركوا زمن الأئمة الثلاثة من بين الأئمة الاثنى عشر لدى الشيعة، ويعدون من كبار أصحابهم ونقلة آثارهم، فبأي شيء يحكم على الأحاديث الشيعية من جهة القبول والرد، ومن جهة الصحة والضعف؟
وعلى أية قاعدة مطردة تبنى الأحكام، وعلى أي أسس توضع المصطلحات؟
فهل من مفكر يتفكر؟ ومدبر يتدبر؟.
إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار.
وببيان هذه الأشياء كلها وتفصيل القول فيها يظهر بأن معتقد الشيعة في الأصل الثاني للشريعة الإسلامية لا يختلف عن معتقدهم في الأصل الأول، بل ويزيد الأمر خطورة أنهم لا يعتقدون بهذا الأصل الثاني إطلاقاً فعلاً، ولو أنهم يدعون الاعتقاد به قولاً، لأنهم زيادة على ما ذكرناه يجعلون لدليل العقل تأثيراً في قبول الحديث ورده.
ولشيخ طائفة الشيعة الطوسي بحث مشهور في هذا الموضوع وقد يروون في ذلك روايات كثيرة، وبهذه الروايات بدأ الكليني كتابه (الكافي) مع أن المعروف أن العقل قاصر عن إدراك كنه كثير من الأحكام الإلهية الربانية.
ولأن العقول متفاوتة متفاضلة، يقص بعضها عن إدراك ما تدركه الأخرى، فأي عقل يكون حكماً في الموضوع؟ ولمن تكون الحجة حينذاك؟.
ويظهر من هذا كله أن الذين وضعوا (الديانة) الشيعية لم يضعوها إلى لمخالفة المسلمين كلهم ومخالفة ما يؤمنون به من القرآن والسنة، وما يعتقدون به من الآراء والأفكار كي لا يتحدوا ويتفوقا معهم يوماً من الأيام ولا تجمع كلمتهم ويتألف شملهم، وعلى ذلك اختلقوا روايات كثيرة على لسان أئمتهم – كذباً عليهم – أن على الشيعة أن يخالفوا المسلمين في جميع الأمور حتى جعلوا هذه المخالفة أصلاً من أصول المذهب وأساساً من أسسه كما رواه ابن بابويه القمي عن علي بن أسباط أنه قال:
"قلت للرضا عليه السلام: يحدث الأمر لا أجد بداً من معرفته، وليس في البلد الذي أنا فيه من أستفتيه من مواليك؟
قال: فقال: إيت فقيه البلد فاستفته في أمرك، فإذا أفتاك بشيء فخذ بخلافه فإن الحق فيه" [عيون أخبار الرضا لابن بابويه القمي ج1 ص275-ط طهران، ومثله في (التهذيب) للطوسي].
ورووا أيضاً عن الحسين بن خالد عن الرضا أنه قال:
"شيعتنا، المسلمون لأمرنا، الآخذون بقولنا، المخالفون لأعدائنا، فمن لم يكن كذلك فليس منا" [الفصول المهمة في أصول الأئمة للحر العاملي ص225-ط مكتبة بصيرتي قم إيران].
وروى أيضاً عن المفضل بن عمر أنه قال عن جعفر بن محمد الباقر:
كذب من زعم أنه من شيعتنا وهو متوثق بعروة غيرنا" [الفصول المهمة في أصول الأئمة للحر العاملي ص225-ط مكتبة بصيرتي قم إيران].
وهناك روايات أخرى كثرة في هذا المعنى بلغت التواتر كما صرح بذلك محدث الشيعة وصاحب موسوعة حديثية شيعية كبرى (وسائل الشيعة) الحر العاملي بعد ذكر هذه الروايات وغيرها تحت باب مستقل بعنوان (باب عدم جواز العمل بما يوافق العامة وطريقتهم):
أقول: والأحاديث في ذلك متواترة.. فمن ذلك قول الصادق عليه السلام في الحديثين المختلفين:
اعرضوهما على أخبار العامة، فما وافق أخبارهم فذروه، وما خالف أخبارهم فخذوه.
وقوله عليه السلام (يعني جعفر بن الباقر):
إذا ورد عليكم حديثان مختلفان فخذوا بما خالف القوم.
وقوله عليه السلام:
ما خالف العامة ففيه الرشاد.
قوله عليه السلام:
خذ بما فيه خلاف العامة.
وقوله عليه السلام:
ما أنتم والله على شيء مما هم فيه، ولا هم على شيء مما أنتم فيه، فخالفوهم، فما هم من الحنيفية على شيء.
وقوله عليه السلام:
والله ما جعل الله لأحد خيرة في اتباع غيرنا، وإن من وافقنا خالف عدونا، ومن وافق عدونا في قول أو عمل فليس منا ولا نحن منه.
وقول العبد الصالح عليه السلام في الحديثن المختلفين:
خذ بما خالف القوم، وما وافق القوم فاجتنبه.
وقول الرضا عليه السلام:
إذا ورد عليكم خبران متعارضان فانظروا إلى ما يخالف منهما العامة فخذوه، وانظروا بما يوافق أخبارهم فدعوه.
وقول الصادق عليه السلام:
"والله ما بقي في أيديهم شيء من الحق إلا استقبال الكعبة فقط" [الفصول المهمة في أصول الأئمة للحر العاملي ص325، 326].
وبعد ذكر هذه الروايات رد على بعض المتأخرين فمن يظن بأن الأخبار في هذا المعنى لا تخرج عن كونها آحاداً، وقال:
"والأحاديث.. قد تجاوزت حد التواتر، فالعجب من بعض المتأخرين حيث ظن ان الدليل هنا خبر واحد.. واعلم أنه يظهر من هذه الأحاديث المتواترة بطلان أكثر القواعد الأصولية المذكورة في كتب العامة" [الفصول المهمة في أصول الأئمة للحر العاملي ص325، 326].
وأما علة مخالفة المسلمين في معتقداتهم ومروياتهم فيذكرها ابن بابويه القمي الملقب بالصدوق عند الشيعة في كتابه (علل الشرائع) تحت باب (العلة التي من أجلها يجب الأخذ بخلاف ما تقوله العامة) :
عن أبي إسحاق الأرجاني رفعه قال:
قال أبو عبد الله عليه السلام: أتدري لم أمرتم بالأخذ بخلاف ما تقوله العامة؟ فقلت: لا ندري، فقال:
"إن علياً عليه السلام لم يكن يدين الله بدين إلا خالف عليه الأمة إلى غيره إرادة لإبطال أمره، وكانوا يسألون أمير المؤمنين عليه السلام عن الشيء الذي لا يعلمونه، فإذا أفتاهم جعلوا له ضداً من عندهم ليلبسوا على الناس" [علل الشرائع لابن بابويه القمي ص531 ط – إيران].
فتلك هي المؤامرة، وهذه هي حصيلتها، أي إنكار كل ما يؤمن به المسلمون، قرآناً كان أم سنة. وأكثر من ذلك أن الشيعة بتصريحهم أنفسهم لا يجتمعون مع المسلمين على الإله، ولا على نبي، ولا على إمام كما صرح بذلك كبيرهم نعمت الله الجزائري بقوله:
"إنا لا نجتمع معهم على الإله، ولا على نبي، ولا على إمام، وذلك أنهم يقولون: إن ربهم هو الذي كان محمد r نبيه، خليفته بعده أبو بكر، ونحن لا نقول بهذا الرب، ولا بذلك النبي، بل نقول: إن الرب الذي خليفة نبيه أبو بكر ليس ربنا، ولا ذلك النبي نبينا" [الأنوار النعمانية باب نور في حقيقة دين الإمامية وأنه يجب اتباعه دون غيره ج2 ص278 – ط جديد تبريز إيران].
فالعبارة واضحة جلية في معناها لا تحتاج إلى بيان وتفسير وتفهيم من يظن من مخدوعي أهل السنة بأباطيل الشيعة وأكاذيبهم بأن الخلاف بينهم وبين المسلمين أهل السنة اختلاف يسير لا يخرج عن حيز الاجتهاد المسموح به [بين الشيعة وأهل السنة مقدمة ص4]
وليس كما يقوله السيد الدكتور في مبحثه (الشيعة والسنة النبوية) :
"ولجميع هذه الآراء أشباه ونظائر كثيرة في آراء أهل السنة أنفسهم وليس منها ما يمكن أن يوصف صاحبه بزيغ أو انحراف" [بين الشيعة وأهل السنة ص47].
إن الأمر ليس كما وصفت أيها السيد! الدكتور منحنا الله وإياك قلباً نفقه به، وأعيناً نبصر بها، وآذاناً نسمع بها.. وما ذلك على الله بعزيز.. لأن الحكمة ضالة المؤمن فهو أحق بها حيث وجدها.
فمن يرد الله أن يهديه يشح صدره للإسلام.

الباب الرابع
الشيعة الإثنا عشرية ونزول الوحي والملائكة بعد الرسل
إن السيد الدكتور وافي ذكر في الباب الثاني أيضاً عند كلامه عن الشيعة والسنة النبوية أن الشيعة يعتقدون العصمة والإلهام في أئمتهم [بين الشيعة وأهل السنة ص48].
ثم اعتذر لهم بثبوت الإلهام لكثير من الصحابة، وأنه لا لوم في هذا الاعتقاد، كما نفى عن الشيعة اعتقادهم بنزول الوحي بعد رسول الله r على أحد [انظر بين الشيعة وأهل السنة ص43].
مع أن سيادته لم يدر حقيقة مذهب الشيعة في هذا كالمعهود عنه، أو تجاهل – لا قدر الله – تسامحاً وتكرماً وتحبباً وتقرباً إليهم، لأن الشيعة يعتقدون نزول الوحي على أئمتهم وعن طريق جبريل وعن طريق ملك أعظم وأفضل من جبريل، فإن أئمتهم في الحديث بوبوا أبواباً مستقلة في هذا الخصوص ولو تفضل سيادته بإلقاء النظرة العابرة الخاطفة على فهارس كتبهم في الحديث دون تحمل العناء والمشقة في قراءة الروايات وتلاوة الأخبار المروية الواردة في هذا الباب لعلم يقيناً بأن القوم في هذا الباب أيضاً يختلفون مع الأمة المسلمة اختلافاً كلياً، وينتهجون مسلكاً بعيداً عن مسلكهم ومذهبهم كل البعد. ونحن نكتفي لبيان معتقداتهم المعارضة لعقائد الأمة أجمعها بذكر عناوين بعض الأبواب التي زينوا بها صحاحهم ومجاميعهم في أوصاف أئمتهم من الكتب المعتمدة الموثوق بها المعتبرة في الحديث لديهم، ولا نسرد كل الروايات التي أوردوها في هذه الأبواب من تلك الكتب، بل نكتفي بخبر أو خبرين من الأخبار الكثيرة الكثيرة التي رووها فيها، ليحق الله الحق ويبطل الباطل ولو كره المجرمون.
فيروي محمد بن الحسن الصفار المتوفى سنة 290ه الذي يعدونه من أصحاب الإمام المعصوم الحادي عشر – حسب زعمهم – الحسن العسكري [رجال الطوسي ص436].
ويعدونه "ثقة، عظيم القدر، راجحاً، قليل السقط في الرواية" [انظر رجال النجاشي ص251، وابن داود ص307، وجامع الرواة ج2 ص93، وخلاصة الرجال ص73، والكنى والألقاب ج2 ص37].
و"ثقة جليلاً، صدوقاً" [وسائل الشيعة ج20 ص39 وص323 ط سادسة طهران].
وهو من أساتذة الكليني صاحب الكافي.
كما أن كتابه (بصائر الدرجات الكبرى في فضائل آل محمد) بعد من الكتب المعتمدة المهمة والأصول المعتبرة الشيعية التي عليها اعتماد أئمة الشيعة في الحديث كما صرح بذلك المجلسي والأصفهاني والحر العاملي وغيرهم من أعاظم القوم في هذا الفن [انظر لذلك وسائل الشيعة ج20 ص39، والبحار وغيرهما من الكتب] وخاصة أن له لقاءات ومسائل مع الحسن العسكري المذكور كما صرح بذلك الطوسي في رجاله [انظر لذلك وسائل الشيعة ج20 ص436، والبحار وغيرهما من الكتب].
يروي الصفار ذاك في كتابه هذا في أجزائه العشرة أخباراً كثيرة لا تعد ولا تحصى في إثبات الوحي على أئمة الشيعة ونزول الملائكة عليهم تحت عناوين كثيرة في أبواب شتى، فنبدأ بسرد عناوين الأبواب والروايات:
الباب السادس عشر من الجزء الثامن في أمير المؤمنين أن الله ناجاه بالطائف وغيرها ونزل بينهما جبريل.
وروى تحته روايات عشراً، منها:
"عن حمران بن أعين قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: جعلت فداك، بلغني أن الله تبارك وتعالى قد ناجى علياً عليه السلام؟
قال: أجل! قد كان بينهما مناجاة بالطائف نزل بينهما جبريل" [بصائر الدرجات الكبرى الجزء الثامن الباب السادس عشر ص430-ط إيران].
وروي عن أبي نافع قال:
لما دعا رسول الله r علياً يوم خيبر، فتفل في عينيه وقال له: إذا أنت فتحتها فقف بين الناس، فإن الله أمرني بذلك. قال أبو رافع: فمضى علي عليه السلام وأنا معه، فلما أصبح افتتح خيبر ووقف بين الناس وأطال الوقوف، فقال الناس:
إن علياً عليه السلام يناجي ربه، فلما مكث ساعة أمر بانتهاب المدينة التي فتحها، قال أبو رافع: فأتيت رسول الله r، فقلت: إن علياً عليه السلام وقف بين الناس كما أمرته، قال قوم منهم:
إن الله ناجاه، فقال: نعم يا رافع! إن الله ناجاه يوم الطائف ويوم عقبة ويوم حنين، ويوم غُسِّلَ رسول الله [بصائر الدرجات الكبرى ص431].
وهذا ليس من اختصاصات علي رضي الله عنه حسب معتقد الشيعة، بل يشاركه فيها غيره من الأئمة الاثنى عشر كما يصرح بذلك القوم، ومنها ما رواه الصفار في الجزء التاسع من كتابه تحت عنوان (الباب الخامس عشر في الأئمة عليهم السلام أن روح القدس يتلقاهم إذا احتاجوا إليهم) وروى تحته ثلاثة عشر حديثاً عن أسباط عن أبي عبد الله جعفر أنه قال:
"قلت: تسألون عن الشيء فلا يكون عندكم علمه؟
قال: ربما كان كذلك.
قلت: كيف تصنعون؟
قال: تلقانا به روح القدس" [بصائر الدرجات للصفار الباب الخامس عشر الجزء التاسع ص471].
ثم بوب باباً آخر بعنوان (باب الروح التي قال الله في كتابه: ] وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا [، إنها في رسول الله r وفي الأئمة يخبرهم ويسددهم ويوفقهم).
وذكر تحته خمشة عشر خبراً، منها ما رواه عن أبي بصير قال:
"قلت لأبي عبد الله عليه السلام: جعلت فداك عن قول الله تبارك وتعالى:
] وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلنه نوراً نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم * صراط الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض ألا إلى الله تصير الأمور [. [سورة الشورى – 52 وما بعدها]. قال: يا أبا محمد: خلق والله أعظم من جبرئيل وميكائيل، وقد كان مع رسول الله r يخبره ويسدده، وهو مع الأئمة يخبرهم ويسددهم" [بصائر الدرجات الكبرى للصفار الباب السادس عشر من الجزء التاسع ص475].
وروى مثل هذا الكليني في كافيه تحت عنوان (باب الروح التي يسدد الله بها الأئمة عليهم السلام) عن أسباط بن سالم قال: سأل رجل من أهل هيت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله عز وجل: ] وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا ..[ فقال:
"منذ أن أنزل الله عز وجل ذلك الروح على محمد r ما صعد إلى السماء، وإنه لفينا – وفي رواية: كان مع رسول الله يخبره ويسدده، وهو مع الأئمة من بعده" [الكافي في الأصول كتاب الحجة ج1 ص273 ط طهران].
يتبع باذن الله...
رد مع اقتباس
  #5  
قديم 26-May-2004, 05:28 PM
أبو تراب فرحات السلفى
 
