إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

الثقات الذين إذا شكوا في حديثهم فيطرحونه زيادة في التثبت والتوقي والورع

تقليص
X
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • الثقات الذين إذا شكوا في حديثهم فيطرحونه زيادة في التثبت والتوقي والورع

    الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين.
    أما بعدُ:
    فهذا بحث من ملح علوم الحديث حول الرواة الثقات الذين - من زيادة تثبتهم وورعهم وإتقانهم – قد يشكون في حديثهم، فيطرحونه ولا يروونه، وليس شكهم ناتجًا عن ضعف فيهم، بل عن زيادة تحريهم وإتقانهم وورعهم.
    وقد عقد الرامهرمزي في كتابه ((المحدث الفاصل)) بابًا قال: ((باب من كَانَ يتهيب الرواية ويتوقاها ويكثر التشكك)).
    فمن الرواة الثقات من يوقف المرفوع أو يرسل الموصول، ومنهم من إذا شك في الحديث هل قرأه هو أو قرئ وهو يسمع يقول: قرأنا على فلان، ومنهم من يترك التحديث بالحديث الذي يشك فيه، بل وصل الأمر بترك التحديث بكتاب كامل؛ ومن هؤلاء المحتاطين الذين ربما شك في حديث واحد فلا يستطيع أن يعيّنه، فيجعل ذلك سببًا في ضربه صفحا عن الكتاب كله فلا يحدث به، من هؤلاء: علي بن الحسن بن شقيق بن دينار كما جاء في ترجمته في ((تهذيب الكمال)): ((قال أبو عمار الحسين بن حريث: قلت للشقيق: سمعت من أبي حمزة كتاب ((الصلاة))؟ قال: قد سمعت، ولكن نهق حمارٌ يوماً فاشتبه علي حديث، فلا أدري أي حديث هو، فتركت الكتاب كله !!).
    كل هذا خوفًا منهم أن يدخلوا في حديث رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ما ليس منه فيقعوا في الكذب.
    قال مجاهد رحمه الله كما في ((الكفاية)): (أنقص من الحديث ولا تزد فيه).
    وقال ابن رجب رحمه الله في ((شرح علل الترمذي)): ((ورخص طائفةٌ في النقص في الحَدِيث للشك فيه دون الزيادة، منهم مجاهد وابن سيرين، وروى أيضا عَنْ مالك أنه كَانَ يترك منه كل ما شك فيه)).
    وقال السخاوي رحمه الله في ((فتح المغيث)): ((الحاملُ عَليهِ وَعَلَى العُدولِ عَنْ التصريحِ بالإضافةِ: إمّا الشك في الصّيغةِ التي سَمِعَ بها أهي: ((قَالَ رسول الله)) أو ((نبي الله)) أو نحو ذلكَ، كسَمِعتُ أو حَدِثني، وَهُو ممن لا يَرى الإبدال كما أفاد حاصله المنذريُّ، أو طَلَباً للتخفيفِ وإيثاراً للاختصار، أو للشك في ثبوته كما قالهما شيخنا [وهو: الحافظ ابن حجر]، أو وَرَعَاً حَيثُ عَلِمَ أنّ المؤدى بالمعنى)) اهـ.
    فلهذا المحدثون قد يرجحون الحديث الموصول على المرسل إذا كان الوصل من ثقة والذي أرسله عُرف بالاحتياط والتوقي في الرواية.
    قال العلائي رحمه الله في كتابه ((جامع التحصيل)): ((الأمر السادس: أنْ ينظرَ إلى هذا الذي أرسلَ الحَدِيث فإنْ كَانَ إذا شرك غيره من الحفاظ في حَدِيث وافقه فيه ولم يخالفه دلّ ذلك على حفظه، وإن كَانَ يخالف غيره من الحفاظ فإن كانت المخالفة بالنقصان إما بنقصان شيء من متنه أو بنقصان رفعه أو بإرساله كَانَ في هذا دليل على حفظه وتحريه كما كَانَ يفعله الإمام مالك رحمه الله كثيرا، قَالَ الشافعي رحمه الله: النّاس إذا شكوا في الحَدِيث ارتفعوا، ومالك إذا شك فيه انخفض. يشير إلى هذا المعنى)) اهـ.