المشاركات: n/a
افتراضي

هذا ولقد أورد الصفار الثقة الجليل الصدوق لدى الشيعة رواية أخرى تحت باب (ما يسأل العالم عن العلم الذي يحدث به من صحف عندهم ازداده أو رواية فأخبر بسر وإن ذلك من الروح):
"عن عبد الله بن طلحة قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام:
أخبرني يا ابن رسول الله r عن العلم الذي تحدثونا به أمن صحف عندكم أم من رواية يرويها بعضكم عن بعض أو كيف حال العلم عندكم؟ قال:
يا عبد الله! الأمر أعظم من ذلك وأجل، أما تقرأ كتاب الله؟.
قلت: بلى! قال: أما تقرأ: ] وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان [ أفترون أنه كان في حال لا يدري ما الكتاب ولا الإيمان؟ قال: قلت: هكذا نقرؤها! قال: نعم، قد كان في حال لا يدري ما الكتاب ولا الإيمان حتى بعث الله تلك الروح فعلمه بها العلم والفهم، وكذلك تجري تلك الروح إذا بعثها الله إلى عبد علمه بها العلم والفهم – وفي رواية: تعرض بنفسه عليه السلام (أي أراد من العبد نفسه)" [بصائر الدرجات الباب السابع عشر من الجزء التاسع ص478، 479].
وعنون باباً آخر بعنوان (باب الروح التي قال الله: ] ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي [ : [سورة الإسراء – 85] إنها في رسول الله r وأهل بيته عليهم السلام يسددهم ويوفقهم ويفقههم).
وذكر تحته اثنى عشر حديثاً، منها ما رواه عن أبي بصير قال:
"سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: ] يسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي [ قال: ملك أعظم من جبرئيل وميكائيل لم يكن مع أحد ممن مضى غير محمد r ، وهو مع الأئمة يسددهم" [بصائر الدرجات الكبرى الباب الثامن عشر من الجزء التاسع ص481].
وأورد هذه الروايات الكليني في (الكافي) عن أبي بصير أيضاً وغيره بلفظ: "وهو من الملكوت" [الكافي كتاب الحجة باب الروح الذي يسدد الله به الأئمة ج1 ص273].
ثم عقد الصفار باباً آخر (باب في الروح التي قال الله عز وجل: ] ينزل الملائكة بالروح من أمره ..[. [سورة النحل – 2] وهي تكون مع الأنبياء والأوصياء) [انظر الباب التاسع عشر من الجزء التاسع ص483].
وذكر تحته روايات عديدة. كما بوّب باباً آخر بعنوان (باب في الإمام أنه يعلم الساعة التي يمضي فيها وما يزاد في الليل والنهار ولا يوكّل إلى نفسه).
وأورد تحته تسع روايات [انظر الباب العشرين من الجزء التاسع ص484].
وقبل أن ننتقل إلى الجزء الآخر من هذا الكتاب نريد أن نذكر أنه ما من كتاب في الأخبار والروايات والحديث عند الشيعة إلا وفيه أبواب مستقلة بمثل هذه الأبواب التي بوبها الصفار، وأورد أصحابها تلك الروايات بعينها أو مثيلاتها التي أوردها الصفار في (بصائر الدرجات)، من المتقدمين والمتأخرين.
فمثلاً يعقد الحر العاملي باباً في كتابه (الفصول المهمة في أصول الأئمة) جاء فيه: إن الملائكة ينزلون ليلة القدر إلى الأرض ويخبرون الأئمة عليهم السلام بجميع ما يكون في تلك السنة من قضاء وقدر، وإنهم يعلمون كل علم الأنبياء عليهم السلام.
ثم سرد تحته روايات كثيرة في هذا المعنى [انظر كتاب الفصول المهمة في أصول الأئمة باب 94 ص145].
كما أنه عقد أبواباً أخرى لبيان هذه العقيدة الواضحة الصريحة الثابتة لدى الشيعة مثل غيره من محدثي الشيعة ومتكلميهم، ونحن نورد بعضاً منها في خاتمة الكلام.
ولقد بوب الصفار أبواباً عديدة في الجزء الثامن من كتابه لبيان أن أئمة الشيعة يوحى إليهم، ويتنزل عليهم الملائكة.
فإنه عنون الباب التاسع من الجزء الثامن بعنوان (باب ما تزاد الأئمة ويعرض على كل من كان قبلهم من الأئمة، رسول الله ومن دونه من الأئمة عليهم السلام).
وروى تحته أحد عشر حديثاً ومنها ما رواه عن سماعة بن مهران قال:
"قال أبو عبد الله عليه السلام: إن لله عالمين، عالماً أظهر عليه ملائكته، وأنبياءه ورسله، فما أظهر عليه ملائكته ورسله وأنبياءه فقد علمناه، وعالماً استأثر به، فإذا بدا لله في شيء منه أعلمناه ذلك، وعرض على الأئمة الذين كانوا من قبلنا" [بصائر الدرجات الكبرى الباب التاسع من الجزء الثامن ص414].
وفي باب آخر بعنوان (باب في الأئمة أنهم يزادون في الليل والنهار، ولولا ذلك لنفد ما عندهم) سرد ثماني روايات، منها ما رواه عن أبي حمزة الثمالي قال:
"قلت: جعلت فداك كل ما كان عند رسول الله r فقد أعطاه أمير المؤمنين بعده، ثم الحسن بعد أمير المؤمنين عليه السلام، ثم الحسين، ثم كل إمام إلى أن تقوم الساعة؟
قال: نعم، مع الزيادة التي تحدث في كل سنة وفي كل شهر، إي والله.. وفي كل ساعة" [بصائر الدرجات الكبرى الباب العاشر من الجزء الثامن ص415].
وما رواه عن بشر بن إبراهيم أنه قال:
"كنت جالساً عند أبي عبد الله عليه السلام إذ جاءه رجل فسأله عن مسألة؟ فقال: ما عندي فيها شيء، فقال الرجل: إنا لله وإنا إليه راجعون، هذا الإمام مفترض الطاعة سألته عن مسألة فزعم أنه ليس عنده فيها شيء، فأصغى أبو عبد الله عليه السلام أذنه إلى الحائط كأن إنساناً يكلمه، فقال:
أين السائل عن مسألة كذا وكذا؟ وكان الرجل قد جاوز أسكفة (عتبة) الباب. قال: هاأنذا، فقال: القوم فيها هكذا. ثم التفت إلي فقال:
لولا نزاد لنفد ما عندنا" [بصائر الدرجات الكبرى الباب العاشر من الجزء الثامن ص416].
ثم أورد باباً آخر (باب في الأئمة أنهم يعرفون بالإخبار من هو غائب عنهم).
وسرد تحته روايات عديدة [بصائر الدرجات الكبرى الباب الحادي عاشر ص416 وما بعد].
وبالمناسبة ما دمنا أوردنا روايات وذكرنا أبوباً من (بصائر الدرجات الكبرى) لثقة الشيعة بالأئمة وعظيم تقديرهم لأوصاف الأئمة نريد أن نذكر باباً آخر عقده في آخر جزء من هذا الكتاب لطرافته ولو أنه لا علاقة له بموضوعنا رأساً، وهو باب عنونه بعنوان (باب في ركوب أمير المؤمنين عليه السلام السحاب، وترقيه في الأسباب والأفلاك).
وأطرف من ذلك أن المعلق على الكتاب وهو علامة الشيعة وحجتهم ميرزه محسن، علق على العنوان بقوله:
ولا يخفى ما في عنوان الباب فإنه لا يختص بعلي عليه السلام بل به، وبالحجة المنتظر عليهما السلام" [بصائر الدرجات الكبرى الباب الخامس عشر من الجزء الثامن ص428، وهامش رقم 1 أيضاً].
وروى تحت هذا الباب روايات عديدة، منها ما روي عن أبي جعفر أنه قال:
"أما إن ذا القرنين قد خير السحابين، فاختار الذلول وذخر لصاحبكم الصعب. قلت: وما الصعب؟
قال: ما كان من سحاب فيه رعد وبرق وصاعقة فصاحبكم يركبه، أما إنه سيركب السحاب ويرقى في الأسباب أسباب السماوات السبع، خمسة عوامر واثنين خراب، وفي رواية أخرى: أسباب السماوات السبع والأرضين السبع" [بصائر الدرجات الكبرى الباب الخامس عشر من الجزء الثامن ص429].
ونرجع إلى موضوعنا فنقول: إن الصفار أدرج في الجزء السابع من الكتاب أيضاً أبواباً كثيرة في هذا الموضوع، وسرد تحتها روايات كثيرة، منها الباب الثاني بعنوان (باب في الإمام بأنه إن شاء أن يعلم العلم لعلم).
منها ما رواه عن عمرو بن سعيد المدائني:
عن أبي عبد الله عليه السلام قال:
"إذا أراد الإمام أن يعلم شيئاً علمه الله ذلك" [بصائر الدرجات الكبرى الباب الثاني من الجزء السابع ص335].
وباباً آخر بعنوان (ما يفعل بالإمام من النكت والقذف والنقر في قلوبهم وآذانهم).
أورد تحته ثلاث عشرة رواية. منها عن الحارث بن مغيرة أنه قال:
"قلت لأبي عبد الله عليه السلام: هذا العلم الذي يعلمه عالمكم أشيء يلقى في قلبه أو ينكت في أذنه، فسكت حتى غفل القوم، ثم قال: ذاك وذاك" [بصائر الدرجات الكبرى الباب الثالث من الجزء السابع ص337].
وفي رواية: فقال: وحي كوحي أم موسى، ورواية أخرى: وقد يكونان معاً" [بصائر الدرجات الكبرى الباب الثالث من الجزء السابع ص337، 338].
وعن النجاشي عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال:
"فينا والله من ينقر في أذنه وينكت في قلبه وتصافحه الملائكة.
قلت: كان، أو يكون، أو اليوم؟
قال: بل اليوم.
قلت: كان، أو اليوم؟
قال: بل اليوم والله يا ابن النجاشي حتى قالها ثلاثاً" [بصائر الدرجات الكبرى الباب الثالث من الجزء السابع ص338].
وباب آخر (باب فيه تفسير الأئمة لوجود علومهم الثلاثة وتأويل ذلك).
وروى تحته روايات منها ما رواها عن علي السائي قال:
"سألت الصادق عليه السلام عن مبلغ علمهم؟ فقال: مبلغ علمنا ثلاثة وجوه: ماض وغابر وحادث، فأما الماضي فمفسر، وأما الغابر فمزبور [أي مكتوب]. وأما الحادث فقذف في القلوب ونقر في الأسماع وهو أفضل علمنا ولا نبي بعد نبينا، وفي رواية: وأما النقر في الأسماع فإنه من الملك" [بصائر الدرجات الكبرى الباب الرابع من الجزء السابع ص338].
وباب آخر (باب في الأئمة عليهم السلام محدثون مفهمون)، وروى تحته ثماني روايات، منها:
"عن الحكم بن عيينة قال: دخلت على علي بن الحسن يوماً فقال لي: يا حكم.. هل تدري ما الآية التي كان علي بن أبي طالب عليه السلام يعرف بها صاحب قتله ويعلم بها الأمور العظام التي كان يحدث بها الناس؟ قال الحكم: فقلت في نفسي: قد وقفت على علم من علم علي بن الحسين أعلم بذلك تلك الأمور العظام. قال: فقلت: لا والله! لا أعلم به، أخبرني بها يا ابن رسول الله r . قال:
والله! قول الله: ] وما أرسلنا من رسول ولا نبي ولا محدث [، فقلت: وكان علي بن أبي طالب محدثاً؟
قال: نعم! وكل إمام منا أهل البيت فهو محدث" [بصائر الدرجات الكبرى الباب الخامس من الجزء السابع ص339، 340].
وفي الباب الذي يليه يبين من هو المحدث، وما هو شأنه؟ بعنوان (باب في أن المحدث كيف صفته؟ وكيف يصنع به؟ وكيف يحدث الأئمة؟).
وأورد تحته ثلاث عشرة رواية، ومنها ما يرويها عن ابن أبي يعفور أنه قال:
"قلت لأبي عبد الله عليه السلام: إنا نقول: إن علياً عليه السلام لينكت في قلبه، أو ينقر في صدره وأذنه؟
قال: إن علياً عليه السلام كان محدثاً. قال: فلما أكثرت عليه قال: إن علياً عليه السلام كان يوم بني قريظة وبني النضير كان جبرئيل عن يمينه وميكائيل عن يساره يحدثانه" [بصائر الدرجات الكبرى الباب السادس من الجزء السابع ص341].
وروى عن علي بن الحسين أنه قال:
"علم علي عليه السلام في آية من القرآن وكتمنا الآية. قال: اقرأ يا حمران فقرأت: وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي. قال: فقال أبو جعفر عليه السلام: وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي ولا محدث. قلت: وكان علي عليه السلام محدثاً؟
قال: نعم! فجئت إلى أصحابنا، فقلت: قد أصبت الذي كان الحكم يكتمنا. قال: قلت: قال أبو جعفر عليه السلام كان يقول: علي عليه السلام محدث، فقالوا لي: ما صنعت شيئاً.. ألا سألته من يحدثه؟
قال: فبعد ذلك إني أتيت أبا جعفر عليه السلام فقلت: أليس حدثني أن علياً عليه السلام كان محدثاً؟
قال: بلى! قلت: من يحدثه؟
قال: ملك يحدثه. قال: قلت: أقول: إنه نبي أو رسول؟
قال: لا. قال: بل مثله مثل صاحب سليمان ومثل صاحب موسى، ومثله مثل ذي القرنين" [بصائر الدرجات الكبرى الباب السادس من الجزء السابع ص344].
وباب آخر ( باب من يلقى شيء بعد شيء يوماً بيوم وساعة بساعة مما يحدث).
وروى تحته عن ضريس أنه قال:
"كنت مع أبي بصير عند أبي جعفر عليه السلام، فقال له أبو بصير: بم يعلم عالمكم جعلت فداك؟
قال: يا أبا محمد! إن عالمنا لا يعلم الغيب، ولو وكل الله عالمنا إلى نفسه كان كبعضكم ولكن يحدث إليه ساعة بعد ساعة" [بصائر الدرجات الكبرى الباب السادس من الجزء السابع ص345].
وروى أيضاً عن أبي بصير قال:
"قلت لأبي عبد الله عليه السلام: جعلت فداك، أي شيء هو العلم عندكم؟ قال: ما يحدث بالليل والنهار والأمر بعد الأمر والشيء بعد الشيء إلى يوم القيامة، وفي رواية أخرى: ما يحدث بالليل والنهار يوماً بيوم وساعة بساعة" [بصائر الدرجات الكبرى الباب السابع من الجزء السابع ص345].
وباب آخر (باب في الأئمة عليهم السلام ورثوا العلم عن رسول الله r وعن علي عليه السلام، وإن العلم يقذف في صدورهم وينكت في آذانهم).
وأورد تحته تسع روايات.
وفي الجزء السادس روى رواية في (باب في أمير المؤمنين عليه السلام أن النبي r علمه العلم كله، وشاركه في العلم ولم يشاركه في النبوة).
عن حمران أنه قال:
"قلت لأبي عبد الله عليه السلام: جعلت فداك: قد بلغني أن الله قد ناجى علياً؟ قال: أجل! قد كان بينهما مناجاة بالطائف ونزل بينهما جبريل، وقال: إن الله علم رسوله الحلال والحرام والتأويل، فعلم رسول الله r علياً عليه السلام علمه كله" [بصائر الدرجات الكبرى الباب العاشر من الجزء السادس ص311].
وعلى ذلك ذكر في الجزء الرابع من كتابه (باب في أن الأئمة يخاطبون ويسمعون الصوت ويأتيهم صور أعظم من جبريل وميكائيل) عن أبي عبد الله أنه قال:
"إنا لنزاد في الليل والنهار، ولو لم نزد لنفد ما عندنا، قال أبو بصير: جعلت فداك من يأتيكم به؟
قال: إن منا من يعاي، وإن منا من ينقر في قلبه كيت وكيت، وإن منا لمن يسمع بأذنه وقعاً كوقع السلسلة في الطست. قال: فقلت له: من الذي يأتيكم بذلك؟
قال: خلق أعظم من جبريل وميكائيل" [بصائر الدرجات الكبرى الباب السابع من الجزء الخامس ص252].
وكذلك روي في الباب الثامن من هذا الجزء بعنوان (باب في الإمام أنه تراءى له جبريل وميكائيل وملك الموت).
وروي تحت روايات "أن جعفراً وأباه الباقر جاءهما جبريل وملك الموت بصورة شيخ طويل جميل أبيض الرأس واللحية، ورجل أدم حسن الوجه والشيمة وكان الأول جبريل، والثاني ملك الموت" [بصائر الدرجات الكبرى الباب الثامن من الجزء الخامس ص253 وص254 الرواية الأولى والثالثة].
وعلى ذلك ينص القوم بأن أئمتهم أفضل من جميع الأنبياء بما فيهم أولو العزم من الرسل وأعلم منهم، كما بوب صاحبنا هذا محمد بن الحسن الصفار (باب في أمي المؤمنين عليه السلام وأولو العزم أيهم أعلم) [بصائر الدرجات الكبرى الباب الخامس من الجزء الخامس ص247].
كما أن الحر العاملي بوب باباً بعنوان (إن النبي والأئمة الاثنى عشر عليهم السلام أفضل من سائر المخلوقات من الأنبياء والأوصياء السابقين، والملائكة وغيرهم، وإن الأنبياء أفضل من الملائكة) [الفصول المهمة في أصول الأئمة باب 101 ص151].
وابن بابويه القمي الملقب بصدوق الشيعة بوب باباً في كتابه بعنوان (أفضلية النبي r والأئمة على جميع الملائكة والأنبياء عليهم السلام) [عين أخبار الرضا ج1 ص262].
ولا يخلو كتاب من كتب الشيعة إلا وفيه أبواب متشابهة في هذا المعنى.
وقد سردوا تحتها روايات أكثر من أن تحصى حسب تعبير محدث الشيعة الحر العاملي [انظر الفصول المهمة ص154].
منها ما رووا عن أبي جعفر أنه قال لأحد أتباعه: "يا عبد الله! ما تقول الشيعة في علي عليه السلام وموسى وعيسى [انظر قوة القوم وإساءة أدبهم في حق أنبياء الله ورسله حيث لا يستعملون اسم واحد من أئمتهم إلا ويعقبونه بكلمة عليه السلام، وإنما يذكرون أنبياء الله ورسله فيبخلون بالصلاة والسلام عليهم]؟ قال:
قلت: جعلت فداك، وعن أي حالات تسألني؟
قال: أسألك عن العلم، فأما الفضل فهم سواء.
قال: قلت: جعلت فداك، فما عسى أقول فيهم.
فقال: هو والله أعلم منهما" [بصائر الدرجات الباب الخامس من الجزء الخامس ص248، الفصول المهمة ص151].
ورووا عن ابنه جعفر أنه قال:
"إن الله خلق أولي العزم من الرسل وفضلهم بالعلم، وأورثنا علمهم وفضلهم، وفضلنا عليهم في علمهم، وعلم رسول الله r ما لم يعلموا، وعلمنا علم رسول الله r وعلمهم" [بصائر الدرجات ص248، الفصول المهمة ص152].
وهناك باب آخر بعنوان (باب أن الأئمة عليهم السلام أفضل من موسى والخضر عليهما السلام).
ثم روى تحته روايات عديدة، منها ما رواه عن أبي جعفر محمد الباقر أنه قال:
لقد سأل موسى العالم (يعني الخضر) مسألة لم يكن عنده جوابها، ولقد سأل العالم موسى مسألة لم يكن عنده جوابها، ولو كنت بينهما لأخبرت كل واحد منهما بجواب مسألته، ولسألتهما عن مسألة لا يكون عندهما جوابها" [بصائر الدرجات الكبرى الباب السادس من الجزء الخامس ص250].
هذا وإننا لنرى بأن ما أوردناه من الأبواب وسردناه من الروايات يكفي لبيان الحق والحقيقة، والمعتقدات الأصيلة الشيعية في أئمتهم حول نزول الوحي والملائكة عليهم، وأنه لا فرق بينهم وبين أنبياء الله ورسله حيث أنهم يخاطبون ويكلمون، ويقذف في قلوبهم، ويلقى في مسامعهم، وتنزل عليهم الملائكة، جبرئيل ومن دونه وفوقه، ويناجيهم الرب جل وعلا – تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً – ولا نريد إكثار الروايات المملة في هذا الموضوع مع وجود أضعاف الأضعاف منها في (بصائر الدرجات) وغيره من الكتب المعتبرة الموثقة المعتمدة [ومن أراد الاستزادة فعليه أن يرجع إلى كتب التفسير والحديث فإنها مليئة بمثل هذه الخرافات والترهات] لدى الشيعة، كما نريد أن نبين ههنا أنه لم يكن اختيارنا كتاب (بصائر الدرجات) هذا لبيان معتقدهم في نزول الوحي والملائكة على أئمتهم مع وجود هذه الروايات في كتب الحديث والتفسير الأخرى إلا أن صاحب (البصائر) وهو الصفار من أقدم المحدثين الشيعة وشيخ مؤلفي الصحاح الأربعة أو شيخ شيخهم.
وأيضاً فإن هذا الكتاب لم يؤلف إلا لسرد الروايات الشيعية من الأئمة المعصومين المزعومين في فضائلهم، وإننا لندرك أننا أكثرنا الروايات في هذا البحث خلاف البحوث المتقدمة لأننا لم نورد هذا المبحث وهذه الروايات في كتبنا الأربعة عن الشيعة [الشيعة والسنة، والشيعة وأهل البيت، والشيعة والقرآن، والشيعة والتشيع فرق وتاريخ] ولأنه مهم في فهم أصول الشيعة وعقائدهم.
وجلاء للحق الذي هو واضح وجلي مما سبق نريد أن نذكر بعض العناوين للأبواب التي ذكرها الكليني في (الأصول من الكافي) في هذا الخصوص فقط. وفي كتاب الحجة لا غير كي لا تبقى شبهة لشاك ولا ريب لمرتاب.
فهذه بعض عناوين الأبواب من كتاب الحجة في (الأصول من الكافي) :
باب طبقات الأنبياء والرسل والأئمة.
باب أن الأئمة ولاة أمر الله وخزنة علمه.
باب أن الأئمة خلفاء الله عز وجل في أرضه، وأبوابه التي منها يؤتى.
باب أن الأئمة معدن العلم وشجرة النبوة ومختلف الملائكة.
باب عرش الأعمال على النبي والأئمة.
باب أن الأئمة ورثوا علم النبي وجميع الأنبياء والأوصياء الذين من قبلهم.
باب أن الأئمة عندهم جميع الكتب التي نزلت من عند الله عز وجل وأنه يعرفونها على اختلاف ألسنتهم.
باب ما عند الأئمة من آيات الأنبياء.
باب في أن الأئمة يزدادون في ليلة الجمعة.
باب لولا أن الأئمة يزدادون لنفد ما عندهم.
باب أن الأئمة يعلمون جميع العلوم التي خرجت إلى الملائكة والأنبياء والرسل.
باب أن الأئمة إذا شاءوا أن يعلموا علموا.
باب أن الأئمة يعلمون علم ما كان وما يكون وأنه لا يخفى عليهم الشيء.
باب أن الله عز وجل لم يعلم نبيه علماً إلا أمره أن يعلمه أمير المؤمنين، وأنه كان شريكه في العلم.
باب أن الأئمة محدثون مفهمون.
باب فيه ذكر الأرواح التي في الأئمة.
باب الروح التي يسدد الله بها الأئمة.
باب أن الأئمة لم يفعلوا شيئاً ولا يفعلون إلا بعهد من الله عز وجل وأمر منه لا يتجاوزونه.
باب أن الأئمة تدخل الملائكة بيوتهم، وتطأ بسطهم، وتأتيهم بالأخبار، وهذا آخر ما أردنا ثبته في هذا الباب.
وإن في ذلك لعبرة لأولي الألباب.

الباب الخامس
الشيعة الإثنا عشرية وعقائدهم

الفصل الأول
الرجعة
من الأفكار اليهودية المدسوسة بين المسلمين والتي تولى كبر إثمها ابن اليهودية. البار بها عبد الله بن سبأ.. فكرة الرجعة، أي رجوع الأموات قبل البعث والنشور عند ظهور القائم الشيعي المعدوم المزعوم، من أئمتهم وأتباعهم، مع أعدائهم ومخالفيهم لينتقموا منهم ويشفوا صدورهم كما ذكر المجلسي خاتمة محدثي الشيعة:
ويرجع للدنيا يوم ظهور حضرة القائم عليه السلام مَن مَحَض الإيمان محضاً أو محض الكفر محضاً، فيرجع أعداؤه لينتم منهم في هذا العالم ويشاهدون من ظهور كلمة الحق وعلو كلمة أهل البيت ما أنكروه عليهم، فتكون رجعة الكفار لينالهم عقاب شديد" [حياة القلوب للمجلس ج3 فصل 35 ص303 نقلاً عن (عقيدة الشيعة) لدونالدس ط عربي].
وهذا الاعتقاد كاد أن يكون من المجمع عليه عند الشيعة، لا خلاف بينهم في ذلك، ولم يشذ فيه أحد ممن يعتد به ويعتمد على قوله كما ذكر الحر العاملي مستدلاً على صحة الرجعة وإمكانها ووقوعها. بإجماع جميع الشيعة الإمامية وإطباق الشيعة الاثنى عشرية على صحة اعتقاد الرجعة فلا يظهر منهم مخالف يعتد به من العلماء السابقين ولا اللاحقين، وقد علم دخول المعصوم في هذا الإجماع بورود الأحاديث الواردة عن النبي r وعن الأئمة عليهم السلام، الدالة على اعتقادهم بصحة الرجعة حتى إنه قد ورد ذلك عن صاحب الزمان محمد بن الحسن المهدي عليه السلام في التوقيعات الواردة عنه وغيرها مع قلة ما ورد عنه في مثل ذلك من نسبة ما ورد عن آبائه عليهم السلام" [الإيقاظ من الهجعة بالبرهان على الرجعة للحر العاملي صاحب (وسائل الشيعة) ص34 ط المطبعة العلمية – قم – إيران].
ومثل ذلك ذكره أيضاً مفسر الشيعة القديم أبو علي الطبرسي في تفسيره تحت قول الله عز وجل: ] ويوم نحشر من كل أمة فوجاً ممن يكذب بآياتنا فهم يوزعون [ واستدل بهذه الآية على صحة الرجعة من ذهب إلى ذلك من الإمامية بأن قال: إن دخول من في الكلام يوجب التبعيض، فدل ذلك على أن اليوم المشار إليه في الآية يحشر فيه قوم دون قوم، وليس ذلك صفة يوم القيامة، الذي يقول فيه سبحانه: ] .. وحشرناهم فلم نغادر منهم أحداً [.
"وقد تظاهرت الأخبار عن أئمة الهدى من آل محمد r في أن الله سيعيد عند قيا المهدي قوماً ممن تقدم موتهم من أوليائه وشيعته ليفوزوا بثواب نصرته ومعونته ويبتهجوا بظهور دولته، ويعيد أيضاً قوماً من أعدائه لينتقم منهم وينالوا بعض ما يستحقونه من العذاب في القتل على أيدي شيعته والذل والخزي بما يشاهدون من علو كلمته .. على أن جماعة من الإمامية تأولوا ما ورد من الأخبار في الرجعة على رجوع الدولة والأمر والنهي دون رجوع الأشخاص وإحياء الأموات، وأولوا الأخبار الواردة في ذلك لما ظنوا أن الرجعة تنافي التكليف. وليس ذلك، لأنه ليس فيها ما يلجئ إلى فعل الواجب والامتناع من القبيح والتكليف يصح معها كما يصح مع ظهور المعجزات الباهرة والآيات القاهرة كفلق البحر وقلب العصا تعباناً وما أشبه ذلك، ولأن الرجعة لم تثبت بظواهر الأخبار المنقولة فيتطرق التأويل عليها، وإنما المعول في ذلك على إجماع الشيعة الإمامية وإن كانت الأخبار تعضده وتؤيده" [تفسير مجمع البيان لأبي علي الطبرسي ج4 ص234، 235].
وقبله قال بهذا القول الشريف المرتضى الملقب عند الشعة بعلم الهدى في جواب أسئلة سئل بها عن حقيقة الرجعة فأجاب:
"بأن الذي تذهب إليه الشيعة الإمامية أن الله تعالى يعيد عند ظهور المهدي قوماً ممن تقدم موته من شيعته وقوماً من أعدائه" [انظر أعيان الشيعة ج1 الجزء الأول ص132 الطبعة الأولى دمشق].
وقبله شيخ المرتضى وإمام متكلمي الشيعة وفقهائها، محمد بن النعمان الملقب بالمفيد قال:
اتفقت الإمامية على وجوب رجعة كثير من الأموات إلى الدنيا قبل يوم القيامة" [انظر أوائل المقالات ص52].
وقال في موضع آخر في مقالاته تحت عنوان (القول في الرجعة):
أقول: إن الله تعالى يرد قوماً من الأموات إلى الدنيا في صورهم التي كانوا عليها، فيعز منهم فريقاً ويذل فريقاً ويديل المحقين من المبطلين والمظلومين منهم من الظالمين، وذلك عند قيام مهدي آل محمد عليهم السلام وعليه السلام.
وأقول: إن الراجعين إلى الدنيا فريقان: أحدهما من علت درجته في الإيمان وكثرت أعماله الصالحات وخرج من الدنيا على اجتناب الكبائر والموبقات، فيريه الله عز وجل دولة الحق ويعزه بها ويعطيه من الدنيا ما كان يتمناه، والآخر من بلغ الغاية في الفساد وانتهى في خلاف المحقين إلى أقصى الغايات وكثر ظلمه لأولياء الله واقترافه السيئات، فينتصر الله تعالى لمن تعدى قبل الممات ويشفي غيظهم منه بما يحله من النقمات، ثم يصير الفريقان من بعد ذلك إلى الموت ومن بعده إلى النشور وما يستحقونه من دوام الثواب والعقاب، وقد جاء القرآن بصحة ذلك، تظاهرت به الأخبار، والإمامية بأجمعها عليه إلا شذاذ منهم تأولوا ما ورد فيه مما ذكرناه على وجه يخالف ما وصفناه" [أوائل المقالات ص90].
ونقف هنا برهة يسيرة لنلقي نظرة على مغالطة الدكتور وافي سواء وقع فيها أو أراد إيقاع الناس فيها حيث كتب تحت عنوان الرجعة:
"للرجعة في عقيدة الشيعة الجعفرية مظهران:
النوع الأول: من الرجعة في عقائدهم وهو رجوع الإمام المهدي بمعنى ظهوره من مخبئه وهو موضع اتفاق عندهم، بل هو عماد مذهبهم.
وأما النوع الثاني: وهو رجعة الأبرار والأشرار رجعة مؤقتة فليس من العقائد المتفق عليها عندهم، بل إن كثيراً منهم لينكر هذا النوع من الرجعة" [بين الشيعة وأهل السنة ص57].
ثم كتب في الهامش: انظر أوائل المقالات وتصحيح الاعتقادات للشيخ المفيد، وهو من كبار شيوخهم" [الهامش رقم 47].
ويتلخص ردنا في النقاط التالية:
أولاً: إن السيد الدكتور لا يدري إطلاقاً مذهب الشيعة الجعفرية في الرجعة حيث قال: "إن رجعة الأبرار والأشرار رجعة مؤقتة فليس من العقائد المتفق عليها عندهم. بل إن كثيراً منهم لينكر هذا النوع من الرجعة" لأننا كما ذكرنا سابقاً وكما نحن بصدد ذكره أن الشيعة الجعفرية أو الإمامية أو الاثنى عشرية كلهم تقريباً متفقون على هذه العقيدة من أعيانهم وكبرائهم ومشائخهم من المحدثين والمفسرين والفقهاء والكلاميين.
وعلى ذلك قال الحر العاملي:
"فلا يظهر منهم مخالف يعتد به من العلماء السابقين واللاحقين، وقد علم دخول المعصوم في هذا الإجماع" [انظر الإيقاظ من الهجعة ص34].
وبذلك قال صدوق الشيعة ورئيس محدثيهم ابن بابويه القمي في كتابه الكلامي تحت عنوان (باب الاعتقاد في الرجعة):
"اعتقادنا يعني معشر الإمامية في الرجعة أنها حق" [نقلاً عن كتاب الهجعة ص39، 40].
وقال الملا باقر المجلسي صاحب (بحار الأنوار) بعد سرد الأخبار الكثيرة عن الرجعة:
اعلم يا أخي أني لا أظن أنك قد ترتاب بعد ما مهدت وأوضحت لك بالقول في الرجعة التي أجمعت عليه الشيعة في جميع الأعصار واشتهرت بينهم كالشمس في رابعات النهار.. وكيف يشك مؤمن بأحقية الأئمة الأطهار فيما تواترت عنهم من مائتي حديث رواها نيف وأربعون من الثقات العظام والعلماء الأعلام في أزيد من خمسين من مؤلفاتهم" [بحار الأنوار للمجلسي ج13 ص225 الطبعة الأولى المنقول من كتابنا (الشيعة والتشيع) ص360].
ومثل ذلك قال الحر العاملي:
"ومما يدل على ثبوت الإجماع اتفاقهم على أحاديث الرجعة حتى إنه لا يكاد يخلو منه كتاب من كتب الشيعة، ولا تراهم يضعفون حديثاً واحداً منها، ولا يتعرضون لتأويل شيء منها، فعلم أنهم يعتقدون مضمونها لأنهم يضعفون كل حديث يخالف اعتقادهم أو يصرحون بتأويله وصرفه عن ظاهره" [الإيقاظ من الهجعة للحر العاملي المتوفى عام 1104 (الباب الثاني في الاستدلال على صحة الرجعة) ص42، 43].
وقال أيضاً:
"ومما يدل على ذلك أيضاً كثرة النصوص الصريحة الموجودة في الكتب الأربعة وغيرها من الكتب المعتمدة.. ما يزيد على سبعين كتاباً قد صنفها عظماء الإمامية" [ص43 وما بعدها].
وهذا يدل على أن السيد الدكتور مع ادعائه معرفة مذهب الشيعة لا يعرف عنه شيئاً.
أو . . . وإن بعض الظن إثم!!!
ثانياً: إن الدكتور وافي كتب على هامش الكلام: أوائل المقالات للشيخ المفيد وهو من كبار شيوخهم: كأنه يريد أن يفهم القارئ بأن هذا الكلام منقول عن المفيد الذي له مرتبته وشأنه لدى الشيعة.
ولا أدري كيف أبرر له موقفه هذا، وأجد له المعاذير؟.
مع العبارة الصريحة التي نقلناها عن المفيد التي لا غموض فيها ولا إشكال، "هل السيد الدكتور عجز عن فهم كلام المفيد، الذي يفهمه الصغير والكبير" بلا صعوبة أو مشقة؟
أم أن السيد الدكتور لم يعرف عن كتاب المفيد إلا اسمه، وذكر كتابه دون أن يراجعه أو ينظر ما فيه؟
أم علم وقرأ ولكنه.. معاذ الله أن يذهب بي الخيال إلى ما يريد أن يذهب إليه!.
وكلام المفيد واضح جلي كما ذكرناه آنفاً والذي قال في آخره:
"وقد جاء القرآن بصحة ذلك وتظاهرت به الأخبار، والإمامية بأجمعها عليه، إلا شذاذ منهم تأولوا ما ورد فيه مما ذكرناه على وجه يخالف ما وصفناه" [أوائل المقالات للمفيد ص89، 90].
وبعد هذا لا أستيطع أن أعلل كلام الدكتور الذي قال فيه: "إن رجعة الأبرار والأشرار رجعة مؤقتة، فليس من العقائد المتفق عليها عندهم، بل إن كثيراً منهم لينكر هذا النوع من الرجعة: ثم ينسب الكلام إلى (أوائل المقالات) للمفيد.
وإن دلّ هذا على شيء فإنما يدلّ على أن السيد الدكتور ومن حذا حذوه ممن تأثروا بدعوة التقريب في مصر يجهلون مذهب الشيعة وعقائدهم، ولا يعلمون عنه وعنها شيئاً مع ادعائهم العلم والمعرفة، ولا يرددون إلا كلمات ألقيت في مسامعهم مزورة مموهة من قبل المخادعين الماكرين [ويؤيد ذلك أيضاً ما سمعته من شريط أرسل إلى قريباً لأحد كبار الكتاب في مصر والدعاة إلى الإسلام، الذي نحسن الظن فيه حيث أنه ردد فيه مثل تلك الكلمات وبرأ ساحة الشيعة من كثير من المعتقدات التي يعتقدونها هم، وخطأ ناساً يتهمونهم باعتقاد التحريف في القرآن وعدم الاعتماد على السنة، وتكفير صحابة النبي وإتيان الفواحش باسم المتعة، وقال: إنها تهم باطلة بتهمهم بها جاهل غير عالم: مع أن حضرته نفسه جاهل في هذا عالم في غيره.
وما أقبح أن يدافع عالم من علماء السنة وعلم من أعلامها، ويبيح الصلاة خلفهم، وهم الذين يكفرون أبا بكر وعمر وعثمان وأمهات المؤمنين ويغلظون فيهم القول – كما سيأتي بيانه – وكما بيناه مفصلاً في كتابنا (الشيعة وأهل السنة) ولا يؤمنون بالقرآن ولا بالسنة النبوية، وينكرون العقائد الإسلامية الصحيحة ويؤمنون بالأفكار التي أسستها ووضعتها لهم اليهودية الأثيمة. فإنا لله وإنا إليه راجعون. وإلى الله المشتكى.
ألا يدري هذا العالم ومن يحذو حذوه أنه لا يوجد في الشيعة رجل واحد، نعم رجل واحد يدافع عن السنة وأسلافهم هذا الدفاع المميت في بلادهم، بل لا يوجد أحد منهم يقول لهم: لا تسبوا أصحاب رسول الله فإن قوماً من المسلمين يتألمون من فعلكم هذا: بل يوجد فيهم من يقول وهو محدثهم الكبير:
"وهؤلاء (أي أصحاب رسول الله) نتقرب إلى الله تعالى ورسوله ببغضهم، وسبهم، وبغض من أحبهم" (وصول الأخيار إلى أصول الأخبار) لمحدث الشيعة حسين العاملي المتوفى سنة 984 ص164] من الشيعة الذين ترددوا على مصر وعلى البلاد السنية الأخرى التي لم تبتل بالتشيع، ولم يحتج علماؤها ومفكروها إلى معرفة هذه الديانة التي لم تؤسس إلا على أفكار وآراء تعارض الآراء الإسلامية وأفكارها الصحيحة المستقاة من كتاب الله وسنة رسول الله، والمبنية عليهما تماماً.
ومعلوم أن نصوص الكتاب والسنة تخالف هذه العقيدة السخيفة أيضاً حيث أن لا ثواب ولا عقاب ولا جزاء ولا عطاء، ولا حساب ولا كتاب إلا يوم القيامة، وهو يوم الفصل ويوم الدين، يوم البعث ويوم النشور، ويوم الحشر، والآيات القرآنية الناطقة بهذه الحقائق الناصعة أكثر من أن تعد أو تحصى، ومنها ما ذكر فيها حكاية عن المذنبين:
] حتى إذا جاء أحده الموت قال رب ارجعون * لعلي أعمل صالحاً فيما تركت كلا إنها كلمة هو قائلها ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون * فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون * فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون * ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم في جهنم خالدون [ [سورة المؤمنون الآية 99 وما بعدها].
وهذه الآية صريحة في معناها لا تحتمل التأويل أنه ليس بعد الموت إلا البرزخ إلى يوم البعث، ويوم البعث هو اليوم الذي يفصل فيه بين الصالحين وغير الصالحين، ويدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار.
وقال الله عز وجل مبيناً خلقة الإنسان وما إليه يصير في كلامه المحكم:
] ولقد خلقنا الإنسان من سلاسة من طين * ثم جعلناه نطفة في قرار مكين * ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاماً فكسونا العظام لحماً ثم أنشأناه خلقاً آخر فتبارك الله أحسن الخالقين [ [سورة المؤمنون الآية 12 وما بعدها].
وقال الله عز وجل حكاية عن الكفار وأهل النار:
] وكانوا يقولون أئذا متنا وكنا تراباً وعظاماً أئنا لمبعوثون * أبو آباؤنا الأولون * قل إن الأولين والآخرين لمجموعون إلى ميقات يوم معلوم [ [سورة الواقعة الآية 47 وما بعدها].
وقال تعالى:
] زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى وربي لتعبثن ثم لتنبؤن بما عملتم وذلك على الله يسير * فآمنوا بالله ورسوله والنور الذي أنزلنا والله بما تعملون خبير * يوم يجمعكم ليوم الجمع ذلك يوم التغابن ومن يؤمن بالله ويعمل صالحاً يكفر عنه سيئاته ويدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً ذلك الفوز العظيم * والذي كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار خالدين فيها وبئس المصير [ [سورة التغابن الآية 7 وما بعدها].
أي لا يكون البعث إلا يوم الجمع للحساب والكتاب ويوم دخول الجنة والنار، لا قبله.
ومثل ذلك قول الله عز وجل:
] وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور [ [سورة الحج الآية 7].
أي لا يكون بعث من في القبور إلا يوم القيامة.
والآيات في هذا المعنى كثيرة جداً، وكذلك الأحاديث الشريفة الثابتة عن رسول الله r .
وإنها أي مسألة البعث في الدنيا تنافي العقل أيضاً كما فصل القول فيها في الكتب الكلامية.
ولكن الشيعة يعتقدون عكس ذلك ويقولون:
إذا آن قيام القائم ومطر الناس في جمادى الآخرة وعشرة أيام من رجب مطراً لم ير الناس مثله، فينبت الله به لحوم المؤمنين في أبدانهم في قبورهم، فكأني أنظر إليهم مقبلين من قبل جهينة ينفضون رءوسهم من التراب [الإرشاد للمفيد ص363، إعلام الورى للطبرسي ص462، بحار الأنوار للمجلسي ج13 ص223، الصراط المستقيم للنباتي ج2 ص251].
ويقولون:
إن الحسين عليه السلام يرجع إلى الدنيا مع خمسة وسبعين ألفاً من الرجال [الأنوار النعمانية للجزائري ج2 ص98، 99].
وأيضاً ما رووه عن جعفر أنه قال:
إن أمير المؤمنين عليه السلام يرجع مع ابنه الحسين عليه السلام رجعة، وترجع معه بنو أمية، معاوية وآل معاوية، وكل من قاتله، فيعذبهم بالقتل وغيره، ويرجع الله من أهل الكوفة ثلاثين ألفاً، ومن سائر الناس سبعين ألفاً، ويتلاقون في الحرب مع معاوية في ذلك المكان، ثم يحييهم الله سبحانه مرة فيعذبهم مع فرعون وآل فرعون اشد العذاب، ثم يرجع أمير المؤمنين عليه السلام مرة أخرى مع النبي r وجميع الأنبياء عليهم السلام" [الأنوار النعمانية للجزائري ص103].
وأكثر من ذلك أنهم قالوا:
لا يبعث الله نبياً ولا رسولاً إلا رد إلى الدنيا من آدم فهلم جراً حتى يقاتل بين يدي علي بن أبي طالب عليه السلام" [تفسير العياشي ج1 ص281، البرهان ج1 ص295، وبحار الأنوار وغيره].
هذا ولقد سردنا روايات كثيرة في هذا المعنى في كتابنا (الشيعة والتشيع فرق وتاريخ)، ومن أراد الاستزادة فليرجع إلى ذلك.
وهذا يدل على أن عقيدة الرجعة عند الشيعة من العقائد المتفق عليها عندهم، ويعدونها من ضروريات المذهب كما صرح بذلك الحر العاملي [انظر: الإيقاظ من الهجعة ص67، وتاريخ الإمامية وأسلافهم من الشيعة لعبد الله فياض ص170-ط بيروت].
ونقلوا عن جعفر بن محمد الباقر أنه قال:
"ليس منا من لم يؤمن بكرتنا – رجعتنا – ويستحل متعتنا" [من لا يحضره الفقيه لابن بابويه القمي ج3 ص458، وتفسير الصافي للكاشاني 1 ص347].
وقد ألفوا لإثبات هذه العقيدة كتباً كثيرة، منها:
(إثبات الرجعة) للملا باقر المجلسي المتوفى عام 1111ه، و(إثبات الرجعة) لجمال الخوانساري المتوفى سنة 1125ه، و(إثبات الرجعة) للحسن الحلي من علماء الشيعة في القرن السابع، و(إثبات الرجعة) لابن المطهر الحلي المتوفى سنة 726ه، و(إثبات الرجعة) لمير محمد عباس التستري الهندي المتوفى سنة 1306ه، و(إثبات الرجعة) لملا سلطان محمود من تلامذة المجلسي، و(إثبات الرجعة) لسليمان القطيفي المتوفى سنة 1266ه، و(إثبات الرجعة) للفضل بن شاذان النيسابوري المتوفى سنة 260ه، و(إثبات الرجعة) ليحيى البحراني، و(إثبات الرجعة) للميرزا حسن القمي، و(إثبات الرجعة) لمحمد رضا الطبسي، و(الإمامية والرجعة) لعبد الله رزاق الهمداني، و(الإيقاظ من الهجعة بالبرهان على الرجعة) للحر العاملي، و(بشارة الفرج) للملا فرج بن عاشور، و(تفريج الكربة عن المنتقم لهم في الرجعة) لمحمود فتح الله الكاظمي المتوفى سنة 1058ه، و(الجوهر المنضود في إثبات رجعة الموعود) لأحمد بيان الأصفهاني، و(حياة الأموات بعد الموت) لأحمد البحراني المتوفى سنة 1131ه، و(دحض البدعة من إنكار الرجعة) لمحمد علي السنقري، و(دلائل الرجعة) لغلام علي العقيقي، و(الرجعة أحاديثها المنقولة عن آل العصمة) لأحمد بن المحسن، و(الرجعة وظهور الحجة) للميرزا محمد مؤمن الاسترا آبادي المتوفى سنة 1088ه، و(كتاب الرجعة) لمحمد بن مسعود العياشي صاحب تفسير العياشي المشهور، و(كتاب الرجعة) لابن بابويه القمي المتوفى سنة 381ه، و(الرجعة) للملا حبيب الله الكاشاني المتوفى سنة 1340ه، و(النجعة في إثبات الرجعة) لعلي النقي الهندي.
والجدير بالذكر أن هذه العقيدة أعني الرجعة مأخوذة من اليهودية أيضاً كما صرح بذلك جولدزيهر:
"إن فكرة الرجعة ذاتها ليست من وضع الشيعة أو من عقائدهم التي اختصوا بها، ويحتمل أن تكون قد تسربت إلى الإسلام عن طريق المؤثرات اليهودية والمسيحية" [العقيدة والشريعة ص215].
وبمثل ذلك قال أحمد أمين:
"اليهودية ظهرت في التشيع بالقول بالرجعة" [فجر الإسلام ص276].
وهذا ظاهر لا يحتاج في إثباته إلى دليل حيث أن المؤرخين والكتّاب في الفرق والأديان صرحوا أن مؤسس الديانة الشيعية عبد الله بن سبأ هو الذي روج فيهم فكرة الرجعة، وهو أول من قال بها كما نقل الطبري:
"كان عبد الله بن سبأ يهودياً من أهل صنعاء، أمه سوداء فأسلم زمان عثمان، ثم تنقل في بلدان المسلمين يحاول ضلالتهم، فبدأ بالحجاز ثم البصرة ثم الكوفة ثم الشام، فلم يقدر على ما يريد عند أحد من أهل الشام فأخرجوه حتى أتى مصر فاعتمر فيهم فقال لهم فيما يقول:
العجب ممن يزعم أن عيسى يرجع ويكذب بأن محمداً يرجع؟ وقد قال الله عز وجل: إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد.
فمحمد أحق بالرجوع من عيسى، قال: فقبل ذلك عنه، ووضع لهم الرجعة فتكلموا فيها" [تاريخ الطبري ج5 ص98، ومثل ذلك في (مقالات الإسلاميين) للأشعري – ج1 ص50 الهامش – ط مصر].
ويوافق الطبري في هذا غيره من المؤرخين.
وبعد هذا لا يبقى مجال للشك على يهودية الفكرة.
وقبل أن ننتقل إلى موضع آخر نقرر هنا أن القوم لا يعتقدون بالرجعة فحسب، بل يتجاوزونها إلى التناسخ حيث أوردوا روايات كثيرة عن أئمتهم المعصومين حسب زعمهم في ذلك المعنى، منها ما رووا أن أبا جعفر الملقب بمؤمن الطاق عند الشيعة، وشيطان الطاق عند الآخرين لقي يوماً من الأيام أبا حنيفة نعمان بن ثابت الإمام رحمه الله، فسأله أبو حنيفة: إنكم تقولون بالرجعة؟
قال: نعم.
قال أبو حنيفة: فأعطني الآن ألف درهم حتى أعطيك ألف دينار إذا رجعنا.
قال الطاقي لأبي حنيفة: فأعطني كفيلاً بأنك ترجع إنساناً ولا ترجع خنزيراً" [الاحتجاج للطبرسي المتوفى سنة 620ه ج2 ص148، أيضاً الإيقاظ من الهجعة للحر العاملي ص66].
وقد روى النجاشي أنه قال له:
أريد ضميناً يضمن لي أنك تعود إنساناً، فإني أخاف أن تعود قرداً فلا أتمكن من استرجاع ما أخذت مني" [رجال النجاشي ص288، الإيقاظ ص67].
ومثل هذا كثير.
أما محاولة الدكتور علي عبد الواحد واقي وضع هذه العقيدة السخيفة، يهودية الأصل بجانب عقيدة أهل السنة بالمهدي المنتظر فليس إلا عبثاً محضاً.
وكذلك حكمه على الأحاديث الكثيرة عن ذلك المهدي بأن كثيراً منها موضوع، وما بقي منها ضعيف كل الضعف فليس إلا حكماً جائراً غير صحيح لدى المحققين والنقاد المهرة من أهل السنة.