    فهم رحمهم الله لا يقبلون أن يرووا حديثا يشكون فيه، فمن أقوالهم:
    قال يحيى بن معين رحمه الله: ((من لم يكن سمحا في الحديث كان كذابا.
    قيل له: وكيف يكون سمحا؟
    قال: إذا شك في حديث ما، تركه)).
    وقال عبد الرحمن بن مهدي رحمه الله: ((خصلتان لا يستقيم فيهما حسن الظن: الحكم والحديث)).
    ما حكم رواية الحديث المشكوك فيه؟
    قال الخطيب البغدادي رحمه الله في ((الكفاية في علم الرواية)): ((إذا شك في حديث واحد بعينه انه سمعه وجب عليه اطراحه وجاز له رواية ما في الكتاب سواه وان كان الحديث الذي شك فيه لا يعرفه بعينه لم يجز له التحديث بشيء مما في ذلك الكتاب)).
    وقال ابن قدامة المقدسي رحمه الله في ((روضة الناظر)): ((إذا شك في سماع حديث من شيخه لم يجز أن يرويه عنه لأن روايته عنه شهادة عليه فلا يشهد بما لم يعلم وإن شك في حديث من سماعه والتبس عليه لم يجز أن يروي شيئا منها مع الشك لما ذكرنا فإن غلب على ظنه في حديث أنه مسموع فقال قوم يجوز اعتمادا على غلبة الظن وقيل لا يجوز لأنه يمكن اعتبار العلم بما يرويه فلا يجوز أن يرويه مع الشك فيه كالشهادة)) اهـ.
    قال الإمام الشنقيطي رحمه الله شارحا كلام ابن قدامة السابق في ((مذكرة أصول الفقه)): ((خلاصة ما ذكره في هذا الفصل ثلاث نقط:
    الأولي: أنه إن شك في سماع حديث من شيخه لا يجوز له أن يرويه عنه مع الشك وهذا واضح لأن منع رواية المشكوك فيه ضروري كما ترى.
    الثانية: أنه إن شك في حديث من سماعه ثم التبس عليه ذلك الحديث المشكوك فيه فلم يميزه من غيره لم يجز له أن يروي عنه شيئاً مع ذلك الشك لأن كل حديث رواه عنه احتمل أن يكون هو ذلك الحديث الذي شك في سماعه.
    الثالثة: إذا غلب ظنه أنه سمع منه حديثاً ولم يجزم بذلك فهل تكفي غلبة الظن فتجوز الرواية بها أو لا تكفي فلا تجوز بها ولم يرجح واحداً منها)) اهـ.
    ومن هؤلاء الرواة الثقات الذين إذا شكوا في حديثهم طرحوه:
    1) أيوب بن أبي تميمة كيسان السختياني (مات سنة إحدى وثلاثين ومائة).
    قال شعبة رحمه الله كما في ((العلل ومعرفة الرجال)): كان أيوب يشك في عامة حديثه.
    قال شعبة رحمه الله أيضا كما في ((تاريخ دمشق)): شك أيوب ويونس وابن عون أحب إلي من يقين قوم كثير.
    2) يونس بن عبيد بن دينار العبدي أبو عبيد البصري (مات سنة تسع وثلاثين ومائة).
    قال شعبة رحمه الله كما في ((تاريخ دمشق)): شك أيوب ويونس وابن عون أحب إلي من يقين قوم كثير.
    3) سليمان بن طرخان التيمي أبو المعتمر (مات سنة ثلاث وأربعين ومائة).
    قال شعبة رحمه الله أيضا كما في ((طبقات المحدثين بأصبهان)): شك ابن عون وسليمان التيمي يقين.
    4) عبد الله بن عون بن أرطبان أبو عون (مات سنة خمسين ومائة على الصحيح).
    قال شعبة رحمه الله كما في ((التمييز)): شك ابن عون أصدق عندي من حديث آخر عندكم، صدوق صدوق.
    وقال شعبة رحمه الله أيضا كما في ((الجرح والتعديل)) وفي ((الكامل في ضعفاء الرجال)) وفي ((تاريخ دمشق)): شك ابن عون ، أحب إلي من يقين غيره.