الفصل الثاني
أعمال العباد
إن الشيعة الاثنى عشرية يقولون: إن أفعال العباد غير مخلوقة لله.. وقد روي عن أبي الحسن الثالث عليه السلام أنه سئل عن أفعال العباد: هل هي مخلوقة؟
فقال عليه السلام: لو كان خالقاً لها لما تبرأ منها وقد قال سبحانه وتعالى: إن الله بريء من المشركين ورسوله، ولم يرد البراءة من خلق ذواتهم، وإنما تبرأ من شركهم وقبائحهم" [(شرح اعتقادات الصدوق) للمفيد، الملحق بكتاب (أوائل المقالات) ص187، 188].
وقد قال الحر العاملي في كتابه تحت باب: (إن الله سبحانه خالق كل شيء إلا أفعال العباد):
أقول:
"مذهب الإمامية والمعتزلة أن أفعال العباد صادرة عنهم وهم خالقون لها" [الفصول المهمة في أصول الأئمة ص81].
ولكن شيخهم المفيد كره إطلاق لفظ خالق على أحد من العباد حيث قال تحت عنوان (إ الخلق يفعلون ويحدثون ويخترعون ويصنعون ويكتسبون ولا أطلق عليهم القول بأنهم يخلقون ولا لهم خالقون)" [أوائل المقالات ص64].
وهذا مخالف لصريح القرآن حيث ذكر فيه:
] والله خلقكم وما تعملون [ [سورة الصافات الآية 96].
و ] ذلكم الله ربكم خالق كل شيء لا إله إلا هو . . [ [سورة غافر الآية62].
و ] .. وخلق كل شيء فقدره تقديراً [ [سورة الفرقان الآية2].
و ] ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل شيء فاعبدوه ..[ [سورة الأنعام الآية102].
وأيضاً ] .. قل الله خالق كل شيء وهو الواحد القهار [ [سورة الرعد الآية16].
وأيضاً ] الله خالق كل شيء وهو على كل شيء وكيل [ [سورة الزمر الآية62].
وغير ذلك من الآيات الكثيرة.
ومعروف أن أفعال العباد داخلة في "كل شيء".
وقد أقر بذلك الباقر حيث قال:
"إن الله خلو من خلقه، وخلقه خلو منه، وكل ما وقع عليه اسم شيء ما خلا الله فهو مخلوق، والله خالق كل شيء" [الفصول المهمة ص81].
وأما "نفي نسبة أفعال العباد إلى الله لأن فيها قبيحاً لا يصح أن ينسب إليه" فليس إلا لغواً محضاً؛ لأن الخالق المتعالي خلق كل شيء ثم أخبر الإنسان عن الحسن والقبيح وأمرهم بإتيان الأول واجتناب الثاني وخيرهم في ذلك، وأنار لهم السبل، وأرسل لهم الرسل لبيان الخير والشر، والحق والباطل، والحسن والقبيح، وأعطى لهم عقولاً ليتفكروا بها ويعقلوا، وقلوباً ليتدبروا بها ويتبصروا، قال جل وعلا: ] وهديناه النجدين [ [سورة البلد الآية10].
و ] قل هذه سبيل أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني ..[ [سورة يوسف الآية108].
و ] وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون [ [سورة الأنعام الآية 153].
وقال:
] فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره * ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره [ [سورة الزلزلة الآية 7، 8].
وقال:
] وأن ليس للإنسان إلا ما سعى * وأن سعيه سوف يرى * ثم يجزاه الجزاء الأوفى [ [سورة النجم الآي 39، 40، 41].
أي أن الإنسان ليس مجبوراً محضاً، ولا مختاراً مطلقاً، بل هو بين الجبر والاختيار. إن الله خلق الإنسان، وإن الله يعلم ما سيعمل في حياته ويفعل في مستقبله فخلق أفعاله على علمه ذاك، ويسر له السبل بعد تفويضه الاختيار أن يعمل هذا أو ذاك، وبعد إرشاده أن هذا حسن وذاك قبيح، قال سبحانه وتعالى:
] فأما من أعطى واتقى * وصدق بالحسنى * فسنيسره لليسرى * وأما من بخل واستغنى * وكذب بالحسنى * فسنيسره للعسرى [ [سورة الليل الآية 5-11].
ولم يجبرهم على هذا أو ذاك. قال تعالى:
] ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعاً .. [ [سورة يونس الآية99].
وقال:
] ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة .. [ [سورة هود الآية118].
ومعنى هذا كله أن الله خلق أفعال العباد حسب علمه الذي أحاط بكل شيء.
] . . وكان الله بكل شيء محيطاً [.
و ] وأن الله قد أحاط بكل شيء علماً [ [سورة الطلاق الآية 12].
و ] . . والله بكل شيء عليم [ [سورة النساء الآية 176، وسورة البقرة الآية 282، وسورة النور الآية 35، وسورة الحجرات الآية 16، سورة التغابن الآية 11].
و ] إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء [ [سورة آل عمران الآية 5 ].
و ] .. وسع ربي كل شيء علماً أفلا تتذكرون [ [سورة الأنعام الآية 80].
و ] .. وما يخفى على الله من شيء في الأرض ولا في السماء [ [سورة إبراهيم الآية 38].
وأما عقاب العبد وثوابه، فلا يكون إلا على اكتساب العبد ذلك الفعل والعمل به بعد اختياره على كسب ذلك أو تركه، فإن كان شراً فشر، وإن كان خيراً فخير. لا دخل فيه لقدرة العباد على خلق الأفعال أو على عدم الخلق، وهذا ما صرح الله عز وجل في كتابه بقوله:
] وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير [ [سورة الشورى الآية 30].
وقوله عز وجل:
] ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون [ [سورة الروم الآية 41].
وقوله تبارك وتعالى:
] . . وما ظلمناهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون [ [سورة النحل الآية 118].
فالثواب والعقاب على الاكتساب لا على الخلق وعدم الخلق، وهذه المسألة قد تاهت فيها عقول الشيعة الإمامية فلم يفهموها، لا في ضوء الكتاب ولا السنة – وهم يعتقدون فيهما ما يعتقدون – ولا في ضوء روايات أئمتهم المعصومين حسب زعمهم، كما روى الكليني وغيره عن أبي بصير أنه قال:
"كنت بين يدي أبي عبد الله عليه السلام جالساً فسأله سائل، فقال: جعلت فداك يا ابن رسول الله من أين لحق الشقاء بأهل المعصية حتى حكم لهم بالعذاب على عملهم في علمه؟
فقال أبو عبد الله: أيها السائل علم الله عز وجل لا يقوم له أحد من خلقه بحقه، فلما حكم بذلك وهب لأهل محبته القوة على طاعته ووضع عنهم ثقل العمل بحقيقة ما هم أهله، ووهب لأهل المعصية القوة على معصيتهم لسبق علمه فيهم ومنعهم إطاعة القبول منهم، فوافقوا ما سبق لهم في علمه تعالى ولم يقدروا أن يأتوا حالاً تنجيهم من عذابه، لأن علمه أولى بحقيقة التصديق، وهو معنى شاء ما شاء وهو سره" [الأصول من الكافي باب السعادة والشفاء، ج1 ص152 ط طهران].
وأيضاً ما رواه الكليني عن أبي عبد الله جعفر بن الباقر أنه قال:
لا جبر ولا تفويض ولكنه أمر بين أمرين" [الأصول من الكافي ج1 ص155].
ومثل ذلك روي عن علي بن موسى الرضا – الإمام الثامن لدى الشيعة – وقد رواه يزيد بن عمير أنه قال:
دخلت على علي بن موسى الرضا وقلت له:
يا ابن رسول الله روي لنا عن الصادق جعفر بن محمد عليه السلام أنه قال: لا جبر ولا تفويض ولكنه أمر بين أمرين، فما معناه؟
فقال: وجود السبل إلى إتيان ما أمروا به وترك ما نهوا عنه.
فقلت: فهل لله عز وجل مشيئة وإرادة في ذلك؟
فقال: أما الطاعة فإرادة الله وميشئته فيها الأمر بها والرضا لها والمعاونة عليها، وإرادته ومشيئته في المعاصي النهي عنها والسخط لهما والخذلان عليها.
قلت: فلله عز وجل فيها القضاء؟
قال: نعم ما من فعل يفعله العباد من خير وشر إلا وفيه قضاء" [الفصول المهمة في معرفة أصول الأئمة ص74].
ومثل ذلك روي أيضاً عن جعفر أنه سئل عن الجبر والقدر؟
فقال: لا جبر ولا قدر، ولكن منزلة بينهما" [الفصول المهمة في معرفة أصول الأئمة ص72].
وروى حريز عن جعفر بن محمد أنه قال:
الناس في القدر على ثلاثة أوجه: رجل يزعم أن الله أجبر العبد على المعاصي فهذا قد ظلم الله في حكمه فهو كافر، ورجل يزعم أن الله فوض الأمور إليهم فهذا وهن الله في سلطانه فهو كافر، ورجل يقول: إن الله كلف العباد بما يطيقون، ولم يكلفهم بما لا يطيقون، فإذا أحسن حمد الله، وإذا أساء استغفر الله فهذا مسلم بالغ" [الفصول المهمة للحر العاملي ص71، 72].
فحاصل الكلام: أن العبد ليس بمجبور محض ولا بمختار مطلق، لا كما يزعمه الشيعة:
"أن أفعال العباد صادرة عنهم وهم خالقون لها" [الفصول المهمة للحر العاملي ص81].
لأن العقاب والثواب لا يكون على خلق الأفعال، بل على كسب الأفعال.
وأما قولهم: إن نسبة أفعال العباد إلى الله بأنها مخلوقة له، وفيها قبيح لا تصح" فقول مخالف روايات أئمتهم أيضاً حيث أن أئمتهم قالوا كما ذكر محدثوهم أن الله خلق الشر كما خلق الخير، والشر قبيح بلا شك، فكيف ينسبونه – وهم المعصومون حسب زعمهم – إلى الله؟ وهذه هي رواياتهم:
يروي الكليني عن جعفر بن محمد الباقر أنه قال:
"إن الله كتب في كتبه: إني أنا الله لا إله إلا أنا خلقت الخير والشر، فطوبى لمن أجريت على يده الخير، وويل لمن أجريت على يده الشر" [الأصول من الكافي للكليني ج1 ص154].
ومثل ذلك رواه عن معاوية عن أبي عبد الله أنه كان يقول:
مما أوحى الله تعالى على موسى وأنزل عليه التوراة: أني أنا الله لا إله إلا أنا خلقت الخلق وخلقت الخير، وأجريته على يد من أحب، فطوبى لمن أجريته على يديه، وأنا الله لا إله إلا أنا خلقت الخلق وخلقت الشر وأجريته على يد من أريد، وويل لمن أجريت على يده الشر" [الكافي للكليني ج1 ص154].
ومثل ذلك ذكر القمي في تفسيره عنه أنه قال:
قال الله عز وجل: أنا الله لا إله إلا أنا خالق الخير والشر" [الكافي للكليني ج1 ص154].
فهل من مجيب: الشر قبيح أم لا؟
فكيف نسبه أئمتهم المعصومون – حسب زعمهم – إلى الله عز وجل؟
وهم رووا أيضاً في كتبهم عن جعفر بن محمد الباقر أنه نسب خلق الشقاوة إلى الله أيضاً ولا شك في قبحها كما رواه الكليني عن منصور بن حازم أنه قال:
قال أبو عبد الله عليه السلام: إن الله خلق السعادة والشقاوة قبل أن يخلق الخلق" [الكافي للكليني ج1 ص154].
ثم وما معنى قول الدكتور عبد الواحد وافي:
"يذهب الشيعة الجعفرية إلى أن العبد يحدث أعماله ولكن بقدرة أودعها الله فيه" [بين الشيعة وأهل السنة ص57].
فمن يكون الموجود الحقيقي إذاً؟ هل الذي أوجد قدرة الفعل في خلقه أم الذي خلقت فيه هذه القدرة على ذلك الفعل؟
لأن العبد محروم من قدرة الإيجاد والإبداع، وقدرة الفعل والاكتساب، وما دام الله هو المبدع وهو الخالق فيه هذه القدرة فلا تنسب ثمرته ونتيجته إلا إليه، ولا دخل للإنسان فيه.
فليتدبر الشيعة في جوابه.
وأما كون الرب خالقاً لأفعال العباد فهل يقال إنه فعل ما هو قبيح منه وظلم أم لا؟ فيجيب على ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في الرد على ابن المطهر الحلي بقوله:
فأهل السنة المثبتون للقدرة يقولون: ليس هو بذلك ظالماً ولا فاعلاً قبيحاً، والقدرية يقولون: لو كان خالقاً لأفعال العباد كان ظالماً فاعلاً لما هو قبيح منه، وأما كون الفعل قبيحاً من فاعله فلا يقتضي أن يكون قبيحاً من خالقه، كما أن كونه أكلاً وشرباً لفاعله لا يقتضي أن يكون كذلك لخالقه لأن الخالق خلقه في غيره ولم يقم بذاته، فالمتصف به من قام به الفعل لا من خلقه في غيره كما أنه إذا خلق لغيره لوناً وريحاً وحركة وقدرة كان ذلك الغير هو المتصف بذلك اللون والريح والحركة والقدرة والعلم، فهو المتحرك بتلك الحركة، والمتلون بذلك اللون، والعالم بذلك العلم، والقادر بتلك القدرة، فكذلك إذا خلق في غيره كلاماً أو صلاة أو صياماً أو طوافاً لأن ذلك الغير هو المتكلم بذلك الكلام وهو المصلي وهو الصائم وهو الطائف ولكن من قال: إن الفعل هو المفعول يقول: إن أفعال العباد هي فعل الله، فإن قال: وهو أيضاً فعل لهم لزمه أن يكون الفعل والحد لفاعلين كما يحكى عن أبي إسحاق الأسفرائيني.
وإن لم يقل: هي فعل لهم لزمه أن تكون أفعال العباد فعلاً لله لا لعباده كما يقوله الأشعري ومن وافقه من أصحاب الأئمة الأربعة وغيرهم الذين يقولون: إن الخلق هو المخلوق، وإن أفعال العباد خلق الله، فتكون هي لله وهي مفعول لله كما أنها خلقه وهي مخلوقة، وهذا الذي ينكره جمهور العقلاء ويقولون: إن مكابرة للحس ومخالفة للشرع والعقل.
وأما جمهور أهل السنة فيقولون: إن فعل العبد فعل له حقيقة ولكنه مخلوق لله ومفعول لله، لا يقولون: هو نفس فعل الله، ويفرقون بين الخلق والمخلوق والفعل والمفعول [منهاج السنة لشيخ الإسلام ابن تيمية ج1 ص213، 214].
وبعد بيان هذا كله نلقي نظرة عابرة على أخطاء الدكتور وافي في هذا الفصل القصير أيضاً كما عهدناها في جميع الفصول والأبواب، وعلى محاولاته تبرئة الشيعة من كثير من الانحرافات والزيغ والضلال، وتصويبهم في آرائهم ومعتقداتهم، فيقول:
إن الشيعة الجعفرية يتفقون في بعض نواحي هذه العقيدة مع المعتزلة والقدرية ولكنهم يتقون انحراف المعتزلة بعدم موافقتهم لهم على القول بأن العباد خالقون لأعمالهم، وهو القول الذي انحرف به المعتزلة عن الاعتقاد السليم" [بين الشيعة وأهل السنة ص59].
يتبع باذن الله...
رد مع اقتباس
  #6  
قديم 26-May-2004, 05:34 PM
أبو تراب فرحات السلفى
 
المشاركات: n/a
افتراضي

ومن المؤسف حقاً أن الشيخ لا يعلم وهو في هذه المنزلة من العلم وتلك المرحلة من العمر، وبهذه الجرأة في الإقدام على الكتابة لتبرئة الشيعة ما لزمهم من العار والشنار، والقول بالباطل: إن الشيعة اتقوا انحراف المعتزلة بأن العباد خالقون لأعمالهم ذلك القول الذي انحرف به المعتزلة عن الاعتقاد السليم، بل وقعوا في عين ذلك الانحراف كما نقلنا عن الحر العاملي صاحب موسوعة حديثية شيعية كبرى (وسائل الشيعة) حيث يقول:
مذهب الإمامية هو عين مذهب المعتزلة في أفعال العباد، وهذا هو نص عبارته في كتابه (الفصول المهمة في معرفة أصول الأئمة) تحت الباب السابع والأربعين:
إن الله خالق كل شيء إلا أفعال العباد: أقول: مذهب الإمامية والمعتزلة أن أفعال العباد صادرة عنهم وهم خالقون لها" [الفصول المهمة ص80، 81].
وقد أقر بذلك شيخ الشيعة المفيد في كتابه (أوائل المقالات) تحت باب: القول في العدل والخلق، بعد نفي خلق الأفعال عن الله تعالى:
وعلى هذا القول جمهور أهل الإمامة، وبه تواترت الآثار عن آل محمد r ، وإليه يذهب المعتزلة بأسرها إلا ضراراً منها وأتباعهم وخالف فيه جمهور العامة (أي أهل السنة) وبقايا من عددناهم [أوائل المقالات في المذاهب والمختارات ص63، 64].
ونقل هذه العقيدة عنهم شيخ الإسلام ابن تيمية والشاه عبد العزيز الدهلوي في (التحفة الاثنى عشرية) وغيرهم من علماء أهل السنة والجماعة الذين كتبوا في الرد على الشيعة.
وهذه هي العقيدة المنقولة المتوارثة عن الشيعة قديماً وحديثاً، وقد تجاهلها الدكتور وافي.
وأما تبرئة الدكتور وافي الشيعة وتقريره بأنهم لا يسمون غير الله خالقاً قد انفرد بالخلق والتكوين فليست إلا تبرئة قائمة على حسن الظن وعدم المعرفة بكلام القوم لأن الشيعة ينسبون الخلق إلى غير الله كما مر سابقاً في أفعال العباد، وأيضاً وقد رووه عن فتح بن يزيد الجرجاني أنه قال:
قلت لأبي الحسن عليه السلام: هل غير الخالق الجليل خالق؟
قال: إن الله تبارك وتعالى يقول:
] . . فتبارك الله أحسن الخالقين [.
إن في العباد خالقين وغير خالقين، منهم عيسى عليه السلام خلق من الطين كهيئة الطير بإذن الله. والسامري خلق لهم عجلاً جسداً له خوار" [الفصول المهمة ص81].
وهناك روايات أخرى عن أبي جعفر وغيره تدل على أن الخلق ينسب إلى الملك:
"هو الذي خلق سبع سماوات وسبع أرضين وأشياء".
وكذلك ما رواه الكليني أن ملكين خلاقين يخلقان بإذن الله من ذكر وأنثى وشقي وسعيد" [الكافي للكليني ج1 ص152].
وغير ذلك من الروايات.
ولا أدري مع ذلك كيف أباح الدكتور لنفسه أن يدعي هذا الادعاء؟ وأن يلقن الشيعة ويلقي في أفواههم ما لا يقولونه أنفسهم؟

الفصل الثالث
التقية
ذكر الدكتور وافي فيما من معتقدات الشيعة التقية موافقاً إياهم في جوازها، مستنداً على القرآن والسنة حيث يقول:
إننا نتفق معهم في جواز التقية في المواطن التي يشيرون إليها، والتي أجازها القرآن وأجازتها السنة النبوية الشريفة" [بين الشيعة وأهل السنة ص63].
ولا يعلم الدكتور أن التقية الشيعية مخالفة للقرآن والسنة كل المخالفة، حيث أن معناها الكذب المحض والنفاق الخالص. ولم ترد آية في القرآن تبيح الكذب والنفاق، لا رواية ع رسول الله تجيزهما، بل على العكس من ذلك وردت آيات كثيرة في القرآن وأحاديث عديدة عن رسول الله r تحرم هذا وذاك. ولقد صرح بذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في منهاجه حيث قال:
النفاق والزندقة في الروافض أكثر من سائر الطوائف، بل لا بد لكل منهم من شعبة نفاق فإن أساس النفاق الذي بني عليه الكذب أن يقول الرجل بلسانه ما ليس في قلبه كما أخبر الله تعالى عن المنافقين أنهم ] يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم [ والرافضة تجعل هذا من أصول دينها وتسميه التقية، وتحكي هذا عن أئمة أهل البيت الذين برأهم الله عن ذلك، بل كانوا من أعظم الناس صدقاً وتحقيقاً للإيمان وكان دينهم التقوى، لا التقية.
وقول الله تعالى: ] لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة [ [سورة آل عمران: الآية28]: إنما هو الأمر بالاتقاء من الكفار، لا الأمر بالنفاق والكذب، والله تعالى قد أباح لمن أكره على كلمة الكفر أن يتكلم بها إذا كان قلبه مطمئناً بالإيمان لكن لم يكره أحداً من أهل البيت على شيء من ذلك حتى أن أبا بكر رضي الله عنه لم يكره أحداً، لا منهم ولا من غيرهم على متابعته، فضلاً أن يكرههم على مدحه والثناء عليه، بل كان علي وغيره من أهل البيت يظهرون ذكر فضائل الصحابة والثناء عليهم والترحم عليهم والدعاء لهم، ولم يكن أحد يكرههم على شيء منه باتفاق الناس.
وقد كان في زمن بني أمية وبني العباس خلق عظيم دون علي وغيره في الإيمان والتقوى يكرهون منهم أشياء ولا يمدحونهم، ولا يثنون عليهم، ولا يقربونهم، ومع هذا لم يكن هؤلاء يخافونهم ولم يكن أولئك يكرهونهم مع أن الخلفاء الراشدين كانوا باتفاق الخلق أبعد عن قهر الناس وعقوبتهم على طاعتهم من هؤلاء، فإذا لم يكن الناس مع هؤلاء مكرهين على أن يقولوا بألسنتهم خلاف ما في قلوبهم.. فكيف يكونون مكرهين مع الخلفاء على ذلك، بل على الكذب وشهادة الزور وإظهار الكفر كما تقوله الرافضة من غير أن يكرههم أحد على ذلك، فعلم أن ما تتظاهر به الرافضة هو من باب الكذب والنفاق، وأن يقولوا بألسنتهم ما ليس في قلوبهم، لا من باب ما يكره المؤمن عليه من التكلم بالكفر" [منهاج السنة لشيخ الإسلام ابن تيمية ج1 ص159، 160 ط باكستان].
وهو كما قاله شيخ الإسلام لأن الشيعة لم يؤسسوا دينهم إلا على الكذب والنفاق، ولم يروجوا ديانتهم إلا بإظهار ما لم يعتقدوه في السر وإعلان ما يبطنون خلافه دون أن يجبرهم على ذلك أحد أو يكرههم، وخير مثال لذلك ما رواه الكشي في كتابه عن أبان بن تغلب أنه قال:
قلت لأبي عبد الله عليه السلام: إني أقعد في المسجد فيجيء الناس، فيسألوني، فإني لم أجبهم لم يقبلوا مني، وأكره أن أجيبهم بقولكم، وما جاء منكم؟
فقال لي: انظر ما علمت أنه من قولهم فأخبرهم بذلك" [رجال الكشي ص280 – ط مؤسسة الأعلمي كربلاء – العراق، ومثل ذلك في الأصول الأصلية والقواعد الشرعية ص327 – ط مكتبة المفيد قم – إيران].
ومثل ذلك رواه معاذ بن مسلم النحوي قال:
"قال لي أبو عبد الله عليه السلام: بلغي أنك تقعد في الجامع فتفتي الناس؟
قال: قلت: نعم، وقد أردت أن أسألك عن ذلك قبل أن أخرج، إني أقعد في الجامع فيجيء الرجل فيسألني عن الشيء، فإذا عرفته بالخلاف لكم أخبرته بما يقولون، ويجيء الرجل أعرفه بحبكم أو مودتكم فأخبره بما جاء عنكم.. قال: فقال لي (أي أبو جعفر): اصنع كذا فإن أصنع كذا!" [رجال الكشي ص218 تحت ترجمة معاذ بن مسلم الحراء النحوي].
ومثل ذلك روى أبو بصير عن محمد الباقر قال:
"خالطوهم بالبرانية (أي ظاهراً) وخالفوهم بالجوانية (أي باطناً)" [الكافي في الأصول للكليني ج2 ص220 ط إيران].
وهذه الروايات الثلاثة صريحة في معناها لا تحتاج إلى تشريح وتوضيح لبيان أن التقية الشيعية ليست إلا النفاق بعينها، وهذا هو المعبر عن المنافقين في القرآن الحكيم:
] وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزئون [ [سورة البقرة الآية 14].
وذكره الله في أوصافهم وخصائصهم:
] . . يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم والله أعلم بما يكتمون [ [سورة آل عمران الآية 167].
وإن الروايات الشيعية عن أئمتهم المعصومين – حسب زعمهم – التي تنبئ وتخبر أن التقية الشيعية ليست إلا نفاقاً محضاً، كثيرة جداً، وقد أوردنا الكثير منها في كتابنا (الشيعة والسنة) تحت باب (الشيعة والكذب)، وما لم نوردها فيه نذكر بعضاً منها ههنا زيادة للفائدة والمعرفة، فيروي الكليني في كافيه عن هشام الكندي أنه قال:
سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول:
"إياكم أن تعملوا عملاً يعيرونا به، فإن ولد السوء يعير والده بعمله، كونوا لمن انقطعتم إليه زيناً، ولا تكونوا عليه شيناً، صلوا في عشائرهم، وعودوا مرضاهم، واشهدوا جنائزهم، ولا يسبقونكم إلى شيء من الخير فأنتم أولى به منهم. والله، ما عبد الله بشيء أحب إليه من الخبء. قلت: وما الخبء؟
قال: التقية" [الأصول من الكافي ج2 ص218 ط إيران].
وروي ابن بابويه القمي عن المدرك بن هزهاز أنه قال:
"قال أبو عبد الله عليه السلام: يا مدرك، رحم الله عبداً اجتر مودة الناس إلى نفسه فحدثهم بما يعرفون، وترك ما ينكرون" [كتاب الخصال لابن بابويه القمي 1 ص25 ط إيران].
وكذبوا على أصحاب الكهف حيث اتهموهم بالنفاق وخداع الناس بإظهارهم خلاف ما يبطنون في قلوبهم حيث نقلوا عن جعفر أنه قال:
"ما بلغ التقية أحد تقية أصحاب الكهف إن كانوا ليشهدون الأعياد ويشدون الزنانير فأعطاهم الله أجرهم مرتين" [الأصول من الكافي للكليني ج2 ص218].
مع أن الرب تبارك وتعالى أخبر عكس ذلك حيث ذكر في كلامه المحكم: ] .. إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى * وربطنا على قلوبهم إذا قاموا فقالوا ربنا رب السماوات والأرض لن ندعو من دونه إلهاً لقد قلنا إذاً شططاً * هؤلاء قومنا اتخذوا من دونه آلهة لولا يأتون عليهم بسلطان بيّن فمن أظلم ممن افترى على الله كذباً * وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون إلا الله فأووا إلى الكهف ينشر لكم ربكم من رحمته ويهيئ لكم من أمركم مرفقاً [ [سورة الكهف الآية 13-16].
ولكن القوم يقولون عكس ذلك، ويأمرون الناس بالكذب، وأن يصيروا من المنافقين، الذين قال الله عنهم:
] إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيراً [ [سورة النساء الآية 145].
ومعروف أن الإنسان إذا كان في بلدة يخاف على دينه وعرضه وماله من تعرض المخالفين وجبرهم وظلمهم وقهرهم على عدم إظهار دينه والعمل بأحكامه وتعاليمه، وجب عليه أن يهاجر إلى محل يقدر فيه على إظهار دينه والعمل به كما قال الله عز وجل:
] إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيراً * إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلاً * فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم وكان الله عفواً غفوراً * ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغماً كثيراً وسعة ومن يخرج من بيته مهاجراً إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله وكان الله غفوراً رحيماً [ [سورة النساء الآية 97 وما بعدها].
فأمرهم الرب تبارك وتعالى بالهجرة، إلا المستضعفين منهم، فإنه يجوز لهم المكث مع المخالفة والموافقة بقدر الضرورة، ووجب عليهم أيضاً أن يسعوا في الحيلة للخروج والفرار بدينهم.
نعم، إن وقع شخص في أيدي الكفار، وأجبروه على كلمة الكفر بالتخويف والتهديد والحبس والفتك والقتل، جاز له أن ينطق بتلك الكلمة وقلبه مطمئن بالإيمان، وفي تلك الصورة.. فإن التفوه بهذه الكلمة رخصة وعدم التفوه بها عزيمة، ولو قتل دون ذلك فهو شهيد كما يدل على ذلك ما قاله الرسول الأعظم صلوات الله وسلامه عليه عن رجلين من أصحابه أخذهما مسيلمة الكذاب، فقال لأحدهما:
أتشهد أن محمداً رسول الله؟
قال: نعم، فقال: أتشهد أني رسول الله؟
قال: نعم، ثم دعا الآخر فقال له: أتشهد أن محمداً رسول الله؟
قال: نعم، قال: أتشهد أني رسول الله؟
قال: إني أصم. قالها ثلاثاً، وفي كل يجيبه: إني أصم، فضرب عنقه، فبلغ ذلك رسول الله r فقال:
"أما هذا المقتول فقد مضى على صدقه ويقينه وأخذ بفضله، فهنيئاً له، وأما الآخر فقد رحمه الله تعالى فلا تبعة عليه" [مشكاة المصابيح].
ولكن الشيعة جعلوا النفاق والكذب عزيمة، والصدق والمجاهرة بالحق رخصة، ولا رخصة أيضاً حيث نقلوا عن أئمتهم المعصومين حسب زعمهم – وهم يكذبون عليهم – أنهم قالوا كما رواه الكليني عن جعفر:
يا سليمان، إنكم على دين من كتمه أعزه الله، ومن أذاعه أذله الله" [الكافي للكليني ج2 ص222، كتاب الإيمان والكفر].
وكما رواه الكليني أيضاً عن جعفر أنه قال لأحد أصحابه معلي بن خنيس: يا معلى، اكتم أمرنا ولا تذعه، فإنه من كتم أمرنا ولم يذعه أعزه الله به في الدنيا، وجعله نوراً بين عينيه في الآخرة، يقوده في الجنة.
يا معلى، من أذاع أمرنا ولم يكتمه أذله الله به في الدنيا ونزع النور من بين عينيه في الآخرة، وجله ظلمة تقوده إلى النار.
يا معلى، إن التقية من ديني ودين آبائي، ولا دين لمن لا تقية له" [الأصول من الكافي ج2 ص223، 224].
وروى الكليني أيضاً عن جعفر عن أبيه محمد الباقر أنه قال:
لا والله ما على وجه الأرض شيء أحب إلي من التقية، يا حبيب، إنه من كانت له تقية رفعه الله، يا حبيب، من لم تكن له تقية وضعه الله" [الكافي في الأصول ج2 ص217 كتاب الإيمان والكفر باب التقية].
وعنه أيضاً عن أبي عمر الأعجمي أنه قال:
قال لي أبو عبد الله عليه السلام: يا أبا عمر، إن تسعة أعشار الدين في التقية، ولا دين لمن لا تقية له، والتقية في كل شيء إلا النبيذ والمسح على الخفين" [الكافي: 2/217].
كما روى أيضاً عن جعفر أنه قال:
كان أبي عليه السلام يقول: وأي شيء أقر لعيني من التقية، وإن التقية جنة المؤمن" [الكافي ج2 ص220].
هذا وقد أورد عالم شيعي كبير هو عبد الله شبر في كتابه (الأصول الأصيلة والقواعد الشرعية) روايات كثيرة في وجوب التقية، منها ما رواه عن الحسين بن علي أنه قال:
لولا التقية ما عرف ولينا من عدونا.
وعن محمد الباقر أنه قال:
أشرف أخلاق الأئمة والفاضلين من شيعتنا استعمال التقية.
وعن أبيه علي بن الحسين أنه قال:
يغفر الله للمؤمن كل ذنب ويطهره منه في الدنيا والآخرة ما خلا ذنبين، ترك التقية وتضييع حقوق الإخوان.
وعن موسى بن جعفر أنه قال لرجل:
لو جعل إليك التمني في الدنيا ما كنت تتمنى؟
قال: كنت أتمنى أن أرزق التقية في ديني وقضاء حقوق إخواني، فقال: أحسنت، أعطوه ألفي درهم.
وعن علي بن محمد – الإمام العاشر للشيعة – أنه سئل: من أكمل الناس؟
قال: أعلمهم بالتقية وأقضاهم لحقوق إخوانه إلى أن قال:
فأعظم فرائض الله عليكم بعد فرض موالاتنا ومعاداة أعدائكم استعمال التقية على أنفسكم وأموالكم ومعارفكم، وقضاء حقوق إخوانكم، وإن الله يغفر كل ذنب بعد ذلك ولا يستقصي، فأما هذان فقل من ينجو منهما إلا بعد مس عذاب شديد" [الأصول الأصلية والقواعد الشرعية لعبد الله شبر المتوفى سنة 1242ه ص323، 324 ط قم – إيران].
ورووا أيضاً عن أبي الحسن – إمامهم المعصوم المزعوم – أنه قال:
إن أكرمكم عند الله أتقاكم، قال: أشدكم تقية" [المحاسن للبرقي ص258 باب التقية ط قم – إيران].
وع داود الصرمي أنه قال:
قال لي مولانا علي بن محمد عليه السلام: يا داود، لو قلت: إن تارك التقية كتارك الصلاة لكنت صادقاً" [كتاب السرائر نقلاً عن (الأصول الأصلية) لعبد الله الشبر ص320 ط قم – إيران].
وروى الطوسي في أماليه عن جعفر أنه قال:
ليس منا من لم يلزم التقية" [الأمالي للطوسي نقلاً عن الأصول الأصلية والقواعد الشرعية لعبد الله الشبر].
فهذه هي التقية الشرعية، وهذه هي مكانتها وشأنها عندهم يقول السيد محب الدين الخطيب المصري في رسالته (الخطوط العريضة للأسس التي قام عليها مذهب الشيعة الاثنى عشرية):
"وأول موانع التجاوب الصادق بإخلاص بيننا وبينهم ما يسمونه التقية، فإنها عقيدة دينية تبيح لهم التظاهر لنا بغير ما يبطنون، فينخدع سليم القلب منا بما يتطاهرون له به من رغبتهم في التعاون والتقارب، وهم لا يريدون ذلك، ولا يرضون به، ولا يعملون له" [الخطوط العريضة ص8، 9 الطبعة السادسة].
وأضف إلى قول السيد الخطيب: إن الشيعة لا يظهرون بغير ما يبطنون لنا أهل السنة خاصة. بل إنهم يعودون على الكذب حتى مع أهل مذهبهم كي يصير الكذب والنفاق سجيتهم وطبيعتهم كما روى الطوسي في أماليه أنه قال جعفر لشيعته:
عليكم بالتقية، فإنه ليس منا من لم يجعلها شعاره وداثاره مع من يأمنه ليكون سجيته مع من يحذره" [الأمالي للطوسي نقلاً عن الأصول الأصلية ص220].
فمن يك هذا دينهم، أيقال عنهم: إننا نتفق معهم في جواز التقية في المواطن التي أشير إليها، والتي أجازها القرآن الكريم وأجازته السنة النبوية الشريفة".
ولقد أخطأ السيد الدكتور حيث قال:
وقد أجازها الشيعة الجعفرية" [بين الشيعة وأهل السنة ص61].
لأن الشيعة لا يجيزونها فحسب، بل يوجبونها كما نقلنا عنهم روايات كثيرة في ذلك، وكما صرح به صدوقهم ابن بابويه القمي في اعتقاداته:
"التقية واجبة لا يجوز رفعها إلى أن يقوم القائم، ومن تركها قبل خروجه فقد خرج عن دين الإمامية، وخالف الله ورسوله والأئمة" [الاعتقادات لابن بابويه القمي].
وقال مفيدهم:
"التقية كتمان الحق وستر الاعتقاد فيه، ومكاتمة المخالفين وترك مظاهرتهم بما يعقب ضرراً في الدين أو الدنيا، وفرض ذلك إذا علم بالضرورة أو قوي في الظن" [شرح اعتقادات الصدوق فصل التقية ص241].
وقال في (أوائل المقالات):
إنها قد تجب أحياناً ويكون فرضاً، وتجوز أحياناً من غير وجوب [أوائل المقالات ص135].
ولقد فصلنا القول في ذلك في كتابنا (الشيعة والسنة) وبحثنا فيه عن الأسباب التي ألجأت الشيعة وأرغمتهم على اعتقادها، كما أوردنا فيه روايات كثيرة ونصوصاً عديدة من كتبهم المعتمدة ورجالاتهم الموثوقين، أعرضنا عن إيرادها ههنا تجنباً للتكرار والإطالة، وعلى كل من يريد أن يعرف حقيقة هذه العقيدة فليرجع إليه، فإنه لا غنى عنه.
ونختم الكلام في هذا المبحث برواية يرويها بخاريهم الكليني عن عبد الله بن يعفور أنه قال:
قلت لأبي عبد الله عليه السلام: إني أخالط الناس فيكثر عجبي من أقوام لا يتولونكم ويتولون فلاناً وفلاناً، لهم أمانة وصدق ووفاء، وأقوام يتولونكم ليس لهم تلك الأمانة ولا الوفاء ولا الصدق، قال:
فاستوى أبو عبد الله عليه السلام جالساً، فأقبل علي كالغضبان، ثم قال:
لا دين لمن دان الله بولاية إمام ليس من الله" [الكافي في الأصول ج1 ص237 – ط الهند].
فكيف يكون الصدق والوفاء لقوم أمروا بالكذب والنفاق؟
يقول عالم شيعي هندي هو السيد إمام:
"إن مذهب الإمامية وأهل السنة عينان تجريان إلى مختلف الجهات، وإلى القيامة تجريان هكذا متباعدتين، لا يمكن اجتماعهما أبداً" [مصباح الظلم للسيد إمداد إمام ص41، 42].