    وقال شعبة رحمه الله أيضا كما في ((طبقات المحدثين بأصبهان)): شك ابن عون وسليمان التيمي يقين.
    وقال شعبة رحمه الله أيضا كما في ((تاريخ دمشق)): شك أيوب ويونس وابن عون أحب إلي من يقين قوم كثير.
    وقال الدارقطني في ((العلل)) بعدما ساق حديث عائشة رضي الله عنها: والخِلافُ فِيهِ مِن قبلِ ابنِ عَونٍ، لأَنَّهُ كان كَثِير الشَّكِّ.
    5) مسعر بن كدام (مات سنة ثلاث أو خمس وخمسين ومائة).
    قال شعبة رحمه الله كما في ((حلية الأولياء)): شك مسعر أحب إلي من يقين غيره.
    وقال أبو نعيم رحمه الله كما في ((تاريخ أبي زرعة الدمشقي)): كان مسعر شكاكا في حديثه وليس يخطئ في شيء من حديثه إلا في حديث واحد.
    وقال سفيان بن عيينة رحمه الله كما في ((حلية الأولياء)): قالوا للأعمش إن مسعرا يشك في حديثه.
    قال: شك مسعر كيقين غيره.
    وقال الفضل بن الحسن كما في ((المحدث الفاصل بين الراوي والواعي)): قيل لمسعر بن كدام ما أكثر تشكك قال تلك محاماة على اليقين.
    قال أبو نعيم الأحول كما في ((المحدث الفاصل بين الراوي والواعي)): قال سمعت مسعرا يقول: أنا أشك في كل شيء إلا في الإيمان.
    6) شعبة بن الحجاج بن الورد العتكي أبو بسطام الواسطي (مات سنة ستين ومائة).
    قال سفيان الثوري رحمه الله كما في ((تاريخ بغداد)): ما رأيت أحدا أورع في الحديث من شعبة يشك في الحديث الجيد فيتركه.
    وقال شعبة رحمه الله كما في ((العلل ومعرفة الرجال)): ما يسرني أني شككت وأنا لا أشك وأن لي كذا وكذا.
    7) مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر بن عمرو الأصبحي أبو عبد الله إمام دار الهجرة (مات سنة تسع وسبعين ومائة).
    قال الشافعي رحمه الله كما في ((التعديل والتجريح)) وفي ((حلية الأولياء)) وفي ((التمهيد)) وفي ((الكفاية)): كان مالك إذا شك في بعض الحديث طرحه.
    وفي رواية كما في ((التدوين في أخبار قزوين)): كان مالك إذا شك في الحديث تركه.
    وقال الشافعي رحمه الله كما في ((بيان خطأ من أخطأ على الشافعي)): الناس إذا شكوا في الحديث ارتفعوا ، وكان مالك إذا شك في الحديث انخفض.
    8) حماد بن زيد بن درهم الأزدي الجهضمي أبو إسماعيل (مات سنة تسع وسبعين ومائة).
    قال يعقوب بن شيبة كما في ((تهذيب التهذيب)): حماد بن زيد اثبت من ابن سلمة وكل ثقة غير أن ابن زيد معروف بأنه يقصر في الأسانيد ويوقف المرفوع كثير الشك بتوقيه.
    9) سلام بن أبي خبزة العطار، وهو: سلام بن سعيد البصري.
    قال سعيد بن سلام العطار رحمه الله كما في ((الكفاية في علم الرواية)): سمعت أبى يقول: إني لأشك في الحرف الواحد من الحديث فأدعه رأسا.
    10) سفيان بن عيينة بن أبي عمران ميمون الهلالي أبو محمد (مات سنة ثمان وتسعين ومائة).
    قال الحميدي رحمه الله في ((المسند)) ونقله عنه البيهقي في ((السنن الكبرى)): وكان سفيان يشك في حديث أبي النضر يضطرب فيه وربما شك في حديث زياد ويقول يختلط علي.
    ثم قال لنا غير مرة: حديث أبي النضر كذا وحديث زياد كذا وحديث محمد بن عمرو بن علقمة كذا على ما ذكرت كل ذلك.