الفصل الرابع
البَداء
هنالك عقيدة شيعية أخرى لا تقل شناعة عن العقائد الأخرى التي يختص بها القوم، وهي عقيدة البداء في الله.
ومعنى البداء الظهور بعد الخفاء كما ذكر ذلك السيد محسن الأمين في كتابه (الشيعة بين الحقائق والأوهام) تحت عنوان البداء:
البداء مصدر بدا يبدو بداء أي ظهر، ويستعمل في العرف بمعنى الظهور بعد الخفاء، فيقال: فلان كان عازماً على كذا ثم بدا له فعدل عنه" [الشيعة بين الحقائق والأوهام ص45، 46 الطبعة الثالثة سنة 1977م بيروت].
وبمثل ذلك نقل ابن منظور الأفريقي عن اللغويين حيث قالوا:
البداء استصواب شيء بعد أن لم يعلم.. وقال الفراء: بدا لي بداء أي ظهر لي رأي آخر وأنشد:
لو على العهد لم يخنه لدمنا ثم لم يبد لي سواه بداء
قال الجوهري: وبدا له في الأمر بداء أي نشأ له فيه رأي – وذكر أيضاً -: بدا لي أي تغير لي رأي على ما كان عليه" [لسان العرب ج14 ص66 ط مصر وبيروت].
وفي هذا المعنى استعمل هذا اللفظ في القرآن الكريم:
] . . وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون [ [سورة الزمر الآية 47].
] وبدا لهم سيئات ما كسبوا وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون [ [سورة الزمر الآية 48].
] وبدا لهم سيئات ما عملوا وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون [ [سورة الجاثية الآية 33].
] . . قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر [ [سورة آل عمران الآية 118].
وأيضاً: ] . . فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوآتهما . . [ [سورة الأعراف الآية 22].
ففي كل الآيات استعمل هذا اللفظ بمعنى الظهور بعد الخفاء.
وتجيز الشيعة هذا البداء لله، أي يظهر له أمر بعدما كان خفياً عليه – تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً – كما تنص على ذلك روايات شيعية كثيرة في أمهات كتبهم، المعتمدة الموثوقة، منها مارووه عن جعفر أنه كان يقول بإمامة ابنه إسماعيل بعده، ثم مات إسماعيل في حياته فقال:
ما بدا لله في شيء كما بدا له في إسماعيل ابني" [كمال الدين وتمام النعمة لابن بابويه القمي ج1 ص69 – ط طهران سنة 1395ه، وفرق الشيعة للنوبختي ص64، وكتاب المقالات والفرق لسعد بن عبد الله القمي ص78 ط طهران سنة 1963م، والأنوار النعمانية ج1 ص359 ط إيران]
ومثل ذلك ما رواه الكليني في كافيه عن إمامهم العاشر علي بن محمد المكنى بأبي الحسن أنه لما مات ابنه الأكبر محمد المكنى بأبي جعفر وبقي له ابنه الأصغر الحسن المكنى بأبي محمد قال كما روى أبو هاشم الجعفري:
كنت عند أبي الحسن عليه السلام بعد ما مضى ابنه جعفر وإني لأفكر في نفسي أريد أن أقول: كأنهما أعني أبا جعفر وأبا محمد في هذا الوقت كأبي الحسن موسى وإسماعيل ابني جعفر بن محمد عليهم السلام وأن قصتهما كقصتهما، إذ كان أبو محمد المرجي بعد أبي جعفر عليه السلام فأقبل عليّ أبو الحسن قبل أن أنطق فقال:
نعم يا أبا هاش، بدا لله في أبي محمد بعد أبي جعفر عليه السلام ما لم يكن يعرف له، كما بدا له في موسى بعد مضي إسماعيل ما كشف به عن حاله وهو كما حدثتك نفسك وإن كره المبطلون، وأبو محمد ابنى المخلف من بعدي [الأصول من الكافي ج1 ص327].
وكما رواه أيضاً عن محمد بن عبد الله الأنباري أنه قال:
كنت حاضراً أبا الحسن عليه السلام لما توفي ابنه محمد فقال للحسن:
يا بني أحدث لله شكراً فقد أحدث فيك أمراً [الأصول من الكافي ص326].
وهذه الروايات الثلاثة صريحة في معناها بأن الله لم يكن يعلم بأن كلاً من إسماعيل بن جعفر، ومحمد بن علي لا يصلحان للإمامة، وخفي الأمر عليه، ثم ظهر له عدم صلاحيتهما لتلك المنزلة وذلك المنصب فأحدث الإمامة في موسى بن جعفر وحسن بن علي.
هذا وروى محدثو الشيعة روايات كثيرة في هذا المعنى، منها ما رواه ابن بابويه القمي الملقب بالصدوق عن علي بن موسى الملقب بالرضا – الإمام الثامن لدى الشيعة -:
لقد أخبرني أبي عن آبائي عليهم السلام عن رسول الله r قال:
"إن الله أوحى إلى نبي من أنبيائه أن أخبر فلاناً الملك: أني متوفيه إلي كذا وكذا.
فأتاه ذلك النبي فأخبره، فدعا الله الملك وهو على سريره حتى سقط من السرير، قال: يا رب، عجلني حتى يشب طفلي ويقضى أمري.
فأوحى الله عز وجل إلى ذلك النبي أن ائت الملك فأعلم أني قد أنسيت في أجله وزدت في عمره إلى خمس عشرة سنة، فقال ذلك النبي عليه السلام: يا رب، إنك لتعلم أني لم أكذب قط، فأوحى الله عز وجل إليه: إنك عبد مأمور فأبلغه ذلك، والله لا يسأل عما يفعل [عيون أخبار الرضا ج1 ص181، 182 تحت عنوان (البداء وما يتعلق به)].
ورووا مثل ذلك عن نبي الله عيسى الناطق بالوحي أنه مر بقوم مجلبين كما نقله القمي عن جعفر بن محمد فقال عيسى عليه السلام:
ما لهؤلاء؟
قيل: يا روح الله إن فلانة بنت فلان تهدى إلى فلان بن فلان في ليلتها هذه قال: يجلبون اليوم ويبكون غداً، فقال قائل منهم: ولم يا رسول الله؟
قال: لأن صاحبتهم ميتة في ليلتها هذه، فقال القائلون بمقالته: صدق الله وصدق رسوله، وقال أهل النفاق: ما أقرب غداً، فلما أصبحوا جاءوا فوجدوها على حالها لم يحدث بها شيء، فقالوا: يا روح الله إن التي أخبرتنا أمس أنها ميتة لم تمت، فقال عيسى عليه السلام: يفعل الله ما يشاء، فاذهبوا بنا إليها، فذهبوا يتسابقون حتى قرعوا الباب فخرج زوجها، فقال له عيسى عليه السلام: استأذن لي إلى صاحبتك، قال: فدخل عليها فأخبرها أن روح الله وكلمته بالباب مع عدة، قال: فتخدرت، فدخل عليها فقال لها: ما صنعت ليلتك هذه؟
قال: لم أصنع شيئاً إلا وقد كنت أصنعه فيما مضى إنه كان يعترينا سائل في كل ليلة جمعة فننيله ما يقوته إلى مثله، وأنه جاءني في ليلتي هذه وأنا مشغولة بأمري وأهلي في مشاغيل، فهتف فلم يجبه أحد، ثم هتف فلم يجبه أحد حتى هتف مراراً، فلما سمعت مقالته قمت متنكرة حتى أنلته كما كنا ننيله، فقال لها: تنحي عن مجلسك: فإذا تحت ثيابها أفعى مثل جذعة عاض على ذنبه، فقال عليه السلام: بما صنعت صرف الله عنك هذا [أمالي الصدوق المجلسي الخامس والسبعون ص404، 405].
وكذبوا على نبي الله محمد صلوات الله وسلامه عليه نقلاً عن جعفر أيضاً أنه قال:
مر يهودي بالنبي r فقال: السلام عليك، فقال رسول الله r : عليك، فقال أصحابه: إنما سلم عليك بالموت. قال: الموت عليك. قال النبي r : كذلك رددت، ثم قال النبي r : إن هذا اليهودي يعضه أسود في قفاه فيقتله. قال: فذهب اليهودي فاحتطب حطباً كثيراً فاحتمله، ثم لم يلبث أن انصرف فقال له رسول الله r : ضعه فوضع الحطب فإذا أسود في جوف الحطب عاض على عود، فقال: يا يهودي ما عملت اليوم؟ قال: ما عملت عملاً إلا حطبي هذا احتملته فجئت به وكان معي كعكتان فأكلت واحدة وتصدقت بواحدة على مسكين، فقال رسول الله r :
بها دفع الله عنه، وقال: إن الصدقة تدفع ميتة السوء عن الإنسان" [الكافي للكليني ج4 ص5 – كتاب الزكاة].
ومعنى الروايتين واضح جلي أن نبي الله عيسى عليه السلام أخبر بموت العروسة بإخبار من الله عز وجل وبوحي منه وخفي على الله – عياذاً بالله – بأن العروسة واليهودي لا يموتان في وقتهما الذي حدد لموتهما العارضة تعرض، وسبب يحدث، كما لم يظهر له – تعالى الله عما يقولونه علواً كبيراً – أن رسوليه يكذبان من قبل المعاندين، ويهزأ بهما من قبل المنافقين، ويتكلم الناس في أمرهما ما يتكلمون، ويكون في أيديهم حجة لتكذيبهم إياهم وللرد على مقولاتهم وأنبائهم فلا يبقى إذاً معنى النبوة والنبوءة.
وعلى ذلك اضطرب القوم في أمر هذه العقيدة الخبيثة، المتفق عليها عند جميع الشيعة كما قال شيخهم المفيد: واتفقت الإمامية على إطلاق لفظ البداء في وصف الله تعالى وإن كان ذلك من جهة السمع دون القياس [أوائل المقالات ص52].
فهذه العقيدة المتفقة عندهم جعلتهم يضطربون عند الإيرادات والإشكالات ولا يجدون عنها مخلصاً إلا بالتأويلات الركيكة والتوجيهات الضعيفة الرخيصة، منها ما التجأ إليه كاتب شيعي دعائي في كتابه الدعائي (المشهور أصل الشيعة وأصولها)، وضعف قوته وفتور همته وقلة حيلته وعدم ثقته بكلامه تتدفق من عبارته وهو يقول:
أما البداء الذي تقول به الشيعة الذي هو من أسرار آل محمد r وغامض علومهم حتى ورد في أخبارهم الشريفة أنه: ما عبد الله بشيء مثل القول بالبداء، وأنه: ما عرف الله حق معرفته ولم يعرف بالبداء، إلى كثير من أمثال ذلك، فهو عبارة عن إظهار الله جل شأنه أمراً يرسم في ألواح المحو والإثبات وربما يطلع عليه بعض الملائكة المقربين أو أحد الأنبياء والمرسلين فيخبر الملك به النبي، والنبي يخبر به أمته، لم يقع بعد ذلك خلافه لأنه محاه وأوجد في الخارج غيره وكل ذلك كان جلت عظمته يعلمه حق العلم ولكن في علمه المخزون المصون الذي لم يطلع عليه لا ملك مقرب ولا نبي مرسل ولا ولي ممتحن، وهذا المقام من العلم هو المعبر عنه القرآن الكريم بأم الكتاب المشار إليه، وإلى المقام الأول بقوله تعالى: ] يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب [، ولا يتوهم الضعيف أن هذا الإخفاء والإبداء يكون من قبيل الإغراء بالجهل وبيان خلاف الواقع، فإن في ذلك حكماً ومصالح تقصر عنها العقول وتقف عندها الألباب [أصل الشيعة وأصولها لمحمد الحسين آل كاشف الغطاء ص148].
ثم إن القوم لم يقفوا في سرد الروايات لدعم عقيدتهم هذه إلى هذا الحد بل قالوا: إن نبي الله لوطاً عليه السلام كان يخاف من البداء لله إلى حد أنه طالب ملائكة العذاب أن يعجلوا بقومه العذاب كي لا تتغير إرادة الله فيهم بسبب من الأسباب التي خفيت عليه وتظهر فيما بعد.
وهذه هي عبارة القوم نقلاً عن محمد الباقر بعد ذكر رسل الله الذين أرسلوا إلى قوم لوط:
قال لهم لوط: يا رسول ربي فما أمركم ربي فيهم؟
قالوا: أمرنا أن نأخذهم بالسحر.
قال: فلي إليكم حاجة.
قالوا: وما حاجتك؟
قال: تأخذونهم الساعة، فإني أخاف أن يبدو لربي فيهم.
فقالوا: يا لوط، إن موعدهم الصبح، أليس الصبح بقريب [الكافي في الفروع للكليني ج5 ص546، كتاب النكاح باب اللواط].
وقد بالغوا هذا حتى قالوا نقلاً عن محمد الباقر: أنه قال:
إن الله عز وجل إذا أراد أن يخلق النطفة التي مما أخذ عليها الميثاق في صلب آدم أو ما يبدو له فيه ويجعلها في الرحم حرك الرجل للجماع وأوحى إلى الرحم – أن افتحي بابك حتى يلج فيك خلقي وقضائي النافذ وقدري، فتفتح الرحم بابها فتصل النطفة إلى الرحم، فتردد فيه أربعين يوماً. ثم تصير علقة أربعين يوماً، ثم تصير مضغة أربعين يوماً، ثم تصير لحماً تجري فيه عروق مشتبكة، ثم يبعث الله ملكين خلاقين يخلقان في الأرحام ما يشاء الله فيقتحمان في بطن المرأة من فم المرأة فيصلان إلى الرحم وفيها الروح القديمة المنقولة في أصلاب الرجال وأرحام النساء فينفخان فيها روح الحياة والبقاء ويشقان له السمع والبصر وجميع الجوارح وجميع ما في البطن بإذن الله، ثم يوحي الله إلى الملكين: اكتبا عليه قضائي وقدري ونافذ أمرين واشترطا لي البداء فيما تكتبان.. فيملي أحدهما على صاحبه فيكتبان جميع ما في اللوح ويشترطان البداء فيما يكتبان [الكافي في الفروج ج6 ص13، 14 كتاب العقيقة باب بدء خلق الإنسان].
وقد عظموا هذه العقيدة حتى نقلوا عن أئمتهم أنهم قالوا:
"ما عبد الله بشيء مثل البداء" قاله محمد الباقر [الكافي في الأصول ج1 ص146، كتاب التوحيد باب البدء].
وعن جعفر أنه قال:
"ما عظم الله بمثل البداء" [الكافي في الأصول].
وعنه أيضاً ما نقله مالك الجهني أنه قال:
"لو علم الناس ما في القول بالبداء من الأجر ما افتروا من الكلام فيه [الأصول من الكافي 1/148].
وعن مرازم بن حكيم أنه قال:
سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول:
ما تنبأ نبي قط حتى يقر لله بخمس خصال: بالبداء، والمشيئة، والسجود والعبودية، والطاعة [الأصول من الكافي].
وأخيراً ما رواه الريان بن الصلت أنه قال:
"سمعت الرضا عليه السلام يقول: ما بعث الله نبياً قط إلا بتحريم الخمر، وأن يقر لله بالبداء" [الكافي في الأصول 1/148].
هذا ما يقوله الشيعة عن الله ويعتقدوه فيه وراثة عن اليهودية البغيضة، وناقلة أفكارها الخبيثة من قول اليهود:
"رأي الرب أن شر الإنسان قد كثر في الأرض، وأن كل تصور أفكار قلبه إنما هو شرير كل يوم. فحزن الرب أنه عمل الإنسان في الأرض وتأسف في قلبه، فقال الرب: أمحو عن وجه الأرض الإنسان الذي خلقته الإنسان مع البهائم ودبابات وطيور السماء، لأني حزنت أني عملتهم [سفر التكوين من التوراة الإصحاح السادس الفقرة 5، 6، 7].
ومثل هذه الفقرات كثيرة في التوراة واضحة تشير إلى أن الله فعل شيئاً ولم يكن ليفعل لو عل في حينه أن نتيجته خلاف ما أراده، وخفي عليه ما ظهر فيما بعد – سبحانه عما يصفو.
وأما ما يقوله الرب جل وعلا في كتابه المحكم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه فهو مخالف تمام المخالفة لما يعتقده اليهود والشيعة يقول الرب عز وجل عن نفسه:
] . . عالم الغيب لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين [ [سورة سبأ الآية3].
وقال:
] وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ..[ [سورة يونس الآية61].
وقال:
] وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين [ [سورة الأنعام الآية 59].
وأمر ملائكته أن يقولوا:
] وما نتنزل إلا بأمر ربك له ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك وما كان ربك نسياً [ [سورة مريم الآية 65].
وقال على لسان موسى عليه السلام:
] . . لا يضل ربي ولا ينسى [ [سورة طه الآية 52].
وقال:
] . . وأن الله قد أحاط بكل شيء علماً [ [سورة الطلاق الآية 12].
وقال: ] . . وكان الله بكل شيء محيطاً [ [سورة النساء الآية 126].
وقال: ] . . ألا إنه بكل شيء محيط [ [سورة فصلت الآية 54].
والآيات في هذا المعنى كثيرة لا تعد ولا تحصى.
أما الشيعة فيعتقدون في الله عكس ما يقوله الرب عنه جل جلاله، وعم نواله، مصرحين بأن الله تعالى ظهر له من الأمر ما لم يكن ظاهراً [رسالة أعلام الهدى في تحقيق البداء لنظام الدين الجيلاني الشيعي نقلاً عن تحفة اثنى عشرية ص226].
ولماذا قالوا بالبداء؟
هؤلاء القوم لماذا يقولون بهذه المقالة الشنيعة؟
يجيب على ذلك أقدم من كتب في فرق الشيعة من الشيعة ومن يليه أبو محمد الحسن بن موسى النوبختي، وسعد بن عبد الله القمي في كتابيهما (فرق الشيعة)، وكتاب (المقالات والفرق) نقلاً عن سليمان بن جرير:
"إن أئمة الرافضة وضعوا لشيعتهم مقالتين لا يظهرون معهما من أئمتهم على كذبهم أبداً، وهما القول بالبداء، وإجازة التقية.
فأما البداء فإن أئمتهم لما أحلوا أنفسهم من شيعتهم محل الأنبياء من رعيتها في العلم فيما كان ويكون، والإخبار بما يكون في الغد، وقالوا لشيعتهم: إنه سيكون في غد وفي غابر الأيام كذا وكذا، فإن جاء ذلك الشيء على ما قالوه قالوا لهم:
ألم نعلمكم أن هذا يكون، فنحن نعلم من قبل الله عز وجل ما علمته الأنبياء عن الله ما علمت، وإن لم يكن ذلك الشيء الذي أخبروا به على ما قالوا، اعتذروا لشيعتهم بقولهم: بدا لله في ذلك بكونه.
فما أصدقه وأحسن به.
هذا ولم يقولوا بهذه المقالة ولم يعتقدوا بهذا الاعتقاد إلا لمخالفتهم المسلمين أهل السنة حيث أنهم أسسوا قواعد مذهبهم على مخالفة العقائد الإسلامية الخالصة المستقاة من كتاب الله جل وعلا وسنة نبيه المصطفى صلوات الله وسلامه عليه كما بيناه فيما مضى.
وليس الأمر كما تصوره السيد الدكتور ومن يحذو حذوه ويسلك مسلكه دون علم أو برهان.

الفصل الخامس
الجفر
وأما الجفر الذي تعرض لذكره الدكتور وافي وحين قال:
"هذا الكتاب لم تتصل روايته، ولا عرف عينه ولا صحة نسبته إلى الإمام جعفر، ومع تردد ذكره في الكتب المعتمدة عند الشيعة الجعفرية، فإن معظمهم لا يعرض لتأييده". فإنه ثابت موجود لدى الشيعة الاثنى عشرية، مقرر عندهم، ولم يعرض أحد لرده خلاف الدكتور، وقد صحت نسبته إلى جعفر بن الباقر حسب زعم القوم واتصلت روايته، فإن محمد بن الحسن الصفار مثلاً الذي يعد من أصحاب الحسن العسكري – الإمام الحادي عشر المعصوم المزعوم – ومن أساتذة أئمة الحديث الشيعي كالكليني ووالد صدوق الشيعة علي بن الحسين، وغيرهم، ذكر في كتابه (بصائر الدرجات) أربعاً وثلاثين رواية موصولة متصلة، منها واحدة ثلاثون عن جعفر بن محمد، وواحدة منها عن أبيه محمد الباقر، وأخرى عن أبيه ابن الحسين، والثالثة منها عن أبي الحسن.
وكذلك أورد الكليني إمام محدثي الشيعة ثماني روايات في ذكر الجفر، كلها عن جعفر بن محمد، روايات متصلة صحيحة الإسناد حسب قواعد الشيعة وأصول القوم.
ولا أدري على أي أساس قال ما قاله سيادته في ذلك، تبرئة لساحة الشيعة عما يلزمهم من الشناعة والسخرية بسبب عقائدهم الغريبة.
ونود أن نورد هنا روايات كي يعرف القارئ الجفر الشيعي الذي يؤهل أئمة الشيعة أن يساووا الأنبياء والمرسلين، بل وأكثر من ذلك أن يضاهوا علم الله بعلمهم ومعرفتهم ما سيكون ويحدث إلى يوم القيامة – تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً، يضاهئون قول الذين كفروا من قبل قاتلهم الله أنى يؤفكون.
فيروي الكليني عن أبي بصير أنه قال:
دخلت على أبي عبد الله عليه السلام فقلت له: جعلت فداك، إني أسألك عن مسألة، ههنا أحد يسمع كلامي؟
قال: فرفع أبو عبد الله ستراً بينه وبين بيت آخر فاطلع فيه، ثم قال:
يا أبا محمد، سل عما بدا لك. قال: قلت: جعلت فداك، إن شيعتك يتحدثون أن رسول الله r علم علياً عليه السلام باباً ينفتح له منه ألف باب؟
قال: فقال: يا أبا محمد، علم رسول الله r علياً عليه السلام ألف باب يفتح من كل باب ألف باب.
قال: قلت: هذا والله العلم. قال: فنكت ساعة في الأرض ثم قال إنه لعلم وما هو بذاك . . ثم قال:
وإن عندنا الجفر، وما يدريهم ما الجفر؟
قال: قلت: وما الجفر؟
قال: وعاء من أدم فيه علم النبيين والوصيين، وعلم العلماء الذين مضوا من بني إسرائيل" [الكافي في الأصول كتاب الحجة باب فيه ذكر الصحيفة والجفر والجامعة ومصحف فاطمة عليها السلام ج1 ص239].
وروي أيضاً عن الحسين بن أبي العلاء أنه قال:
سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: إن عندي الجفر الأبيض، قال: فقلت: أي شيء فيه؟
قال: زبور داود، وتوراة موسى، وإنجيل عيسى، وصحف إبراهيم عليه السلام، والحلال والحرام .. وعندي الجفر الأحمر، قال: قلت: وأي شيء في الجفر الأحمر؟
قال: السلاح، وذلك إنما يفتح للدم يفتحه صاحب السيف للقتل، فقال له عبد الله بن أبي يعفور: أصلحك الله. أيعرف هذا بنو الحسن؟
فقال: إي والله كما يعرفون الليل أنه ليل، والنهار أنه نهار ولكنهم يحملهم الحسد وطلب الدنيا على الجحود والإنكار، ولو طلبوا الحق بالحق لكان خيراً لهم" [الأصول من الكافي ج1 ص240].
وروى الصفار عن أبي مريم عن محمد الباقر أنه قال في رواية طويلة:
"وعندنا الجفر، وهو أديم عكاظي قد كتب فيه حتى ملئت أكارعه، فيه ما كان وما هو كائن إلى يوم القيامة" [بصائر الدرجات الكبرى للصفار الجزء الثالث ص180].
وروي أيضاً عن أبي بصير عن جعفر بن محمد أنه قال في رواية طويلة عنه:
"إن عندنا الجفر، وما يدريهم ما الجفر؟ مسك شاة أو جلد بعير؟
قال: قلت: جعلت فداك ما الجفر؟
قال: وعاء أحمر أو أدم، أحمر فيه علم النبيين والوصيين، قلت: هذا والله هو العلم. قال: إنه لعلم وما هو بذاك.. ثم سكت ساعة ثم قال: إن عندنا لعلم ما كان وما هو كائن إلى أن تقوم الساعة. قال: قلت: جعلت فداك هذا والله هو العلم. قال: إنه لعلم وما هو بذاك، قال: قلت: جعلت فداك: وأي شيء هو العلم؟
قال: ما يحدث بالليل والنهار، الأمر بعد الأمر، والشيء بعد الشيء إلى يوم القيامة" [بصائر الدرجات 172].
فهذا هو الجفر لدى القوم، وما الله بغافل عما يقولون ويعملون.
وأما جعل الدكتور الجفر ومصحف فاطمة شيئاً واحداً فيدل على عدم علمه بكتب الشيعة ومعرفته بمذهبهم ومعتقدهم حيث أنهم يجعلون الجفر شيئاً آخر مستقلاً ومصحف فاطمة كتاباً آخر لا علاقة بينهما إطلاقاً.
كما أن حضرته نسي في غمرات الحب والدفاع عن معتقدات القوم أن ما يقوله في صفحة 72 من كتيبه عن الجفر يخالف ما قاله في صفحة 43، حيث يقول في معرض الكلام عن الجفر وعدم نسبته إلى جعفر:
ولو صح سنده لحمل أن ما فيه يتمثل في إلهام إلهي للإمام الصادق، وقد ذكرنا فيما سبق أن الجمهور يقر حقيقة الإلهام للمصطفين الأخيار من الناس، ومن عسى أن يكون أحق بهذا الوصف من الإمام جعفر الصادق وآل بيت الرسول صلوات الله وسلامه عليه" [بين الشيعة وأهل السنة ص72].
وهو الذي نقل رواية قبل ذلك عن الكليني في كتابه عن جعفر بن محمد:
"مكثت فاطمة بعد النبي خمسة وسبعين يوماً صبت عليها مصائب من الحزن لا يعلمها إلا الله، فأرسل الله إليها جبريل يسليها ويعزيها ويحدثها عن أبيها وما يحدث لذريتها وكان علي يسمع ويكتب حتى جاء به مصحفاً قدر القرآن ثلاث مرات ليس فيه شيء من الحلال والحرام ولكن فيه علم ما يكون – ثم قال -: ولعل هذا هو الجفر" [بين الشيعة وأهل السنة ص43].
فكيف التوافق بين هذا وذاك؟
اللهم إنا نسألك العفو والعافية في الدنيا والآخرة.
وأما قوله: ومن عسى أن يكون أحق بهذا الوصف (يعني الإلهام) من الإمام جعفر الصادق وآل بيت الرسول: فليس إلا مجازفة ومبالغة ومغالاة، وتخصيص قوم بالفضائل دون قوم آخرين بدون سند ولا دليل من الكتاب والسنة، لأن التقرب إلى الله والاصطفاء لديه لا يكون لحسب ولا نسب، والعز والشرف والمكرمة عنده لا تكون لقوم دون قوم، وقبيلة دون قبيلة، بل مداره طهارة النفس وتقوى القلوب: ] يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم [ [سورة الحجرات الآية13].
فكم من الهاشميين لم ينالوا مرتبة أو منزلة عند الله وعند رسوله الهاشمي صلوات الله وسلامه عليه مثل ما نالها غيرهم من العرب وغير العرب أيضاً، وقد أخبر رسول الله r عن عمر بن الخطاب أنه ملهم في أمته، كما ذكره الدكتور وافي، ولم يخبر عن عباس – وهو سيد بني هاشم بعد نبي الله r ، وعمه الحقيقي – وكذلك نال من الكرامة والصحبة أبو بكر رضي الله عنه ما لم ينلها أحد غيره في الكون من أهل البيت وغير أهل البيت.
وغلى ذلك أشار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله كما نقل عنه الذهبي:
"ولولا أن الناس وجدوا عنه مالك والشافعي وأحمد أكثر مما وجدوه عند موسى بن جعفر، وعلي بن موسى، ومحمد بن علي لما عدلوا عن هؤلاء إلى هؤلاء.. ونفس بني هاشم كانوا يستفيدون من علم مالك بن أنس أكثر مما يستفيدون من ابن عمهم موسى بن جعفر" [المنتقى من منهاج الاعتدال للذهبي ص191 – ط المطبعة السلفية – القاهرة].

الباب السادس
الشيعة الإثنا عشرية ومسألة الإمامة
إن الإمامة عند الشيعة الاثنى عشرية كالنبوة، والإمام عندهم كالنبي غير أنه لا يطلق عليه لفظ النبوة كما صرح بذلك الكليني في كافيه، حيث روى عن محمد بن مسلم أنه قال:
وسمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: الأئمة بمنزلة رسول الله r ، إلا أنهم ليسوا بأنبياء، ولا يحل لهم من النساء ما يحل للنبي r ، فأما ما خلا ذلك فهم بمنزلة رسول الله r " [الكافي في الأصول كتاب الحجة باب في أن الأئمة بمن يشبهون ممن مضى ج1 ص270].
وروي أيضاً عن جعفر أنه قال:
"نحن خزان علم الله، نحن تراجمة أمر الله، نحن قوم معصومون، أمر الله تبارك وتعالى بطاعتنا، ونهى عن عصيتنا، نحن الحجة البالغة على من دون السماء وفوق الأرض" [الأصول من الكافي ج2 ص269].
وأورد رواية أخرى عن مفضل بن عمر عن جعفر أنه سئل عن علم الإمام بما في أقطار الأرض وهو في بيته مرخي عليه ستره، فقال:
"يا مفضل، إن الله تبارك وتعالى جعل في النبي r خمسة أرواح، روح الحياة فيه دب ودرج، وروح القوة فيه نهض وجاهد، وروح الشهوة فيه أكل وشرب وأتى النساء من الحلال، وروح الإيمان فيه آمن وعدل، وروح القدس فيه حمل النبوة، فإذا قبض النبي r انتقل روح القدس فصار إلى الإمام [وهل يمكن أن يقال بعد هذا: بأنهم يعتقدون باعتقاد ختم نبوة محمد r وأنهم ليسوا بأول من أنكر ختم النبوة عليه واعتقدوا بجريانها بعده؟]، وروح القدس لا ينام ولا يغفل، ولا يلهو ولا يزهو، وأربعة الأرواح تنام وتغفل، وتزهو وتلهو، وروح القدس كان يرى به" [الأصول من الكافي كتاب الحجة باب فيه ذكر أرواح الأئمة عليهم السلام ج1 ص272].
وكما روى الكليني هذا أيضاً عن جعفر أنه سأله رجل من أهل هيت عن قول الله عز وجل: ] وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا [، فقال: منذ أنزل الله عز وجل ذلك الروح على محمد r ما صعد إلى السماء وإنه لفينا، وفي رواية: كان مع رسول الله r يخبره ويسدده – وهو مع الأئمة من بعده – وهو من الملكوت" [الأصول من الكافي كتاب الحجة باب الروح التي يسدد الله بها الأئمة عليهم السلام ج1 ص273].
وهناك روايات أخرى صريحة أكثر من ذلك قد ذكرنا بعضاً منها فيما سبق، ونكتفي ههنا بذكر روايتين من الصفار عن أبي جعفر محمد الباقر أنه قال:
"إن جبريل أتى رسول الله r برمانتين فأكل رسول الله r إحداهما وكسر الأخرى نصفين، فأكل نصفها وأطعم رسول الله علياً نصفها، ثم قال رسول الله r :
يا أخي: هل تدري ما هاتان الرمانتان؟
قال: لا.
قال: أما الأولى فالنبوة، ليس لك فيها شيء، وأما الأخرى فالعلم، أنت شريكي فيه، فقلت: أصلحك الله كيف يكون شريكه فيه؟

يتبع باذن الله...
رد مع اقتباس
  #7  
قديم 26-May-2004, 05:40 PM
أبو تراب فرحات السلفى
 
المشاركات: n/a
افتراضي

قال: لا يعلم الله محمداً علماً إلا وأمره أن يعلم علياً" [بصائر الدرجات الكبرى باب في أمير المؤمنين عليه السلام أن رسول الله r مشاركه في العلم ولم يشاركه في النبوة، وذكر الرمانين ص312].
وروي أيضاً عن علي بن الحسين:
"إن محمداً r كان أمين الله في أرضه، فلما قبض محمد r كنا أهل البيت ورثته، ونحن أمناء الله في أرضه، عندنا عل البلايا والمنايا وأنساب العرب ومولد الإسلام، وإنا لنعرف الرجل إذا رأيناه بحقيقة الإيمان وحقيقة النفاق، وأن شيعتنا لمكتوبون بأسمائهم وأسماء آبائهم، أخذ الله علينا وعليهم الميثاق، يردون موردنا، ويدخلون مدخلنا، نحن النجباء، وأفراطنا أفراط الأنبياء، ونحن أبناء الأوصياء، ونحن المخصصون في كتاب الله، ونحن أولى الناس بالله، ونحن أولى الناس بكتاب الله، ونحن أولى الناس بدين الله، ونحن الذين شرع لنا دينه، فقال في كتابه: شرع لكم يا آل محمد من الدين ما وصى به نوحاً، وقد وصانا بما أوصى به نوحاً، والذي أوحينا إليك يا محمد وما وصينا به إبراهيم وإسماعيل وموسى وعيسى وإسحاق ويعقوب، فقد علمنا وبلغنا ما علمنا، واستودعنا علمهم، نحن ورثة الأنبياء، ونحن ورثة أولي العزم من الرسل: أن أقيموا الدين يا آل محمد ولا تفرقوا فيه وكونوا على جماعة كبر على المشركين من أشرك بولاية على ما تدعوهم إليه من ولاية علي إن الله يا محمد يهدي إليه من ينيب من يجيبك إلى ولاية علي [ومن المعروف أن هذه العبارة ليست من القرآن بل إنها مختلفة مزورة مكذوبة على لسان علي زين العابدين، وأن علي بن الحسن وأمثاله براء مما يعتقده الشيعة من التحريف في القرآن] عليه السلام" [بصائر الدرجات الكبرى – باب في الأئمة أنهم ورثوا علم أولي العزم من الرسل وجميع الأنبياء، وأنهم صلوات الله عليهم أمناء الله في أرضه، وعندهم علم البلايا والمنايا وأنساب – العرب ص138].
فهذه هي الإمامة عند الشيعة وهذا هو الإمام، ولا بأس أن نورد ههنا روايتين أخريين أوردهما صدوق الشيعة – وهو كذوب – ابن بابويه القمي، وهو واحد من أصحاب الصحاح الأربعة أنه روى عن جعفر بن محمد الباقر عن أبيه محمد بن علي عن أبيه علي بن الحسين [وهذا أصح الروايات عند الشيعة حيث يروي إمام معصوم حسب زعمهم عن إمام معصوم إلى آخره] أنه قال:
"نحن أئمة المسلمين وحجج الله على العالمين، وسادة المؤمنين، وقادة الغر المحجلين، وموالي المؤمنين، ونحن أمان لأهل الأرض، كما أن النجوم أمان لأهل السماء، ونحن الذين بنا يمسك الله السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه، وبنا يمسك الأرض أن تميد بأهلها، وبنا ينزل الغيث، وتنشر الرحمة، وتخرج بركات الأرض، ولولا ما في الأرض منا لساخت بأهلها، ثم قال:
"ولم تخل الأرض منذ خلق الله آدم من حجة الله فيها ظاهر مشهور، أو غائب مستور، ولا تخلو إلى أن تقم الساعة من حجة الله فيها، ولولا ذلك لما يعبد الله، قال سليمان: فقلت للصادق عليه السلام:
فكيف ينتفع الناس بالحجة الغائب المستور؟
قال: كما ينتفعون بالشمس إذا سترها السحاب" [كمال الدين وتمام النعمة لابن بابويه القمي، باب العلة التي من أجلها يحتاج إلى الإمام ج1 ص207].
وروي أيضاً عن محمد الباقر أنه قال:
"نحن جنب الله، ونحن صفوته، ونحون حوزته، ونحن مستودع مواريث الأنبياء، ونحن أمناء الله عز وجل، ونحن حجج الله، ونحن أركان الإيمان، ونحن دعائم الإسلام، ونحن من رحمة الله على خلقه، ونحن من بنا يفتح وبنا يختم، ونحن أئمة الهدى، ونحن مصابيه الدجى، ونحن منار الهدى، ونحن السابقون، ونحن الآخرون، ونحن العلم المرفوع للخق، من تمسك بنا لحق، ومن تأخر عنا غرق، ونحن قادة الغر المحجلين، ونحن خيرة الله، ونحن الطريق الواضح والصراط المستقيم إلى الله عز وجل، ونحن من نعمة الله عز وجل على خلقه، ونحن المنهاج، ونحن معدن النبوة، ونحن موضع الرسالة، ونحن الذين إلينا تختلف الملائكة، ونحن السراج لمن استضاء بنا، ونحن السبيل لمن اقتدى بنا، ونحن الهداة إلى الجنة، ونحن عرى الإسلام، ونحن الجسور والقناطر، من مضى عليها لم يسبق، ومن تخلف عنها محق، ونحن السنام العظام، ونحن الذين بنا ينزل الله عز وجل الرحمة، وبنا يسقون الغيث، ونحن الذين بنا يصر عنكم العذاب، فمن عرفنا وأبصرنا وعرف حقنا وأخذ بأمرنا فهو منا وإلينا" [كمال الدين وتمام النعمة لابن بابويه القمي ج1 ص206].
وعلى ذلك قالوا: "يجب على الله نصب الإمام كنصب النبي" [انظر لذلك منهاج الكرامة للحلي ص72، وأيضاً أعيان الشيعة الجزء الأول، القسم الثاني ص6، أيضاً الشيعة في التاريخ لمحمد حسين الزي ص44، 45، أيضاً أصول المعارف لمحمد الموسوي ص82، أيضاً الألفين الفارق بين الصدق والمين للمحلي ص15].
وليس للخلائق خيار في اختيار الإمام وتعيينه، والله نصب للعالم أجمع اثنى عشر إماماً، أولهم علي وآخرهم معدومهم الذي يزعمونه ابناً للحسن العسكري الذي لم يولد قط.
ومن الغرائب أن واحداً من هؤلاء الاثنى عشر لم يملك زمام الحكم أبداً غير علي بن أبي طالب رضي الله عنه الذي جعل الإمام باختيار من الناس بعد خلفاء رسول الله الثلاثة الذين سبقوه على منصب الإمامة والزعامة بعد رسول الله r، والذين استشهد علي رضي الله عنه على صحة خلافته بصحة خلافتهم حيث قال كما ورد في أقدس كتاب شيعي (نهج البلاغة)- عكس ما يقوله القوم ورغم أنوفهم:
"إنه بايعني القوم الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان على ما بايعوهم عليه، فلم يكن للشاهد أن يختار، ولا للغائب أن يرد، وإنما الشورى للمهاجرين والأنصار، فإن اجتمعوا على رجل وسموه إماماً كان ذلك لله رضى، فإن خرج عن أمرهم خارج بطعن أو بدعة ردوه إلى ما خرج منه، فإن أبى قاتلوه على اتباعه غير سبيل المؤمنين، وولاه الله ما تولى" [نهج البلاغة بتحقيق صبحي صالح ص366، 367 – ط بيروت].
وحاصل الكلام: "أننا لا نفهم الإمامة الشيعية التي يجعلونها واجبة، والتي يقولون فيها: إن على الله أن ينصب من يشغلها ويجوز بها لردع الظالم عن ظلمه وحمل الناس على الخير وردعهم عن الشر" [أعيان الشيعة الجزء الأول القسم الثاني ص6].
و: لحفظ الشريعة من الضياع ورفع الفساد وإقامة الحدود ونشر الأحكام والانتصاف للمظلوم من الظالم" [أصول المعارف لمحمد الموسوي ص82].
و: إن الناس متى كان لهم رئيس منبسط اليد، قاهر، عادل، يردع المعاندين، ويقمع المتغلبين، وينتصف للمظلومين من الظالمين، اتسقت الأمور، وسكنت الفتن، ودرت المعايش، وكان الناس مع وجوده إلى الصلاح أقرب. ومتى خلوا من رئس صفته ما ذكرناه تكدرت معايشهم وتغلب القوي على الضعيف، وانهمكوا في المعاصي، ووقع الهرج والمرج، وكانوا إلى الفساد أقرب، ومن الصلاح أبعد" [تلخيص الشافي للطوسي ج1 ص60 ط قم – إيران الطبعة السادسة صنة1974م].
لأن أئمتهم الاثنى عشر بما فيهم علي رضي الله تعالى عنه – حسب مقولتهم – لم يستطيعوا ردع الظالم عن ظلمه إياهم، ولم يتمكنوا بإقامة الحدود ولا رفع الفساد، ولا الانتصاف لأنفسهم من الظالم.. فضلاً عن غيرهم من المظلومين، وبذلك رد عليهم شيخ الإسلام ابن تيمية بعد ذكر كلام الحلي: إنه نصب أولياء معصومين لئلا يخلي الله العالم من لطفه، فقال:
هم يقولون: إن الأئمة المعصومين مقهورون مظلومون عاجزون، ليس لهم سلطان ولا قدرة حتى إنهم يقولون ذلك في علي رضي الله عنه منذ مات النبي r إلى أن استخلف، وفي الاثنى عشر، ويقرون أن الله ما مكنهم ولا ملكهم، وقد قال الله تعالى: ] . . فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكاً عظيماً [، فإن قيل: المراد بنصبهم أنه أوجب عليهم طاعتهم فإذا أطاعوهم هدوهم، ولكن الخلق عصوهم، فيقال: لم يحصل – بمجرد ذلك – في العالم، لا لطف ولا رحمة، بل إنما حصل تكذيب الناس لهم ومعصيتهم إياهم. و(المنتظر) ما انتفع به من أقر به ولا من جحده، وأما سائر الاثنى عشر – سوى علي رضي الله عنه – فكانت المنفعة بأحدهم كالمنفعة بأمثاله من أئمة الدين والعلم، وأما المنفعة المطلوبة من أولي الأمر فلم تحصل بهم، فتبين أن ما ذكره من (اللطف) تلبيس وكذب" [المنتقى من منهاج الاعتدال للذهبي ص34].
وقد ذكرنا عجزههم، وما حل بهم من قهر وظلم، وغلبة الغير عليهم من كتب القوم أنفسهم في كتابنا (الشيعة وأهل البيت) وكتابنا (الشيعة والتشيع)، وأكثر من ذلك أثبتنا أن المنفعة الدينية أيضاً لم تكن تحصل منهم للخلق حيث أنهم كانوا يخافون الحكام ويهابون المخالفين، ولم يكونوا يستطيعون أن يظهروا ما في قلوبهم حسب علمهم وإيمانهم، وقد أوردنا في ذلك روايات كثيرة، منها ما ذكرناها عن الكليني أنه روى عن زرارة بن أعين أنه قال:
سألت أبا جعفر عليه السلام عن مسألة فأجابني، ثم جاء رجل فسأله عنها فأجابه بخلاف ما أجابني، ثم جاء رجل فسأله فأجابه بخلاف ما أجابني وأجاب صاحبي، فلما خرج الرجلان قلت: يا ابن رسول الله، رجلان من أهل العراق من شيعتكم قدما يسألان فأجبت كل واحد منهما بغير ما أجبت به صاحبه؟.
فقال: يا زرارة، إن هذا خير لنا وأبقى لكم، ولو اجتمعتم على أمر واحد لصدقكم الناس علينا ولكان أقل لبقائنا وبقائكم.
قال: ثم قلت لأبي عبد الله عليه السلام: شيعتكم لو حملتموهم على الأسنة أو على النار لمضوا وهم يخرجون من عندكم مختلفين؟ قال: فأجابني بمثل جواب أبيه" [الأصول من الكافي في باب اختلاف الحديث ج1 ص65].
وكما أوردنا رواية في مبحث التقية عن جعفر أنه قال لأحد متبعيه:
"يا سليمان، إنكم على دين من كتمه أعزه الله، ومن أذاعه أذله الله" [الكافي في الأصول ج2 ص222 باب التقية – ط إيران].
وهناك روايات في هذا المعنى أكثر من أن تعد وتحصى.
وحاصل الكلام: أن هذه هي الإمامة الشيعية التي يوجبونها على الله ولم تحصل لأحد، ولم تثبت ولم تتحقق.. وقد بحثناها مفصلاً في كتابنا (الشيعة والتشيع).
وهؤلاء هم أئمتهم: علي وأولاده الأحد عشر بما فيهم المعدوم، ويعدون غيرهم وكل من تولى الخلافة والإمامة في زمنهم خلفاء غاصبين مغتصبين [انظر: (عقائد الشيعة) تأليف الحاج ميرزا آقاسي – نقلاً عن (عقيدة الشيعة) لرونالدسن – ط عربي القاهرة ص35 باب (الغاصبون الثلاثة) وغيره من كتب الشيعة الكثيرة] بما فيهم أبو بكر وعمر وعثمان الخلفاء الراشدون الثلاثة رضي الله عنه أجمعين، ويوجبون البراءة منهم، والولاء لأئمتهم، ويجعلون ولايتهم أصلاً من أصول الإسلام وأساساً من أسسه ودعائمه، لا يؤمن من لا يعتقد بها، ولا يكفر من يؤمن بها. والروايات والتصريحات في هذا لكثيرة جداً، فالخلاف بيننا وبينهم في هذه المسألة خلاف جوهري وأصولي وعقائدي، لا كما زعمه السيد الدكتور وصرح به حيث يقول:
"إن خلافهم معنا في هذا الصدد خلاف نظري وأقرب أن يكون اختلافاً في حقائق التاريخ ولا يؤثر في إيمانهم شيئاً" [بين الشيعة وأهل السنة ص75].
وعلى ذلك يكفر الشيعة كل من ينكر إمامة أئمتهم المزعومين، كما أن منكر النبوة كافر بالاتفاق، لأن الإمامة لا تختلف مع النبوة في أصلها، وجوهرها كما بيناه مقدماً، وكما صرح بذلك أساطين الشيعة وصناديدها الذين نحن بصدد ذكرهم الآن، وكما دلت عليه روايات كثيرة عن أئمتهم المعصومين – حسب زعمهم – وسيأتي ذكرها إن شاء الله، لا كما زعمه سيادة الدكتور حيث قال:
إنهم لم يحكموا بالكفر على من لا يعتقد بالإمامة على النحو الذي ذكروه ولو أنهم حكموا بذلك لكان لنا معهم موقف آخر إذ يكون معنى حكمهم هذا تكفير جميع أهل السنة [بين الشيعة وأهل السنة ص77].
يا لتساهل الدكتور، وفي هذا العمر!!!
ويا لتحمسه لأهل السنة المساكين!!!
ولقد ذكرني قوله هذا ببيت شعر أورد ما معناه: لم يكن يسعنا إلا أن نموت من شدة الفرح والسرور لو كنا نعرف صدق وعده ووفائه.
واأسفاه على عدم معرفة السيد الدكتور عقائد القوم وعدم علمه بالحقائق الثابتة الموجودة المسطورة في جميع كتبهم من التفسير والحديث والعقائد والكلام والتاريخ، وأنها كلها مليئة بتكفير أهل السنة قاطبة وتسميتهم النواصب. اللهم إلا بعض الكتب الدعائية التي لم تكتب لبيان المعتقدات وتعليمها وتفهيمها الشيعة، بل لمغالطة أهل السنة وخداعهم والتلبيس عليهم وتزوير الحقائق أمامهم، وإن لم يكن كذلك فلأي شيء حصل الافتراق والاختلاف؟.
وإن القوم الذين حكموا على أصحاب رسول الله r بالردة، خيار خلق الله بعد الأنبياء والمرسلين، وصفوتهم، لم يحكموا عليهم بهذا الحكم القدسي الجاني إلا لعدم مبايعتهم علياً رضي الله عنه – حسب زعمهم – ومبايعتهم أبا بكر الصديق، وبعده عمر الفاروق، وبعده عثمان ذا النورين رضي الله عنهم أجعين، وتركهم مناصرة علي وخذلانهم إياه كما يذكرون!!
فهذا هو الكليني وغيره يروون عن أبي جعفر محمد الباقر أنه قال:
"كان الناس أهل ردة بعد النبي r إلا ثلاثة: المقداد بن الأسود، وسلمان الفارسي، وأبو ذر الغفاري . . وقال:
هؤلاء الذين دارت عليهم الرحى وأوا أن يبايعوا" [كتاب الروضة من الكافي للكليني ج8 ص246].
وروى الكليني أيضاً عنه أنه قال:
أصبح رسول الله r يوماً كئيباً حزيناً، فقال له علي عليه السلام: ما لي أراك يا رسول الله كئيباً حزيناً؟.
قال: وكيف لا أكون كذلك وقد رأيت في ليلتي هذه أن بني تيم (أي أبا بكر وقومه)، وبني عدي (أي عمر وقبيلته)، وبني أمية (أي عثمان وعشيرته) يصعدون منبري هذا يردون الناس عن الإسلام القهقرى:
فقلت (يعي الرسول) : يا رب، في حياتي أو بعد موتي؟
فقال: بعد موتك" [كتاب الروضة من الكافي للكليني ج8 ص246].
وبلغوا في اللؤم حيث كذبوا على محمد الباقر أنه قال:
ما كان ولد يعقوب أنبياء ولكنهم كانوا أسباط أولاد الأنبياء، ولم يكن يفارقون الدنيا إلا سعداء، تابوا وتذكروا ما صنعوا.
وإن الشيخين (يعني أبا بكر وعمر) فارقا الدنيا ولم يتوبا، ولم يتذكرا ما صنعا بأمير المؤمنين عليه السلام، فعليهما لعنة الله والملائكة والناس أجمعين" [كتاب الروضة من الكافي للكليني ج8 ص246].
فمن كان هذا شأنهم مع أولئك الأخيار الأبرار فماذا سيكون موقفهم في أخلافهم، ومن يسلكون مسلكهم، وينهجون منهجهم، ويتبعونهم بإحسان؟.
فإن القوم لا يكتمون حقدهم وبغضهم وعقيدتهم في أولئك، فيقولون بكل صراحة ووقاحة:
"اتفقت الإمامية على كفر من أنكر إمامة أحد من الأئمة، وجحد ما أوجب الله تعالى له من فرض إطاعته فهو كافر ضال مستحق الخلود في النار" – قاله المفيد محمد بن النعمان العكبري [كتاب المسائل للمفيد المنقول من (البرهان في تفسير القرآن) مقدمة ص20 – ط إيران].
وقال أيضاً:
"اتفقت الإمامية على أن الإمامة بعد النبي r في بني هاشم خاصة، ثم في علي والحسن والحسين، ومن بعده في ولد الحسين عليه السلام دون ولد الحسن إلى آخر العالم.. واتفقت الإمامية على أن رسول الله استخلف أمير المؤمنين عليه السلام في حياته، ونص عليه بالإمامة بعد وفاته، وإن من دفع ذلك عنه دفع فرضاً من الدين" [أوائل المقالات ص48].
وقال ابن بابويه القمي:
"اعتقادنا فيم جحد إمامة أمير المؤمنين والأئمة من بعده عليهم السلام أنه بمنزلة من جحد نبوة الأنبياء عليهم السلام، وفيمن أقر بأمير المؤمنين وأنكر واحداً من بعده من الأئمة عليهم السلام أنه بمنزلة من آمن بجميع الأنبياء وأنكر نبوة محمد r " [اعتقادات الصدوق – نقلاً عن مقدمة البرهان ص19، 20].
وقال أيضاً:
"يجب أن يعتقد أنه لا يتم الإيمان إلا بموالاة أولياء الله ومعاداة أعدائه، وإن أعداء الأئمة كفار مخلدون في النار وإن أظهروا الإسلام، فمن عرف الله ورسوله والأئمة وتولاهم وتبرأ من أعدائهم فهو مؤمن، ومن أنكرهم أو شك فيهم أو في أحدهم أو تولى أعداءهم فهو ضال هالك، بل كافر، ولا ينفعه عمل ولا تقبل له طاعة" [اعتقادات الصدوق – نقلاً عن مقدمة البرهان ص19، 20].
هذا وقال السد المرتضى الملقب بعمل الهدى:
"إن المعرفة بهم (يعني الأئمة) كالمعرفة به تعالى فإنها إيمان وإسلام، وإن الجهل والشك فيهم كالجهل والشك فيه فإنه كفر وخروج من الإيمان، وهذه المنزلة ليست لأحد من البشر إلا لنبينا r والأئمة من بعده، على أولاده الطاهرين.. والذي يدل على أن معرفة إمامة من ذكرناه من الأئمة عليهم السلام من جملة الإيمان، وأن الإخلال بها كفر ورجوع عن الإيمان بإجماع الإمامية" [الرسالة الباهرة في العترة الطاهرة – نقلاً عن مقدمة البرهان ص20].
وقال الطوسي الملقب بشيخ الطائفة:
دفع الإمامة كفر، كما أن دفع النبوة كفر، لأن الجهل بهما على حد واحد، وقد روي عن النبي r أنه قال:
"من مات وهو لا يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية، وميتة الجاهلية لا تكون إلا على كفر" [تلخيص الشافي للطوسي ج4 ص131-132].
وقال أيضاً:
"إن المخالف لأهل الحق كافر، فيجب أن يكون حكمه حكم الكفار" [انظر: مقدمة البرهان ص120].
وقال الهاشم البحراني:
"إن الإقرار بنبوة النبي وإمامة الأئمة والتزام حبهم وإطاعتهم وبغض أعدائهم ومخالفيهم أصل الإيمان مع توحيد الله عز وجل بحيث لا يصح الدين إلا بذلك كله، بل إنها سبب إيجاد العالم، وبناء حكم التكليف، وشرط قبول الأعمال، والخروج عن حد الكفر والشرك، وإنها التي عرضت كالتوحيد على جميع الخلق، وأخذ عليها الميثاق، وبعث بها الأنبياء، وأنزلت في الكتب، وكلف بها جميع الأمم ولو ضمناً، وأن نسبة النبوة إلى الإمامة كنسبتها إلى التوحيد في تلازم الإقرار بها وبقرينها بحيث أن الكفر بأحدها في حكم الكفر بالآخر، ولا يفيد الإيمان ببعض دون بعض، وإن الأئمة مثل النبي في فرض الطاعة والأفضلية.. وإن الأحاديث غير المحصورة تدل على هذه الأمور المذكورة، بل أكثرها مما هو مجمع عليه عند علمائنا الإماميين.
وقد نص على حقيقته، بل كون جلها من ضروريات هذا المذهب أعاظم أصحابنا المحدثين" [انظر المقالة الثانية في: مقدمة تفسير البرهان للهاشم البحراني ص19].
وأما السيد حسين الملقب ببحر العلوم فقد أوضح أكثر مما قال به الآخرون حيث رجّح الإمامة على النبوة فقال:
"إن منطلق الإمامة هو منطلق النبوة بالذات، والهدف الذي من أجله وجبت النبوة هو نفسه الهدف الذي من أجله تجب الإمامة، وكما أن النبوة لطف من الله تعالى كذلك الإمامة لطف من الله أيضاً، واللحظة الحاسمة التي انبثقت فيها النبوة – وهي يوم الدار – هي نفسها اللحظة التي انبثقت فيها الإمامة، فما انطلق لسان النبي الأعظم r بالتشريع النبوي المقدس إلا وضم إليه المحافظة والوزارة والخلافة لعلي عليه السلام بقوله: "أنت وزيري وخليفتي". وهكذا استمرت الدعوة الإسلامية ذات لسانين: النبوة والإمامة في خط واحد، وامتازت الإمامة على النبوة: أنها استمرت بأداء الرسالة بعد انتهاء دور النبوة – ولن تزال – ببركة وجود صاحب الأمر عجل الله فرجه.
فالإمامة إذن قرين النبوة بالتشريع، وامتداد لها بالمحافظة والرعاية، وبهذا المعنى نفسر كلام الإمام الكاظم عليه السلام – كما في أصول الكافي – أن النبوة لطف خاص، والإمامة لطف عام" [تلخيص الشافي للطوسي ج4 ص131، 132 – الهامش].
وقال محدث الشيعة الكبير الحر العاملي:
"إن من ادعى الإمامة بغير حق، أو أنكر إمامة إمام الحق كفر" [الفصول المهمة في معرفة أصول الأئمة ص142].
أو بعد هذا كله مجال للشك بأن الشيعة لا يكفرون جميع أهل السنة؟
ثم.. ويجب أن يعلم بأن عقيدتهم هذه ليست إلا مبنية على تعاليم أئمتهم المعصومين – حسب زعمهم – وأقوالهم وتصريحاتهم.
وعلى ذلك نختم هذا الباب ونسأل الله الهداية والتوفيق.