    11) عبد الرحمن بن مهدي بن حسان العنبري أبو سعيد (مات سنة ثمان وتسعين ومائة).
    قال عبد الرحمن بن مهدي رحمه الله كما في ((الكفاية في علم الرواية)): وجدت في كتبي بخط يدي عن شعبة ما لم اعرفه وطرحته.
    12) علي بن الحسن بن شقيق الشقيقى أبو عبد الرحمن المروى (مات إحدى عشرة أو خمس عشرة ومائتين).
    قال أبو عمار الحسين بن حريث المروزي كما في ((الكفاية في علم الرواية)): سألت على بن الحسن الشقيقى هل سمعت كتاب الصلاة من أبى حمزة؟
    قال: الكتاب كله إلا انه نهق حمار يوما فخفي على الحديث أو بعض حديث ثم نسيت أي حديث كان من الكتاب فتركت الكتاب كله.
    13) يحيى بن معين بن عون الغطفاني أبو زكريا (مات سنة ثلاث وثلاثين ومائتين).
    قال يحيى بن معين رحمه الله كما في ((تاريخ دمشق)): من لم يكن سمحا في الحديث كان كذابا قيل له وكيف يكون سمحا قال إذا شك في الحديث تركه.
    14) يحيى بن يحيى بن بكر بن عبد الرحمن التميمي أبو زكريا النيسابوري (مات سنة ست وعشرين ومائتين).
    قال أحمد بن حنبل رحمه الله في ((العلل ومعرفة الرجال)) وكما في ((الجرح والتعديل)): ما أخرجت خراسان بعد ابن المبارك مثل يحيى بن يحيى قال: كنا نسميه يحيى الشكاك يعني من كثرة ما كان يشك في الحديث.
    وجاء في ((الانتقاء في فضائل الثلاثة الأئمة الفقهاء)): كان من ورعه يشك في الحديث كثيرا حتى سموه الشكاك.
    قال الذهبي رحمه الله في ((تذكرة الحفاظ وذيوله)): ((يعني أنه كان كلما توقف في كلمة أبطل سماعه لذلك الحديث ولم يروه ومناقبه جمة)) اهـ.
    قال الحاكم كما في ((سير أعلام النبلاء)): سمعت محمد بن يعقوب الحافظ: سمعت مشايخنا يقولون: لو عاش يحيى بن يحيى سنتين، لذهب حديثه، فإنه إذا شك في حديث، أرسله، هذا في بدء أمره، ثم صار إذا شك في حديث، تركه، ثم صار يضرب عليه من كتابه.
    15) دعلج بن أحمد بن دعلج بن عبد الرحمن أبو محمد السجستاني (مات إحدى وخمسين وثلاثمائة).
    قال الدارقطني رحمه الله كما في ((تاريخ بغداد)) وفي ((تاريخ دمشق)) وفي ((بغية الطلب في تاريخ حلب)): صنفت لدعلج المسند الكبير فكان إذا شك في حديث ضرب عليه ولم أر في مشايخنا أثبت منه.
    16) أحمد بن محمد بن غالب البرقاني أبو بكر (مات خمس وعشرين وأربعمائة).
    قال الخطيب البغدادي رحمه الله في ((الكفاية في علم الرواية)): وكان شيخنا أبو بكر البرقاني يختار هذا المذهب ويعمل به وربما يشك في الحديث هل قرأه هو أو قرئ وهو يسمع فيقول فيه قرأنا على فلان.
    النتائج
    ليس كل شك ناتج عن ضعف الراوي.
    مِن الشك ما هو ناتج عن زيادة تثبت وورع وإتقان.
    ليس كل شك علة يُرد به الحديث.
    قِلة عدد أحاديث الرواة الثقات الذين يشكون في حديثهم.
    هذا والله أعلم، وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وآخر دعونا أن الحمد لله رب العالمين.
    كتبه عزالدين بن سالم بن الصادق أبوزخار
    طرابلس الغرب: الاثنين 6 المحرم سنة 1437 هـ
    الموافق لـ: 19 أكتوبر سنة 2015 م
يعمل...
X