الباب السابع
الشيعة الإثنا عشرية وسب الشيخين
إن الدكتور وافي ذكر مسألة سب الشيخين في موضعين من كتبه، وفي كلا الموضعين حاول عبثاً تبرئة الشيعة من هذه التهمة الشنيعة تكرماً أو تجاهلاً، فكتب:
"نستبعد كذلك ما يصدر من عوامهم من أقوال وأعمال لا يقرها فقهاؤهم ويعتبرونها مخالفة لأصول مذهبهم، فمن ذلك أن عوامهم يسبون الشيخين أبا بكر وعمر رضي الله عنهما.. ولكن أمثال هذه الأقوال والأعمال – لا يرضى عنها شيوخهم ويحكمون بحرمتها.. وإذا كنا سنحاسب الطوائف بما يفعله عوامهم فإن حسابنا يكون عسيراً لكثير من جماعات أهل السنة أنفسهم" [بين الشيعة وأهل السنة ص32 وما بعدها].
ثم أعاد هذا القول فكتب:
بقيت مسألة سب الشيخين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، واتهام عثمان بأنه يهودي، وقد ذكرنا فيما سبق أنه يبوء بهذا الإثم عامتهم وسفهاؤهم ولكن شيوخهم لا يقرون بذلك، ويحكمون بحرمته، وأنه لا يصح أن يحاسب الجعفرية بما يقوله ويفعله عامتهم وسفهائهم" [بين الشيعة وأهل السنة ص77].
ونسأل الدكتور وافي: في أي كتاب قرأ هذا الحكم؟ ومن أين نقله؟ ..لأننا لا ندري!!
كما أننا لا نعرف من هم سفهاء القوم؟ ومن هم عقلاؤهم وشيوخهم؟
فهل العياشي [هو أبو النضر محمد بن مسعود العياشي السلمي السمرقندي، المعروف بالعياشي من أعيان علماء الشيعة ممن عاش في القرن الثالث من الهجرة، قال عنه النجاشي: ثقة، صدوق، عين من أعيان هذه الطائفة، وكبيرها: (رجال النجاشي ص247 ط قم – إيران]، والقمي [هو أبو الحسن علي بن إبراهيم القمي، إمام مفسري الشيعة، وأقدمهم، من أعيان القوم في القرن الثالث من الهجرة]، والبحراني [هو هاشم بن سليمان بن إسماعيل، ولد في قرية (التوبل) في منتصف القرن الحادي عشر، ومات في سنة 1107ه، قال فيه الخوانساري: فاضل، عالم، ماهر، مدقق، فقيه، عرف بالتفسير والعربية الرجال، وكان محدثاً فاضلاً.. ومن مصنفاته (البرهان في تفسير القرآن) – (روضات الجنات ج8 ص181)، أيضاً (أعيان الشيعة)]، والكاشاني [هو الملا فتح الله الكاشاني من علماء الشيعة المتعصبين، ولم يصنف تصنيفه إلا رداً على المسلمين أهل السنة باسم (منهج الصادقين في إلزام المخالفين)] وغيرهم من المفسرين يعدون من العلماء أم من السفهاء؟
وهل الكليني [هو محمد بن يعقوب الكليني رئيس محدثي الشيعة، وأحد مؤلفي الكتب الأربعة وهو (الكافي)]، وابن بابويه القمي [هو أبو جعفر محمد بن علي بن الحسن بن بابويه القمي. لقب بالصدوق، من مواليد أوائل القرن الرابع من الهجرة، وتوفي سنة 381ه من الهجرة، وهو من كبار القوم ومحدثيهم، وكتابه (من لا يحضره الفقيه) أحد الكتب الأربعة]، والطوسي [هو أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي المتوفى سنة 460ه الملقب بشيخ الطائفة، من كبار محدثي القوم ومؤلف كتابين من الكتب الأربعة (التهذيب) و(الاستبصار)]، والمفيد [هو محمد بن محمد بن النعمان العكبري البغدادي، ولد سنة 338ه ومات في بغداد سنة 413ه، وصلى عليه السيد المرتضى، واشتهر بالمفيد (لأن الغائب المهدي لقبه به) – كما يزعمون – (معالم العلماء ص101)]، والكشي [هو أبو عمرو محمد بن عمر بن عبد العزيز الكشي، قال عنه القمي: هو الشيخ الجليل المتقدم أبو عمرو، قال الشيخ الطوسي: إنه ثقة بصير بالأخبار والرجال، حسن الاعتقاد: (الكنى والألقاب ج3 ص94)]، والمنبساطي [هو أبو محمد زين الدين علي بن يونس العاملي، ولد في أوليات القرن التاسع ومات سنة 877ه: فقيه، محدث، مفسر (معجم المؤلفين ج7 ص266)]، والأردبيلي [هو أحمد بن محمد الأردبيلي من مواليد القرن العاشر من الهجرة ومات سنة 993ه: كان متكلماً فقيهاً عظيم الشأن، جليل القدر، رفيع المنزلة وأنه ممن رأى الإمام صاحب الزمان (الكنى والألقاب 3/67)]، وابن الطاؤس الحسني [هو علي بن موسى بن الطاؤس، ولد سنة 589ه وتوفي سنة 66ه، قال فيه التفرشي: إنه من أجلاء هذه الطائفة وثقاتها، جليل القدر: (نقد الرجال ص144)]، والمجلسي [هو الملا محمد باقر بن محمد تقي المجلسي، ولد سنة 1037ه ومات سنة 1110ه، من ألد أعداء السنة وخصومهم. قال عنه القمي: المجلسي إذا أطلق فهو شيخ الإسلام والمسلمين، مروج المذهب والدين، الإمام، العلامة، المحقق، المدقق: (الكنى والألقاب ج3 ص121)]، وغيرهم من المحدثين والفقهاء يعدون من العلماء عند الدكتور أم من السفهاء؟
ولقد أوردنا نصوصاً عديدة، وروايات كثيرة من هؤلاء في كتابنا (الشيعة وأهل البيت) كلها سب وشتم وطعن في أصحاب محمد صلوات الله وسلامه عليه، وخاصة في أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم، ولم يكتفوا بسبهم وشتمهم، بل طعنوا في إسلام كل من يتولاهم ويحترز عن اللعن والطعن فيهم، ومن أراد تفصيل ذلك فليرجع إلى الكتاب. ونورد ههنا بعض الروايات والعبارات لمعرفة القوم وعقيدتهم في السب والشتم لأصحاب رسول الله عام. ولخلفاء الرسول الثلاثة خاصة كي يهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة، ولئلاً يتوهم متوهم بأننا بنينا الحكم على غير دليل وبرهان كما بناه السيد الدكتور، وليعلم أن مشائخ الشيعة وعلماؤهم يتفقون مع سفهائهم وأوباشهم في هذا الخبث واللؤم، ولا فرق بينهم.. اللهم إلا من تظاهر عكس ذلك تقية وخداعاً للمسلمين.
فهذا هو مفسر الشيعة الكبير القمي يكتب تحت قول الله عز وجل: ] وكذلك جعلنا لكل نبي عدواً شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً ..[. عن أبي عبد الله عليه السلام قال:
ما بعث الله نبياً إلا وفي أمته شيطانان يؤذيانه ويضلان الناس بعده، فأما صاحبا نوح.. وأما صاحب محمد فجبتر وزريق" [تفسير القمي ج1 ص214 – ط مطبعة النجف – العراق سنة 1386ه].
وكتب تحت ذلك عالمهم الهندي الملا مقبول بقوله:
"روى أن الزريق مصغر أزرق، والجبتر معناه الثعلب، فالمراد من الأول، الأول (أبو بكر) لأنه كان أزرق العينين، والمراد من الثاني، الثاني (عمر) كناية عن دهائه ومكره" [مقبول قرآن الشيعي في الأردية ص281- ط الهند].
وأما كلينيهم فقد كتب في كافيه عن أبي جعفر أنه قال:
ما كان ولد يعقوب أنبياء ولكنهم كانوا أسباطاً أولاد الأنبياء، ولم يفارقوا الدنيا إلا سعداء، تابوا وتذكروا ما صنعوا، وإن الشيخين فارقا الدنيا ولم يتوبا، ولم يتذكرا ما صنعا بأمير المؤمنين عليه السلام، فعليهما لعنة الله والملائكة والناس أجمعين" [الكافي للكليني كتاب الروضة ج8 ص246- ط إيران].
وكتب النباطي العلي في أبي بكر الصديق:
قالوا أبو بكر خليفة أحمد كذبوا عليه ومنزل القرآن
ما كان تيمي له بخليفة بل كان ذاك خليفة الشيطان [الصراط المستقيم للنباطي ج2 ص299- ط إيران].
وكتب في عمر الفاروق:
إذا نسبت عدياً في بني مضر فقدم الدال قبل العي في النسب
وقدم السوء والفحشاء في رجل وعد زنيم عتل خائن النصب [الصراط المستقيم للنباطي ج3 ص29].
وكتب في عثمان ذي النورين أنه سمي نعثلاً تشبيهاً بذكر الضباع، فإنه نعثل لكثرة شعره.. ويقال: النعثل: التيس الكبير العظيم الجثة، وقال الكلبي في (كتاب المثالب): "كان عثمان ممن يلعب به ويتخنث، وكان يضرب بالدف" [الصراط المستقيم ج3 ص30].
هذا ولقد بحث متكلموا الشيعة في كتب العقائد في تكفير عائشة أم المؤمنين وطلحة والزبير وغيرهم من كبار أصحاب رسول الله وأجلة هذه الأمة، وبنوا حكمهم على أن مسلك الشيعة الاثنى عشرية المتفق عليه هو تكفير هؤلاء الأخيار، وعلى أنهم مخلدون في النار – عياذاً بالله – كما ذكر ذلك المفيد في (أوائل المقالات في المذاهب والمختارات). والطوسي في (تلخيص الشافي) وغيرهما.
وقد قال فيهم محدثهم الكبير حسين بن عبد الصمد العاملي في كتابه في مصطلح الحديث (وصول الأخيار إلى أصول الأخبار) بعد ذكر هؤلاء الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين:
وهؤلاء نتقرب إلى الله تعالى وإلى رسوله ببغضهم وسبهم، وبغض من أحبهم" [وصول الأخيار إلى أصول الأخبار ص164- ط مكتبة الخيام قم – إيران سة 1401ه].
فهذه هي عقيدة القوم، مشائخهم وعلمائهم، فقهائهم ومتكلميهم، دون سفلتهم وسفهائهم عكس ما يذكره الدكتور وافي، ومن أراد الاستزادة في هذا الباب فليرجع إلى كتابنا (الشيعة وأهل اليبت)، وأيضاً كتابنا (الشيعة والسنة) ففيهما الكفاية في هذا الموضوع.
والجدير بالذكر أنه لا يخلو كتاب من كتب الشيعة من سب هؤلاء الأخيار وشتمهم، كما لا يوجد كتاب ما في العقائد أو الحديث أو التفسير أو الفقه يذكر فيه تحريم السباب والشتائم لأصحاب رسول الله، وخاصة الشيخين أبي بكر وعمر اللذين قال فيهما علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه:
إنهما إماما الهدى، وشيخا الإسلام، ورجلا قريش، والمقتدى بهما بعد رسول الله r ، من اقتدى بهما عصم، ومن اتبع آثارهما هدي إلى صراط مستقيم" [تلخيص الشافي للطوسي ج2 ص428].
وهذا آخر ما أردنا إيراده في هذا الكتاب والله سبحانه وتعالى الهادي إلى سواء السبيل.
لقد بدأنا في كتابة هذا البحث وكنا في القاهرة عندما رأينا كتاب السيد الدكتور علي عبد الواحد وافي رغبة منا في إنجازه وإتمامه في القاهرة ولكن حال دون تحقيق هذه الرغبة عدم وجود كتب القوم هناك. وقلة أيا المكوث فيها، وكثرة الأشغال، ولقد أكملنا المقدمة والباب الأول ونحن فيها. ثم واصلنا السفر إلى أوربا، وعند إيابنا إلى بلادنا شرعنا في كتابة البحث ولكن ببطء لكثرة الخطب والمحاضرات في المدن المختلفة الباكستانية، شاسعة الأطراف وبعيدة الجوانب، فكنا طوال هذه المدة في السفر نهاراً، وفي الخطب ليلاً، ولكننا لم نجد فرصة خلال هذه الأسفار المتواصلة والخطب المسلسلة إلا وقد اختلسناها لإكمال هذا البحث لأهميته واحتياج الناس إليه لما قد ظهر في كتب الدكتور وافي المذكور من خطاء كثيرة ومغالطات كبيرة – عفا الله عنه – بقصد أو دون قصد، والله يعلم السرائر وبواطن الأمور. ولكن الدكتور – على شأنه ومنزلته – يخشى أن يغتر به المغترون. وينخدع بكلامه المنخدعو لما له من منزلة ومقام في عيون طلبة العلم وأهله.
وإنه لمؤسف حقاً أنه لم يتحر الحقيقة في كتابه (بين الشيعة وأهل السنة) ولم يحمل نفسه عناء البحث والتحقيق رغم ما ادعاه في مقدمة كتيبه وخاتمته. بل على عكس ذلك لم يكتب إلا نقلاً على نقل دون الرجوع إلى الأصول المعتمدة والكتب الموثقة لدى الشيعة، وكأنني لا أبالغ إذا قلت إن سيادته لم يطلع على كتاب واحد من كتب الشيعة أنفسهم كما يظهر من كتيبه هذا، وهذا لا يليق لمن ينتسب إلى العلم فضلاً عن أن يكون في مقام السيد الدكتور.
ولا أود أن يصدق عليه قول الله عز وجل:
] ومن الناس من يجادل في ا لله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير [ [سورة الحج الآية8].
وإني لم أكتب هذا الكتاب إلا بياناً للحق، ولوضع الأمور في نصابها، ونصيحة للمسلمين، لأن الدين النصيحة. قال الرسول عليه الصلاة والسلام:
"الدين النصيحة. قلنا لمن يا رسول الله؟
قال: لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين، وعامتهم" [رواه مسلم].
وأرجو الله العلي القدير أن يخلص نياتنا لوجهه الكريم، ويجعلنا مدافعين عن حوزة العقيدة الصحيحة والصراط المستقيم. إنه سميع مجيب.
إحسان إلهي ظهير
لاهور – باكستان
صفر 1405ه
نوفمبر 1984م
................................
انتهى بحمد الله
والى كتاب اخر
في اقرب وقت باذن الله
رد مع اقتباس
  #8  
قديم 14-Dec-2011, 09:01 PM
أبو تراب عبد المصور بن العلمي أبو تراب عبد المصور بن العلمي غير متواجد حالياً
ممنوع من الكتابة
 
تاريخ التسجيل: Apr 2009
المشاركات: 254
افتراضي رد: كتب الشيخ احسان الهي ظهير في الرد على الشيعة

يرفع لحاجتنا له هذه الأيام
رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
قصة زيارة الشيخ احسان الهي ظهير الى سرداب سامراء ! و حقيقة مهديهم أبو أسامة سمير الجزائري الـمـنـبــر الـــعــــام 3 21-Oct-2010 06:24 PM
الشيعة والسنة للشيخ احسان الهي ظهير أبو عبد الرحمن ونيس البرعصي الـمـنـبــر الـــعــــام 0 15-Feb-2010 08:26 PM
السنة والشيعة للشيخ حسان الهي ظهير (6) أبو عبد الرحمن ونيس البرعصي الـمـنـبــر الـــعــــام 0 16-Nov-2008 04:15 PM
السنة والشيعة للشيخ حسان الهي ظهير (2) أبو عبد الرحمن ونيس البرعصي الـمـنـبــر الـــعــــام 1 16-Nov-2008 04:06 PM
السنة والشيعة للشيخ حسان الهي ظهير (1) أبو عبد الرحمن ونيس البرعصي الـمـنـبــر الـــعــــام 0 16-Nov-2008 04:01 PM


الساعة الآن 05:24 PM.